الوقت - لا يزال ظلّ الحرب جاثماً على المنطقة، وما برحت التحركات العسكرية والتهديدات الأمريكية والصهيونية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية متواصلة. وفي هذه الأجواء، تبعث طهران برسائل جديدة عن تحوّل في معادلات الردع وفي طريقة التعامل مع التهديدات المحتملة.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى قرار وزارة الخارجية الإيرانية بإدراج جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) في قائمة الجماعات المعادية، وإدراج البحرية الملكية والقوات الجوية الملكية البريطانية في قائمة المنظمات الإرهابية، على أنه أبعد من مجرد إجراء دبلوماسي وقانوني بالمثل. فهو يدل على تغيّر في تعريف التهديد للأمن القومي، واتساعٍ في دائرة مسؤولية الدول التي تشارك في الأعمال العدائية ضد إيران.
وقد جاء هذا القرار رداً على خطوة الحكومة البريطانية بوضع الحرس الثوري الإيراني تحت قانون التهديدات الحكومية لعام 2026، وهو القانون الذي استندت إليه لندن في 17 يوليو 2026 لإدراج الحرس ضمن الكيانات المهددة لأمنها القومي.
واستناداً إلى قرار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وردّاً على جملة الأعمال العدائية البريطانية، ومنها المشاركة في الحرب المفروضة الأمريكية الصهيونية عبر إتاحة القواعد والإمكانات العسكرية واللوجستية، أعلنت الخارجية الإيرانية إجراءين متقابلين: أولهما إدراج MI6 تحت قانون تشديد عقوبة التجسس والتعاون مع الكيان الصهيوني والدول المعادية، وثانيهما تصنيف البحرية الملكية والقوات الجوية الملكية البريطانية منظمتين إرهابيتين في إطار قانون الإجراءات المتقابلة.
وتزداد أهمية هذا القرار وضوحاً إذا وُضع إلى جانب التوجيه الأخير لقائد الثورة في إيران إلى كبار قادة القوات المسلحة، وهو توجيه يشدد على الرد الفوري الفعّال، بلا قيد جغرافي، على كل مستوى ونوع من التهديد، وعلى التحديث الشامل لبنك الأهداف العسكرية بحيث يشمل جميع أصول العدو الأمريكي الصهيوني المادية وغير المادية.
وعلى هذا الأساس، يبدو أن طهران ترسّخ إطاراً جديداً للردع، لا يقتصر فيه الحساب الأمني الإيراني على الفاعل المباشر للهجوم، بل يمتد إلى شبكة الإسناد الاستخباراتية والعسكرية واللوجستية التي تقف خلفه.
الشبكة العسكرية البريطانية: من قبرص إلى الخليج الفارسي
من أسباب أهمية اختيار بريطانيا لهذه الخطوة، اتساع حضورها العسكري في غرب آسيا.
فخلافاً للتصور الشائع الذي يحصر دور لندن العسكري في المشاركة ضمن التحالفات الغربية، تملك بريطانيا شبكةً مترابطةً من القواعد والمنشآت الجوية والبحرية واللوجستية في المنطقة، تتيح لها دعم العمليات العسكرية والاستخباراتية.
ووفق تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني الصادر في أغسطس 2026، تُعدّ قبرص من أهم مراكز الحضور العسكري للندن في المنطقة. فقاعدتا أكروتيري وديكيليا، بوصفهما منطقتي سيادة بريطانيتين، تتيحان نشر المقاتلات وطائرات النقل والتزوّد بالوقود والاستطلاع واستخدامها. وتؤدي أكروتيري دوراً محورياً في العمليات العسكرية والاستطلاع والإسناد الجوي في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ولذلك تتمتع بأهمية استراتيجية بالغة.
وفي قطر، تستضيف قاعدة العديد مقرّ المجموعة الجوية البريطانية المنتشرة رقم 83، التي تدعم العمليات الإقليمية لبريطانيا.
وفي المجال البحري، يُعدّ ميناء سلمان في البحرين أهم مركز لإسناد السفن البريطانية في الخليج الفارسي، وفيه مقرّ قيادة المكوّن البحري البريطاني في المنطقة.
وكانت بريطانيا قد افتتحت قاعدة «إتش إم إس جفير» البحرية في البحرين أول مرة عام 1935، لكن الولايات المتحدة وضعت يدها على القاعدة بعد أن أعلنت البحرين استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية عام 1971. وفي عام 2017 أُعيد افتتاح القاعدة بصورة دائمة.
وفي عُمان، توفّر منشأة الدقم والمرافق اللوجستية البريطانية طاقةً لإسناد السفن والمعدات والقوات العسكرية.
وبحسب موقع «ديكلاسيفايد» البريطاني الإخباري، تنشر بريطانيا ألف جندي في أنحاء عُمان، حيث يدير جهازها الاستخباراتي ثلاثة مواقع مراقبة، منها موقع على الساحل الجنوبي قرب مدينة صلالة، كُشف عنه باسمه الرمزي «كلارينيت» في تسريبات سنودن عام 2014.
وفضلاً عن ذلك، أنشأت بريطانيا منذ مارس 2024 منشآت جديدة في الإمارات لدعم أنشطة سلاحها الجوي.
وتضاف هذه الشبكة إلى المهمة الأمنية للبحرية البريطانية في مضيق هرمز، المعروفة بـ«كيبيون» والمستمرة في الخليج الفارسي والمحيط الهندي منذ عام 2011، فترسّخ موقع لندن في بنية التدخلات العسكرية الغربية في المنطقة.
وتكمن أهمية هذا الانتشار الجغرافي في أمرين. أولهما أن بريطانيا لا تحتاج بالضرورة، كي تؤدي دوراً عسكرياً في المنطقة، إلى إرسال قوات قتالية بأعداد كبيرة، بل يمكنها أن تكون حلقةً في السلسلة العملياتية لحلفائها عبر مراكز القيادة والاستخبارات والقدرات الجوية واللوجستية. فحين تدرج طهران المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية البريطانية في قوائمها الأمنية، فإنها تشير في الواقع إلى شبكة يمكن أن تسهم في تيسير العمليات ضد إيران وإسنادها.
وثانيهما أن تقارير المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الإيرانية، تشير إلى دور البنى التحتية العسكرية والاستخباراتية للندن في دعم الاعتداءات الأمريكية والصهيونية على الجمهورية الإسلامية.
تغيّر منظومة احتساب التهديد: من منفّذ الهجوم إلى سلسلة إسناد العدوان
من أهم أبعاد الخطوة الإيرانية الأخيرة، تغيّر تعريف التهديد للأمن القومي وكيفية تحديده.
ستردّ طهران من الآن فصاعداً بحزم على كل تمهيد يقوم به أطراف ثالثة للمشاركة في صنع تهديد للأمن القومي والسلامة الإقليمية. وقد أثبتت حرب الأربعين يوماً أن الدول التي تضع إمكاناتها وبناها التحتية في خدمة العدو المعتدي لا يمكنها، في نظر الجمهورية الإسلامية، أن تتوقع الإفلات من العقاب أو النجاة من ردّ إيران القوي.
وعلى هذا الأساس، فإن تقديم أجهزة التجسس معلومات الاستطلاع وبياناته، وإتاحة القواعد الجوية والبحرية، وتوفير الوقود والمعدات، وتسهيل العمليات، والمشاركة في التنسيق العسكري، يمكن أن تؤخذ كلها في الحسبان عند تقدير مدى مشاركة دولة ما في تهديد إيران. وإدراجُ MI6 في خانة الجماعات المعادية، وإدراجُ البحرية والقوات الجوية البريطانية في قائمة المنظمات الإرهابية، إجراءان مختلفان من الناحية القانونية، لكنهما يؤكدان، من حيث الرسالة السياسية والأمنية، مبدأً واحداً: مسؤولية الأعمال العدائية لا تقع على منفّذ الهجوم المباشر وحده، بل تطال المؤسسات الميسِّرة والمساندة له، وهي داخلة في دائرة حسابات إيران.
وتكتسب هذه النقلة أهميةً خاصةً لأن جانباً كبيراً من القوة العسكرية الأمريكية وحلفائها في غرب آسيا، يتكئ على شبكة من القواعد ومراكز القيادة والمنظومات الاستخباراتية ومرافق الإسناد في دول ثالثة. ولذلك تسعى طهران، بتوسيع تعريف التهديد، إلى رفع كلفة استخدام هذه الشبكة ضد أمنها القومي.
نهاية الحصانة الجغرافية: رسالة إيران إلى لندن وأوروبا
وينبغي قراءة الأهمية الأخرى للخطوة الإيرانية، في ارتباطها بالتغييرات المعلنة في عقيدة الردع لدى الجمهورية الإسلامية.
فتأكيد قائد الثورة في إيران على الرد الفوري بلا قيد جغرافي على التهديدات، يحمل رسالةً مفادها أن البعد الجغرافي لم يعد وحده كفيلاً بتوفير الحصانة للأطراف المشاركة في العدوان.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تصوّر أن دولةً وفّرت قواعد عسكرية وإمكانات عملياتية للهجوم على إيران ستنجو من تبعاته الأمنية لمجرد أن قواتها لم تنزل ميدان القتال مباشرةً. وبعبارة أخرى، تعمل طهران على توسيع جغرافيا حسابات ردعها بما يوافق الجغرافيا الحقيقية للتهديد، وهي جغرافيا قد تتجاوز غرب آسيا لتشمل البنى التحتية والأصول العسكرية للدول المشاركة في مواضع أخرى.
ومن هذا المنظور، فإن الإجراء ضد بريطانيا ليس ردّاً على سلوك لندن فحسب، بل هو رسالة واضحة إلى سائر الحكومات الأوروبية التي كان لها، بحسب اعتراف الأمين العام لحلف الناتو «مارك روته»، دور فاعل جداً في إسناد الغارات الجوية الأمريكية على إيران في حرب الأربعين يوماً.
مسؤولية دول المنطقة: كلفة استضافة القواعد الأجنبية
لا تقتصر تبعات هذا التحول على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين، بل يضع دولَ المنطقة المضيفة لقواعد القوى من خارج الإقليم أمام سؤال جوهري: إذا استُخدمت البنى التحتية القائمة على أراضيها لإسناد عمليات عسكرية ضد إيران، فهل تستطيع أن تظل تعدّ نفسها بمنأى عن تبعات هذه المشاركة؟
إن وجود القواعد البريطانية في البحرين وقطر وعُمان والإمارات، إلى جانب الشبكة العسكرية الأمريكية الواسعة في المنطقة، يكشف اتكاء البنية الأمنية لبعض الدول العربية على قوى أجنبية. غير أن تجربة الحرب الأخيرة بيّنت أن هذا الاتكاء قد يصير هو نفسه أحد أسباب تفاقم انعدام الأمن. ومن هذه الزاوية، تبدو رسالة طهران إلى حكومات المنطقة جليةً: الأمن المستدام في الخليج الفارسي لا يستقيم مع تحويل أراضي الدول المجاورة إلى منصات لعمليات ضد إيران.
وفي الواقع، كلما اتسعت دائرة مشاركة القوى الأجنبية في أي حرب محتملة على إيران، ازداد احتمال أن تمتد الأزمة إلى بناها التحتية ومصالحها في المنطقة. ولذلك فإن إعادة النظر في وظيفة القواعد الأجنبية، ومنع استخدامها استخداماً هجومياً، ليس مطلباً إيرانياً فحسب، بل مسألة تتصل بأمن الدول المضيفة نفسها.
ردع متعدد الطبقات: من الأداة القانونية إلى الرسالة الاستراتيجية
وفي المحصلة، ينبغي عدّ الإجراء الإيراني المقابل ضد بريطانيا جزءاً من إعادة تعريف منظومة أدوات الردع لدى الجمهورية الإسلامية بعد الحرب. وهذه الإعادة لا تقتصر على تطوير القدرة العسكرية أو رفع الجاهزية العملياتية، بل تشمل الأبعاد القانونية والسياسية والاستخباراتية والأمنية أيضاً.
وإدراج المؤسسات البريطانية في القوائم التي أعلنتها طهران يدل، سياسياً وقانونياً، على أن إيران لن تكتفي إزاء الأعمال العدائية بالاحتجاج الدبلوماسي، بل ترى المؤسسات المشاركة في تهديد أمنها القومي مسؤولةً بدورها.
وهكذا تكون رسالة طهران الأساسية من لندن إلى سائر العواصم الأوروبية أنه، في حسابات الردع الجديدة، لم يعد ممكناً إقامة جدار حصانة بين الفاعل المباشر للعدوان ومن يسنده. وبتوسيع تعريف التهديد، ونفي القيد الجغرافي عن الرد عليه، تسعى الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أن ترتفع كلفة المشاركة في أي حرب محتملة عليها فوق مستوى ساحة المعركة، وأن تمتد إلى جميع الحلقات المتورطة فيها.
