الوقت - حطّ رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، رحاله في الولايات المتحدة، حيث التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خضمّ ظروف إقليمية دولية مُلبّدة بغيوم التوتر، ولئن بدت هذه الزيارة عند النظرة السطحية محمّلةً برسائل عن مستقبل ترتيبات غرب آسيا، إلا أنّ القراءة المتأنّية تكشف عن استمرارٍ في النسق المألوف من التنسيق السياسي، لا عن انفراج في مسار جديد. لذا، فإنّ رحلة فلوريدا تندرج – لا ريب – في سياق سعيٍ لاحتواء أزمات الداخل وموازنة الضغوط من الخارج.
أغراض الزيارة: تثبيت موقف آيل للاهتزاز وإعادة رسم الأولويات
تتعدد دوافع نتنياهو، وتتشابك مستوياتها بين الداخل المأزوم، والإقليم المُلتهب، والمشهد العالمي المتحوّل، وكلٌّ من هذه الدوائر يؤثّر في الأخرى ويشدّ إليها وشائج القرار والسياسة.
فعلى الصعيد الداخلي، اختار نتنياهو شدّ الرحال إلى واشنطن وهو تحت وطأة قصف سياسي وقضائي لا يكلّ ولا يملّ، فالفجوات العميقة داخل حكومته، والاحتجاجات الآخذة في الازدياد، والملفّات القضائية التي تنوء بها كاهله، جعلت من ساحة الكيان أشبه بغليان لا يهدأ، ضمن هذا الإطار، تجلّت زيارة واشنطن كلوحة دعائية رمزية، أراد بها أن يُلبس نفسه ثوب التأييد الأميركي، ويُمنّي نفسه بكسب أنصار في الداخل، ولو كان ذلك دون تغيّر فعلي في موازين الواقع، فهي في نهاية المطاف محاولة لتسكين مؤقّت لأوجاع الداخل، لا أكثر.
أما في المدى الإقليمي، فقد ظلّت إيران على رأس جدول الحضور، مثلما كانت قضيّة غزّة ماثلةً في الحوارات الحاسمة، ونبرات نتنياهو بشأن البرنامجين الصاروخي والنووي الإيراني، هي صدى مكرور لأوتارٍ عزفها مراراً وتكراراً طوال الأعوام المنصرمة، مراده من ذلك لم يكن تبشيراً بتغيير، بل تثبيت جبهة الغرب حول موقفٍ موحدٍ من طهران، لئلا تذوب الضغوط أو تخفّ وطأتها مع تبدّل رياح السياسات، فخطابه، في جوهره، لم يتجاوز كونه صدى لدبلوماسية التهويل ووسيلةً لتحريك إعلامٍ مترنّح، لا طرحاً جديداً ولا مقاربة مبتكرة.
وفيما يخصّ غزّة، فقد أعاد التطرّق إلى مسألة نزع سلاح المقاومة، مسترجعاً ذات الشروط الأمنية التي طالما رددها الكيان في معرض الضغط السياسي. ويغيب عن هذا الطرح إدراكٌ لحقيقة الميدان؛ إذ الواقع المرير والتجارب المتراكمة أثبتت أن هذه الأهداف أبعد ما تكون عن التحقق، وأن العقبات في طريقها سياسية، اجتماعية، وميدانية، لا تحصى، وبذلك، فإنّ أغلب المراقبين لا يرون في عودة هذه العبارات إلا استهلاكاً إعلامياً وورقة ضغطٍ لحصد مكاسب مرحلية.
الرسائل الدولية: صيانة المكانة بين اهتمامٍ متضائل
وأما الوجهة الدولية للزيارة، فثمة هاجس عميق يسكن عقل صنّاع القرار في تل أبيب: الخوف من أن يُزاح الشرق الأوسط من قائمة أولويات أمريكا المتقلّبة، فواشنطن، المشغولة بملفّاتها الشائكة شرقاً وغرباً، لم تعد تمنح هذه الرقعة من الأرض ما كانت تمنحه سابقاً من اهتمام وموارد، من هنا، جاءت هذه الزيارة بمثابة تذكير لطيفٍ خفيّ، بلغة غير مباشرة، بأنّ العلاقة بين الطرفين ينبغي أن تبقى حجر زاوية في السياسة الخارجية الأمريكية.
فلوريدا… لقاء التكرار لا التغيير
تفصيل ما دار في لقاء فلوريدا، واستقراء التصريحات والمواقف الصادرة عنه، يشي بأنّ المحادثات انحصرت – إلى حد بعيد – في جملة موضوعات استُهلكت سابقاً، وتكررت بعبارات مرصوفة مسبقاً، من الدعم الأمريكي المتجدد للكيان، إلى التحذيرات المكرورة من إيران، إلى الشروط الصهيونية حول غزة… كلها تدور في فلك اللغة التقليدية للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، بلا جديدٍ يُذكر.
فيما يخصّ إيران، فإنّ التصريحات النارية لم تكن إلا رسائل مُشفّرة أكثر منها إعلاناً عن خطوات فعلية. إنها موجّهة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين على السواء، وفي غالب أمرها لا تُفضي إلى قرار تنفيذي، بل تُستخدم لغايات ردعٍ نفسي، أو للتلويح بورقة لا يراد فعلياً استخدامها، إذ أظهرت الوقائع أنّ ما بين الأقوال والأفعال في ملفّ إيران مسافاتٌ مترامية، وأنّ القرار الفعلي يخضع لحسابات عسيرة، وتقديراتٍ معقّدة في موازين السياسة والحرب والاقتصاد.
وفي شأن غزّة، فإنّ الإلحاح على نزع سلاح المقاومة وتدرّج إدارة الأزمة، لا يُخفي ضيق أفق الحلول وغياب الرغبة في اجتثاث الجذور التي أورثت هذه المأساة الممتدة، فالمقاربة الصهيونية، كما يبدو، لا تبتغي علاجاً، بل تأبيداً للسيطرة، ومزيداً من الإطالة في عمر الأزمة، حتى وإن كان الثمن باهظاً من الدم والعذابات.
رؤية تحليلية شاملة للمسألة
إنّ الرحلة التي قام بها رئيس وزراء الكيان الصهيوني إلى الولايات المتحدة، ولقاءه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يجوز النظر إليها بصفتها خرقًا لمسار أو انقلابًا على أعراف، بل تأتي كحلقة مألوفة في سلسلة طويلة من نمطٍ سياسيٍّ استقرّت قوالبه، وترسّخت ركائزه عبر العقود، دون أن تزعزعها تبدّلات الإدارات أو تقلّبات الرؤساء في واشنطن.
لقد ظلّ هذا النموذج من الشراكة المحتومة ـ أمنيةً كانت، أم سياسية، أم إعلامية ـ ماضياً في نسقه، دائبًا في طبيعته، لا يعرف الغياب إلا ليعود بحذافيره في موسمٍ آخر، فزيارة نتنياهو إلى فلوريدا لم تكن اصطفافاً على عتبة جديدة، بقدر ما كانت تكرارًا لآلية التنسيق التي فُعِّلت مرارًا في تقاطعات الأزمنة واختناقات المصالح.
ولو أننا ألقينا النظر بادئ ذي بدء على التوقيت الذي اختير لهذا اللقاء، لعلِمنا أن له من الدلالات ما لا يقلّ عن فحوى الحديث والأجندة ذاتها؛ إذ يأتي الحدث في مرحلة تعصف بها أزمات الغرب الآسيوي، كريحٍ هوجاء لا تبقي ولا تذر، فوقف إطلاق النار الهشّ في غزّة يتأرجح على حافة الانهيار، وتداعيات الحرب هناك ـ سياسياً وإنسانيًا ـ باتت كالغصّة في حلق الخرائط الإقليمية، وفي الأثناء، لا تزال المواجهات اللفظية والمساجلات الدبلوماسية المستعرة بين طهران وواشنطن تمدّ جمر النار من تحت الرماد، في حين تلقي الحرب الأوكرانية، وصراع القوى العالمية، وسحب الانكماش الاقتصادي، بظلالٍ كثيفة على نمط تفكير الفاعلين في الساحة الإقليمية والدولية على حدّ سواء.
ومن هنا، فإنّ أيّ لقاء سياسي على مستويات عليا، في مثل هذا المخاض العسير، لا بدّ أن يكون عرضةً لعشرات القراءات، ويغدو محلاً لفيضٍ من التأويلات المتضاربة.
غير أنّ الغوص في مضامين اللقاء الذي شهدته فلوريدا، يكشف لنا أنه لم يكن نقطة تحوّل، بل مسعى لحفظ التوازن، وضبط الإيقاع السياسي على وقع المشهد القائم، فالكيان الصهيوني، ورئيس وزرائه على وجه الخصوص، يكابد في الأشهر الأخيرة من ويلات التصدّع الداخلي ما ينوء به الکاهل، من الانشقاقات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية، إلى تبِعات الحملات العسكرية وارتداداتها على موازين الرأي العالمي.
ولقد أدرك نتنياهو، قبل غيره، أنّ استدعاء مشهد الدعم الأمريكي ـ ولو كان شكلياً ـ ضرورةٌ وجودية وليست مجرّد مصلحة عابرة، في لحظةٍ تتآكل فيها شرعيته، ويتهدّد فيها عرشه من الداخل والخارج على السواء.
ومن ناحية واشنطن، فلا تعدو هذه الزيارة أن تكون امتدادًا للاصطفاف التقليدي خلف الكيان، ذلك الاصطفاف الذي صنعت هندسته اعتباراتٌ مترسّخة، لا تُبدّلها زوابع الأحداث السريعة، ولا تُنسفها الوقائع الآنية، فثمّة علل داخليةٌ متجذّرة في السياسة الأمريكية ـ من سطوة جماعات الضغط، وحسابات الانتخابات، ومكانة الكيان الاستراتيجية ضمن البنية الأمنية الأمريكية ـ تجعل مثل هذه اللقاءات أقرب إلى الطقوس السياسية منها إلى المبادرات الأصيلة.
وبالتالي، فإنّ زيارة نتنياهو لفلوريدا لم تكن ضربةً جديدةً على طاولة الشطرنج، بل حركة مألوفة، على لوحٍ نعرف كلّ مربّعاته. لم تحمل خططاً استراتيجية فذة، ولا مبادرات تخرج بالوضع من عنق الزجاجة؛ إنّما غلبت عليها سمة الاستمرار على النهج المألوف، لا المغامرة بسلوك دروب مغايرة.
ومجمل القول، إنّ ما جرى في فلوريدا عكس أكثر من أي شيء آخر حاجة الطرفين ـ الكيان والولايات المتحدة ـ إلى امتصاص الضغوط، وبثّ رسائل سياسية تطمينية، والإبقاء على لغة التعاون في إهابها التقليدي المعتاد. غير أنّ وقائع الميدان، من غزة حتى الملفّ الإيراني، تبيّن أنّ فاعلية هذه الأُطر الصلبة قد بدأت تتآكل، وأنّ قدرة هذا التحالف على صناعة أثر حقيقي باتت رهينةً بموانع متعاظمة وشروط معقّدة.
فلا يصحّ، إذن، أن ننظر إلى هذا الحدث كميلاد درب جديد، بل الأولى أن نُعنى به من حيث هو دوران في فلكٍ قديم، واستمرار لنهجٍ طالما اختار إدارة الأزمات بدل حلّها.
