الوقت - تشهد الساحة اليمنية تحولاً استراتيجياً جذرياً أعاد رسم خارطة القوى، حيث استطاعت قوات صنعاء فرض واقع ميداني جديد يتجاوز مجرد المناوشات التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية إلى عمليات سيطرة وتوسع في العديد من الجبهات. ففي الوقت الذي تحاول فيه الرياض إيجاد مبررات لتصعيدها، تبرز العمليات العسكرية للقوات المسلحة اليمنية كأداة حاسمة لكسر الحصار عن اليمن. لم تعد المواجهة تقتصر على جبهات ثابتة، بل انتقلت إلى مرحلة الحسم الميداني عبر السيطرة على المرتفعات المطلة على مضيق باب المندب وتطويق مراكز التمركز التابعة للمرتزقة في لحج وعدن. إن هذا الزخم العسكري لا يعكس فقط القوة المتصاعدة للقوات المسلحة اليمنية، بل يكشف أيضاً عن حالة التخبط والانهيار التي تعيشها المجموعات التابعة للتحالف، بدءاً من ألوية العمالقة وصولاً إلى القوى المرتزقة في عدن. وبينما تحاول السعودية استجداء دعم دولي وترميم علاقاتها الإقليمية، تظل الحقيقة الميدانية ثابتة: صنعاء لم تعد تكتفي بالدفاع، بل انتقلت إلى مرحلة فرض شروطها السياسية والعسكرية عبر معادلة الأرض مقابل السلام ، مما يضع كافة القوى الإقليمية والدولية أمام واقع جديد لا يمكن تجاوزه.
السيطرة على المرتفعات .. إحكام القبضة على بوابة العالم
نجحت القوات المسلحة اليمنية في تحقيق إنجاز عسكري نوعي عبر فرض سيطرتها الكاملة على مرتفعات كهبوب الاستراتيجية، وهي المنطقة التي تمنح إشرافاً مباشلاً وكاملاً على مضيق باب المندب. هذا التقدم لم يكن مجرد توسع جغرافي، بل هو تأمين استراتيجي للممر الملاحي الدولي ضد أي تهديدات قد تفرضها القوى الاستعمارية أو القوى الإقليمية المرتبطة بها. ومع إحكام السيطرة على هذه المرتفعات، باتت قوات صنعاء قادرة على مراقبة وتحييد أي تحركات معادية في المنطقة. وفي ظل هذا التفوق، أظهرت المجموعات التابعة للرياض حالة من الذعر، حيث فرت العديد من التشكيلات العسكرية من مناطق المواجهة، تاركةً خلفها مساحات واسعة تحت سيطرة القوات اليمنية. إن السيطرة على هذه المرتفعات تعني تقويض أي محاولة سعودية لإعادة تفعيل الحصار البحري أو تهديد حركة الملاحة، وتؤكد أن قرار حماية السيادة اليمنية والممرات الدولية أصبح بيد صنعاء وحدها، مما يجعل من أي محاولة للتدخل العسكري في هذه المنطقة مخاطرة غير محسوبة العواقب.
انهيار جبهات
في تطور ميداني متسارع، شقت قوات صنعاء طريقها نحو حواف مدينة عدن عبر عمليات تقدم مدروسة في محافظة لحج، مما وضع المرتزقة في مواجهة مباشرة مع حقيقة عجزهم عن الصمود. إن الوصول إلى مواقع قريبة من عدن ، والسيطرة على مناطق حيوية يمثل خنقاً حقيقياً لخطوط إمداد المجموعات الموالية للتحالف. وقد تجلى هذا الانهيار في تراجع ألوية العمالقة وهروب العديد من الوحدات التابعة لـ"درع الوطن" من الجبهات. هذا التراجع ليس مجرد انسحاب تكتيكي، بل هو انهيار في الروح القتالية للمجموعات التي تعتمد كلياً على الدعم السعودي. وبإحكام السيطرة على الطرق الساحلية التي تربط عدن بالمناطق الغربية، أصبحت قوات صنعاء تمتلك القدرة على التحكم في المفاصل الحيوية للمرتزقة، مما يجعل وجودهم في عدن محاصراً عسكرياً، ويضع حداً لمناوراتهم السياسية التي تفتقر إلى أي قاعدة صلبة على الأرض.
ضربات العمق.. من رأس تنورة إلى العاصمة الرياض
لم تكتفِ صنعاء بالنجاحات الميدانية في الجنوب، بل نقلت الصراع إلى قلب العمق السعودي، محطمةً أسطورة المنطقة الآمنة. فقد كشفت الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية عن حجم الدمار الذي لحق بمنشآت حيوية في مصفاة رأس التنورة بشرق المملكة، وهو ما أكدته التقارير التقنية التي أشارت إلى اندلاع حرائق واسعة في وحدات المعالجة التابعة لشركة أرامكو. هذه العمليات، التي استخدمت فيها الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، وجهت رسالة حازمة بأن أمن السعودية الاقتصادي بات رهينة للقرار اليمني. ولم تتوقف الضربات عند المنشآت النفطية، بل شملت المطارات العسكرية في نجران وخميس مشيط، واستهداف المقرات السيادية في الرياض. إن هذا التصعيد النوعي يثبت أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك القدرة التقنية والعملياتية لاختراق أعتى المنظومات الدفاعية، مما يجعل تكلفة استمرار العدوان على اليمن باهظة جداً، وغير قابلة للاستمرار بالنسبة للقيادة السعودية.
انكشاف التحالف الإقليمي.. محاولات يائسة لترميم الفشل
بينما تتصاعد الضغوط العسكرية على الرياض، تظهر محاولات المملكة اليائسة لاستدعاء الدعم الدولي وترميم علاقاتها الإقليمية، خاصة مع محاولات التقارب مع الإمارات وبعض القوى الدولية كفرنسا وبريطانيا. إلا أن هذه التحركات تأتي في وقت يعاني فيه التحالف من شلل ميداني وتآكل في شرعيته. إن محاولات السعودية لتصوير نفسها كـ"وسيط سلام" هي محاولة مضللة لتغطية فشلها في تحقيق أي مكاسب عسكرية منذ سنوات. الواقع يؤكد أن الرياض تحاول الهروب من تبعات حربها المدمرة عبر بناء ائتلافات جديدة، لكنها لا تدرك أن صنعاء لا تقبل بسلام لا يحفظ كرامة الشعب اليمني ويضمن رفع الحصار الشامل. إن الاعتماد على الشركاء الدوليين لن يغير من حقيقة أن القوة الحقيقية على الأرض باتت في يد القوات المسلحة اليمنية، وأن أي اتفاق سياسي لن يمر إلا عبر بوابة شروط صنعاء التي ترفض التنازل عن أي حق من حقوق اليمنيين.
ختاماً، إن المشهد اليمني اليوم يتجاوز مرحلةإدارة الصراع إلى مرحلة حسم الصراع. إن قدرة صنعاء على الجمع بين التفوق الميداني في العديد من الجبهات، والقدرة الردعية في العمق السعودي، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. لم تعد صيغ التهدئة أو الوساطات التي تحاول تجميل صورة العدوان مجدية. إن القوات المسلحة اليمنية أثبتت أنها تمتلك إرادة صلبة وقدرة تقنية تجعل من كل شبر من أرض اليمن، وكل ممر ملاحي، حصناً منيعاً ضد أي عدوان. إن الرسالة واضحة: اليمن لن يعود إلى مربع الضعف، والحل الوحيد لإنهاء المعاناة هو الالتزام الكامل بمتطلبات صنعاء العادلة، من رفع الحصار، وتأمين الحقوق، وإيقاف كافة أشكال التدخل الخارجي. لقد انتهى زمن العربدة السعودية، وبدأ زمن انتزاع السلام بالقوة والحق.
