الوقت - لم يكن فوز عبد السيد في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان مجرد انتصار في سباق انتخابي، فهو علامة على تحوّل تدريجي في ميزان القوى السياسي في هذا البلد، تحوّل يزداد فيه حضور الناخبين المسلمين وأنصار الحق الفلسطيني، ويشتد أثرهم في تقرير النتائج.
فقد هزم عبد السيد المرشح الجمهوري مايك روجرز، فصار أول مسلم يبلغ مجلس الشيوخ الأمريكي، في حدث تاريخي قد يمتد أثره إلى معادلات واشنطن السياسية.
ويلقي هذا التقرير نظرةً على دلالات فوز السيد في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي.
من هو عبد السيد؟
عبد الرحمن محمد السيد سياسي أمريكي في الثانية والأربعين من عمره، ابن لمهاجرين مصريين، وُلد في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان. نشأ في أسرة مسلمة، وبدأ دراسته الجامعية في جامعة ميشيغان، حيث نال عام 2007 إجازةً في الأحياء والعلوم السياسية. ثم حظي بمنحة «رودس» المرموقة فمضى إلى جامعة أكسفورد، وحصل منها عام 2011 على الدكتوراه في الصحة العامة. وفي عام 2014 نال شهادة الطب من جامعة كولومبيا في نيويورك.
من إدارة الصحة العامة إلى معترك السياسة
على خلاف كثير من الساسة الأمريكيين، بدأ السيد مسيرته المهنية من ميدان الصحة العامة. فبعد تخرجه عمل أستاذاً جامعياً وباحثاً في هذا الحقل، وعُيّن عام 2015 مديراً لإدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت، وظل في هذا المنصب حتى عام 2017. ويعود أول ظهور جاد له في المنافسات الانتخابية إلى عام 2018، حين ترشح لمنصب حاكم ميشيغان، لكنه خسر في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي أمام غريتشن ويتمر. ثم تولى لاحقاً رئاسة إدارة الصحة في مقاطعة واين، وبقي فيها حتى عام 2025.
لماذا ترشّح لمجلس الشيوخ؟
في عام 2026، وبعد إعلان السيناتور الديمقراطي عن ميشيغان غاري بيترز اعتزاله، رأى السيد أن الفرصة سانحة للعودة إلى حلبة السياسة. فدخل السباق بشعارات من قبيل خفض تكاليف المعيشة، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى في السياسة، وتطبيق التأمين الصحي الشامل، ووقف المساعدات العسكرية الأمريكية لـ "إسرائيل". وقد مهّد له الطريق إلى المجلس فوزه في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين على هيلي ستيفنز، ثم هزيمته الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة. وغدت معارضته لحرب غزة وانتقاده للدعم العسكري الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب، من أبرز سمات حملته الانتخابية.
ماذا قال السيد في حملته؟
استأثرت مواقف السيد الانتخابية من حرب غزة والدعم العسكري الأمريكي لـ "إسرائيل" باهتمام كثيرين خلال انتخابات الكونغرس، وتمكّن بعد هزيمته منافسه الجمهوري من دخول مجلس الشيوخ الأمريكي بوصفه أول سيناتور مسلم. والسيد من المنتقدين الصرحاء لسياسات تل أبيب، وقد عارض استمرار المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لـ "إسرائيل". ووصف كذلك ما يرتكبه الكيان الصهيوني في غزة بأنه إبادة جماعية، وطالب بمراجعة جدية للدعم المالي والعسكري الأمريكي لهذا الكيان. بل قال صراحةً إن "إسرائيل" لا يمكن عدّها حليفاً حقيقياً لأمريكا.
وقد جاءت هذه المواقف وهو يواجه ضغوطاً سياسيةً ودعائيةً واسعةً. فبحسب تقرير لوكالة «أسوشيتد برس»، أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «إيباك» قرابة 30 مليون دولار لمناهضته في السباق التمهيدي للديمقراطيين. ومع ذلك استطاع أن يتجاوز مرحلة التمهيديات، ثم يظفر في الانتخابات النهائية. وتدل هذه النتيجة على أن تأييد تل أبيب لم يعد، في كل أروقة السياسة الأمريكية، خطاً أحمر انتخابياً لا يجوز تخطيه.
تعاظم ثقل المسلمين وأنصار فلسطين
ينبغي أن يُقرأ فوز السيد علامةً على تنامي القوة السياسية للمسلمين وأنصار فلسطين في أمريكا. وهو يشي كذلك بتراجع الاحتكار التقليدي والنفوذ المعهود للتيارات الداعمة للكيان الصهيوني في المنافسات الانتخابية.
وفي الحقيقة، يبيّن هذا التحول أن الجالية المسلمة في أمريكا لم تعد مجرد فئة اجتماعية أو أقلية دينية تقف على هامش التحولات السياسية، بل أخذت تتحول شيئاً فشيئاً إلى قوة فاعلة في المعادلات الانتخابية. فتزايد المشاركة السياسية للمسلمين، ولا سيما في ولايات حاسمة مثل ميشيغان التي تضم عدداً لافتاً منهم، قادر على تغيير معادلات التنافس بين الديمقراطيين والجمهوريين. ويجد المرشحون أنفسهم مضطرين، أكثر من ذي قبل، إلى إدراج مطالب هذه الشريحة في برامجهم.
ومن جهة أخرى، غدت حرب غزة منعطفاً في تغيّر نظرة قطاع من الرأي العام الأمريكي إلى الكيان الصهيوني. فقد أظهرت الاحتجاجات الجامعية، والتجمعات الشعبية في الشوارع، والانتقادات الواسعة لإرسال الأسلحة الأمريكية إلى هذا الكيان، أن دعم تل أبيب دعماً مطلقاً لم يعد يحظى، كما في السابق، بإجماع سياسي واجتماعي. وبخاصة بين الجيل الشاب والناخبين الديمقراطيين، صارت معارضة استمرار الحرب والمطالبة بوقف المساعدات العسكرية لـ "إسرائيل"، من القضايا الجادة في المنافسات السياسية.
وفي مثل هذه الأجواء، يحمل فوز سياسي عارض علناً استمرار المساعدات العسكرية لتل أبيب رسالةً واضحةً إلى البنية السياسية الأمريكية، مفادها أنه لا يمكن تجاهل مطالب ملايين الناخبين المسلمين ومناصري فلسطين، ثم انتظار أن يبقى الدعم التقليدي لتل أبيب بلا كلفة انتخابية.
