الوقت- أعلنت السلطات السورية ارتفاع حصيلة قتلى الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في محافظة درعا، جنوبي سوريا، إلى ثمانية أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال ورجل مسن، إضافة إلى إصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة. وجاء هذا التطور بعد تنفيذ سلاح الجو الملكي الأردني ضربات عسكرية يوم الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استهدفت مواقع قالت عمّان إنها تعود إلى تنظيمات إرهابية مرتبطة بالهجوم المسلح الذي شهدته محافظة الكرك جنوبي الأردن. وأثارت الحصيلة الجديدة اهتماماً واسعاً، خصوصاً مع ورود معلومات عن سقوط ضحايا مدنيين وتضرر مواقع في محيط درعا. ويعكس اختلاف الروايتين الأردنية والسورية بشأن طبيعة الأهداف والنتائج الميدانية حساسية العملية، التي لم تقتصر تداعياتها على الجانب الأمني، بل امتدت إلى العلاقات الثنائية وحركة العبور على الحدود بين البلدين.
الأردن يبرر الضربات بمواجهة التنظيمات المسلحة
أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن العملية، التي أطلقت عليها اسم «الردع الأردني–حمود»، استهدفت مواقع وصفتها بأنها أوكار لتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا. وجاءت الغارات، بحسب البيان العسكري الأردني، رداً على الهجوم الذي استهدف مشيعين خلال مراسم تشييع عند كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات. وأكد الجيش الأردني أن المقاتلات دمرت عدداً من المواقع والآليات، وأن الضربات أدت إلى مقتل وإصابة أفراد من التنظيمات المستهدفة، لكنه لم يعلن حصيلة محددة لخسائرها، كما لم يحدد أسماء التنظيمات أو جميع المواقع التي تعرضت للقصف. وتستند الرواية الأردنية إلى اعتبار العملية إجراءً أمنياً لمنع تكرار الهجمات وحماية المواطنين. غير أن غياب التفاصيل الكاملة عن الأهداف العسكرية والنتائج الميدانية يجعل التحقق المستقل من جميع جوانب العملية أمراً ضرورياً، ولا سيما في ظل إعلان دمشق سقوط قتلى مدنيين.
دمشق تعترض على العملية وتطالب بتوضيح ملابساتها
في المقابل، أعلنت الحكومة السورية أن الغارات الأردنية نُفذت من دون تنسيق مسبق معها، وأعربت عن أسفها لسقوط قتلى وجرحى، بينهم أطفال، في محافظة درعا. وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين السورية أن دمشق أبلغت الجانب الأردني بتحفظها على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية من دون اتفاق مسبق، مشيرة إلى استمرار التواصل بين الطرفين للوقوف على تفاصيل العملية وأسبابها. كما أعلنت الجهات المعنية فتح تحقيقات لتحديد ملابسات القصف وحصر الأضرار البشرية والمادية. وتبرز هذه المواقف إشكالية تتعلق بسيادة الدولة السورية على أراضيها، إلى جانب الحاجة إلى معالجة المخاوف الأمنية الأردنية في المناطق الحدودية. فحتى عندما تعلن دولة أن تحركها يستهدف جماعات مسلحة، فإن تنفيذ عمليات عسكرية خارج حدودها يظل مرتبطاً باعتبارات قانونية وسياسية تتطلب توضيح الأساس الذي استندت إليه. ومن هنا، تبدو الاتصالات المباشرة بين عمّان ودمشق عاملاً مهماً لمنع تحول الحادثة إلى أزمة دبلوماسية أوسع.
إغلاق معبر نصيب وتداعيات اقتصادية وإنسانية
امتدت آثار التصعيد إلى حركة التنقل والتجارة بين البلدين، بعدما أعلنت السلطات السورية إغلاق معبر نصيب الحدودي وتعليق حركة المسافرين والبضائع في الاتجاهين، بسبب التطورات الميدانية في محافظة درعا. ويُعد المعبر ممراً مهماً لحركة الأفراد والشاحنات والتبادل التجاري بين سوريا والأردن، ولذلك فإن استمرار إغلاقه قد يسبب تأخيرات في نقل السلع ويزيد الأعباء على التجار والمسافرين والعاملين في قطاع النقل. كما يمكن أن تتأثر الأسر التي تعتمد على التجارة الحدودية ومصادر الدخل المرتبطة بها. وعلى الصعيد الإنساني، تفرض أنباء سقوط قتلى وجرحى مدنيين ضرورة تقييم الاحتياجات الطبية والإغاثية للسكان المتضررين، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق التي تعرضت للقصف. ولا تتوافر في التقارير المنشورة حصيلة نهائية مستقلة للأضرار المادية أو تقديرات دقيقة للخسائر الاقتصادية الناتجة عن الإغلاق، إلا أن تعليق الحركة يعكس مدى سرعة انتقال آثار العمليات العسكرية من الميدان إلى الحياة اليومية والأنشطة المدنية.
هجوم الكرك خلفية مباشرة للتصعيد الإقليمي
تعود جذور التطورات الأخيرة إلى الهجوم المسلح الذي استهدف مشيعين عند كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة ما لا يقل عن 34 آخرين، وفق التقارير الأردنية. وأعلنت مديرية الأمن العام الأردنية لاحقاً اعتقال ثلاثة مشتبه في تنفيذهم الهجوم، بعد اشتباك مع القوة الأمنية في منزل مهجور بمحافظة الكرك، وضبط أسلحة وذخائر بحوزتهم. وربطت السلطات الأردنية بين المشتبه فيهم وتنظيمات مسلحة قالت إنها تنشط في جنوب سوريا، وهو ما قدمته عمّان مبرراً لتوسيع تحركها الأمني إلى ما وراء الحدود. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الاتهامات الرسمية والنتائج التي يمكن إثباتها بصورة مستقلة؛ إذ لم تتضمن البيانات المنشورة تفاصيل كافية عن هوية التنظيمات المعنية أو الأدلة الكاملة على صلات المشتبه فيهم بها. ويجعل ذلك استكمال التحقيقات وتبادل المعلومات بين البلدين أمراً أساسياً لتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الهجمات.
بين ضرورات الأمن واحترام السيادة واحتمالات التصعيد
تكشف أحداث درعا عن معادلة معقدة تجمع بين حق الدول في حماية مواطنيها من الهجمات المسلحة، وضرورة احترام سيادة الدول الأخرى وحماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية. فالأردن يربط غاراته بمواجهة تهديد أمني أعقب هجوماً دامياً داخل أراضيه، بينما تركز دمشق على سقوط ضحايا مدنيين وغياب التنسيق المسبق، وفق موقفها الرسمي. وقد يؤدي استمرار الخلاف حول هذه المسائل إلى توتر العلاقات الثنائية وتعطيل التعاون الأمني والتجاري، في وقت تحتاج فيه المناطق الحدودية إلى آليات تنسيق واضحة لمعالجة المخاطر المشتركة. ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن الأزمة ستتطور إلى مواجهة أوسع، كما لا تكفي لتحديد جميع المسؤوليات عن الخسائر البشرية. لكن احتواء تداعياتها يتطلب تحقيقاً شفافاً، وتبادلاً للمعلومات، وتقييماً مستقلاً للأضرار، وضمان حماية السكان. وفي المحصلة، لن يقتصر نجاح الجهود على منع هجمات جديدة، بل سيعتمد أيضاً على قدرة الطرفين على معالجة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية، بما يحفظ استقرار الحدود ويحد من تعرض المدنيين لمزيد من المخاطر.
