الوقت- لم يعد الحديث عن دور سوري في الحرب الدائرة في اليمن مجرد تكهنات تتناقلها المواقع، فقد تقاطعت خلال الأيام الأخيرة تقارير إعلامية دولية ترسم صورة متدرجة: عشرات العسكريين السوريين انتقلوا إلى السعودية خلال الأسابيع الماضية في مهمة مشورة وتدريب لوحدات سعودية ويمنية داخل المملكة، بحسب مصدرين عسكريين سوريين ومسؤول أمريكي، مع إشارة إلى أن نطاقها قد يكون أوسع. وقال المسؤول الأمريكي إن مسألة إرسال قوات سورية طُرحت خلال لقاء ولي العهد السعودي والشرع في الرياض الشهر الماضي، وإن واشنطن حثت دمشق على الحذر. وذهبت "فرانس برس" أبعد من ذلك حين نقلت عن مسؤولين يمنيين لم تسمهم أن آلاف الجنود السوريين سيُنشرون في السعودية واليمن وأن بعضهم وصل، وعن ثلاثة مصادر عسكرية أن مئات منهم موجودون على جانبي الحدود، فيما تحدث مصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن نحو ثلاثة آلاف جندي. وإذا صحت هذه الأنباء فستكون القوات السورية أول قوات برية أجنبية تشارك في الصراع اليمني منذ تجدد القتال في الصيف.
نفي دمشق وحدوده
نفى مصدر دبلوماسي سوري، عبر وكالة "سانا"، ما تداولته التقارير عن إرسال قوات إلى اليمن، واعتبر الحديث عن ذلك حالياً لا أساس له، موضحاً أن التعاون العسكري مع السعودية يتركز على التدريب وتبادل الخبرات، مع احتمال تطوره إلى اتفاق دفاع مشترك أو انضمام دمشق إلى حلف مكة، وأن أولوياتها الأمن الداخلي وإعادة الإعمار. وقد قال دبلوماسي سوري إن أي إشارة إلى نشر عسكريين في هذه المرحلة سابقة لأوانها. والنفي هنا مرتبط بالزمن، ويترك الباب مفتوحاً. وإذا وُضعت الوقائع في سلسلة واحدة، فنفي أكتوبر لطلب إرسال قوات، ثم تصريح الشيباني بدراسة الانضمام إلى الحلف، ثم تقارير التدريب وبعدها الأنباء عن انتشار أوسع، يتضح اتجاه تدريجي من النفي إلى الدراسة إلى وجود فعلي، وهو اتجاه يستدعي الانتباه حتى لو لم تكتمل أركانه بعد. ويلاحظ أن النفي صدر عن مصدر دبلوماسي لم تُذكر هويته عبر وكالة رسمية، فيما لم تعلق الحكومة السعودية ولا وزارة الدفاع السورية على طلبات التعليق بحسب ما أُفيد، ما يترك الرواية الرسمية ناقصة.
الكلفة الأمنية الداخلية
أول أبعاد الانخراط هو ما يتركه من فراغ في الداخل. فالجيش السوري لا يزال في طور إعادة البناء، فيما تواصل القوات الإسرائيلية توغلاتها شبه اليومية في القنيطرة ودرعا وتحتفظ بنقاط ثابتة في الجنوب، وتتصاعد التوترات في السويداء، ويخرج سوريون إلى الشوارع احتجاجاً على التوغلات وعلى الأسعار. وفي مثل هذا الوضع يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: كيف تُرسل كوادر عسكرية، ولو للتدريب، إلى مسرح خارجي بينما تحتاج الأرض السورية نفسها إلى من يحميها؟ وكل جندي أو مدرب يُوجَّه إلى الخارج يُحسب من رصيد قدرة لم تكتمل بعد على حماية الحدود الجنوبية، فضلاً عن الأثر المعنوي لدى سكان مناطق تقول إنها تُركت وحدها. وتتضاعف هذه الكلفة لأن مهام التدريب تستهلك عادة الكفاءات الأكثر خبرة، وهي ذاتها التي يحتاجها الجيش لإعادة بناء وحداته وتأمين الحدود، ما يعني أن المكاسب السياسية المحتملة من التقارب مع الرياض قد لا تعوض ما يخسره الداخل من قدرة وخبرة.
الكلفة الإقليمية
يحذر المسؤول الأمريكي نفسه من أن أي انتشار سوري للمشاركة في الحرب داخل اليمن ينطوي على خطر توريط البلاد في حرب إقليمية أوسع، وهو ما تجنبته سوريا حتى الآن. وهذا تحذير يصدر عن جهة لا تعارض التقارب مع الرياض، ما يعطيه وزناً إضافياً. فالحرب في اليمن لم تُحسم، وتتبادل أطرافها الضربات على الحدود الجنوبية للسعودية، وأي قوات أجنبية على جانبي الحدود تصبح جزءاً من هذا التبادل بحكم موقعها. وتصبح دمشق طرفاً في صراع لا ترتبط به جغرافيا ولا مصالح مباشرة، وتضع علاقاتها مع أطراف إقليمية تعارض التدخل العسكري على المحك، وتفقد صورة الدولة التي خرجت من الحروب لتتفرغ للبناء. ومن المخاطر أيضاً أن تُقرأ الخطوة في اليمن نفسه بوصفها دخولاً سورياً طرفاً في الصراع، ما قد يعقّد أي دور مستقبلي لدمشق في وساطات أو علاقات مع أطراف يمنية، ويقلص هامش الحياد الذي حافظت عليه حتى الآن.
الغموض والشفافية
أخطر ما في المشهد تضارب الروايات. فتقارير تتحدث عن عشرات المدربين، و"فرانس برس" عن مئات على الحدود وآلاف في الطريق، ودمشق تنفي النشر حالياً. والفرق بين هذه المستويات ليس تفصيلاً، فالتدريب داخل السعودية يختلف قانونياً وسياسياً عن القتال داخل اليمن، كما أن لكل منهما كلفة مختلفة على سمعة سوريا وموقعها. ويستدعي ذلك توضيحاً رسمياً للرأي العام السوري بشأن طبيعة المهمة وحدودها ومدتها والجهة التي تتخذ القرار فيها. وما نقلته وسائل إعلام عن مصادر يمنية بشأن مهام للطائرات المسيّرة على الجانب اليمني من الحدود، إن صح، سيجعل الدور أبعد من التدريب بكثير، ولذلك تحتاج الحكومة إلى إعلان صريح ينفيه أو يوضحه بدل ترك الفراغ تملؤه التسريبات. ولا بد من التذكير بأن الحرب في اليمن وثّقت جهات أممية آثارها الإنسانية الجسيمة على المدنيين، وأن أي طرف ينخرط فيها يتحمل نصيبه من المسؤولية عن نتائجها.
خلاصة وسؤال
تبقى حتى الآن معلومات متضاربة لا تُثبت مشاركة قتالية سورية، لكنها ترسم اتجاهاً يستحق الحذر: وجود سوري عسكري في السعودية، وطلب سعودي طُرح في الرياض، وتحذير أمريكي من التورط، ونفي مؤقت. ويمكن تلخيص أبعاد المسألة في أربعة محاور: تآكل الأولويات الداخلية، وخطر الانجرار إلى حرب إقليمية، وغموض القرار، والكلفة الأخلاقية والقانونية لأي دور قتالي. والمطلوب من دمشق إعلاناً واضحاً بأن مهمتها تقتصر على التدريب داخل الأراضي السعودية، ورفضاً صريحاً لأي انخراط قتالي في اليمن، وتحويل الجهد إلى حماية الجنوب السوري. كما أن النقاش العام حول هذا الملف، في مؤسسات الدولة الانتقالية ووسائل الإعلام، هو ما يحول دون اتخاذ قرارات مصيرية في الغرف المغلقة، ويمنح أي قرار لاحق شرعية أوسع. ويبقى السؤال: هل تحافظ سوريا على استقلال قرارها العسكري، أم تُستدرج إلى حرب لا تخدم أولوياتها قبل أن تكتمل قدرتها على حماية أرضها؟
