الوقت- اقترحت السعودية وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار لمدة شهر على صنعاء، في ظل تزايد ضغط العمليات العسكرية لأنصار الله على عمق اليمن الاستراتيجي، ومواجهة القوات الموالية للرياض على الجبهات الداخلية لليمن تحديات جديدة.
ويُشير تزامن طلب وقف مؤقت لإطلاق النار مع التهديد بتصعيد الهجمات في حال رفض صنعاء، إلى أن الرياض تسعى لخلق معضلة قسرية، تُجبر أنصار الله على الاختيار بين قبول هدنة قصيرة في الحرب أو تحمل جولة جديدة من الهجمات. مع ذلك، تكمن المشكلة الرئيسية في أن السعودية لا تزال تسعى لتحقيق نتيجة بالوسائل السابقة التي عجزت عن تحقيقها خلال سنوات الحرب الطويلة. لقد تغيرت وقائع ساحة المعركة، والآن يتعين على الرياض تعديل حساباتها لتتماشى مع القدرات العملياتية الجديدة في صنعاء والوضع السياسي الراهن.
أدت التطورات الأخيرة على الجبهات اليمنية، بدءًا من تقدم أنصار الله على الساحل الغربي وصولًا إلى تصاعد الضغط على القوات الموالية للسعودية في تعز، فضلًا عن الهجمات على منشآت النفط والمطارات السعودية، إلى سلسلة من التغيرات التي تجعل من المستحيل فهم سلوك الرياض الحالي دون التمعن فيها. تمكنت أنصار الله من ربط الضغط على الجبهة الداخلية بعملياتها في عمق الأراضي السعودية، ما أدى إلى توسيع نطاق تكلفة استمرار الحرب لتتجاوز الحدود الجغرافية لليمن. لا يعني هذا التطور مجرد زيادة في عدد الهجمات، بل يُظهر أيضًا أن استمرار المواجهة له تبعات اقتصادية وأمنية مباشرة على السعودية، إضافةً إلى التكاليف العسكرية.
ويُعد استهداف منشآت أرامكو النفطية والمطارات السعودية الهامة ذا أهمية خاصة من هذا المنظور. تُعدّ البنية التحتية للطاقة والنقل الجوي ركائز أساسية للنشاط الاقتصادي السعودي ومكانة المملكة الإقليمية، وأي خلل في أدائها قد يُفاقم تداعيات الحرب. وتُرسل الهجمات على مراكز في الظهران والرياض والدمام رسالةً مفادها أن السعودية لا تستطيع حماية نفسها من الآثار المباشرة للحرب بنقل ساحة المعركة إلى الأراضي اليمنية. في هذا السياق، ينبغي النظر إلى طلب وقف إطلاق النار كجزء من جهود الرياض لاحتواء الضغط المتزايد، وهو ضغط قد يُعقّد حسابات المملكة الأمنية والاقتصادية في حال استمرار عمليات أنصار الله.
كما ينبغي النظر إلى التحركات الدبلوماسية السعودية من هذا المنظور. فمحاولة الاستفادة من وساطة عُمان واستقطاب دور دول مثل الصين وباكستان وإيران تأتي في وقت تسعى فيه الرياض إلى وقف العمليات العسكرية. ويشير تقريرٌ في صحيفة الأخبار بتاريخ 13 أكتوبر 1405 إلى أن السعودية قد اقترحت مجدداً خفض حدة التوتر، وأن صنعاء تُعارض وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار. تكمن أهمية هذه التحركات في لجوء السعودية، إلى جانب التهديدات العسكرية المستمرة، إلى استخدام قدراتها الدبلوماسية الإقليمية لإيجاد سبيل للسيطرة على الصراع. ويختلف هذا السلوك عن الصورة التي قدمتها الرياض في السنوات السابقة، والتي تصوّرت إمكانية حل القضية اليمنية عبر الضغط العسكري.
مع ذلك، يكمن التطور الأهم في محدودية فعالية سلاح السعودية الرئيسي، ألا وهو القوة الجوية. ففي جولة الصراع الجديدة، تجاوز عدد الهجمات الجوية والصاروخية السعودية على اليمن 2500 هجمة، إلا أن هذا الكمّ الهائل من الهجمات لم يُغيّر موازين القوى لصالح الرياض، ولم يمنع أنصار الله من مواصلة هجماتهم في عمق الأراضي السعودية. تُبيّن هذه الحقيقة أن تصعيد العمليات العسكرية ليس، في حد ذاته، ضمانة لتحقيق الأهداف السياسية. لطالما اعتمدت السعودية على افتراض أنها قادرة، من خلال تدمير البنية التحتية، وزيادة الضغط على المجتمع اليمني، وإضعاف القدرات العسكرية في صنعاء، على كسر إرادة المقاومة. مع ذلك، أظهر استمرار الحرب وتوسع نطاق عمليات أنصار الله أن هذه الاستراتيجية لم تُفضِ إلى النتائج التي كانت الرياض تتوقعها.
والأهم من ذلك، أن البنية التحتية الاقتصادية والعامة في اليمن قد تضررت بشدة على مدى ما يقرب من اثني عشر عامًا من الحرب والحصار. في ظل هذه الظروف، لم يعد بإمكان تكثيف الهجمات على البنية التحتية اليمنية أن يكون وسيلة ضغط غير محدودة لإجبار صنعاء على التراجع. فعندما تكون القدرات الاقتصادية والخدمية للبلاد متضررة بشدة بالفعل، فإن تكثيف التدمير لن يُحقق بالضرورة مكاسب سياسية جديدة للسعودية. في المقابل، فإن توسيع عمليات أنصار الله ضد المراكز الاقتصادية والاستراتيجية السعودية يُحوّل تكاليف الحرب إلى الجانب الذي بدأ التدخل العسكري والذي يسعى الآن إلى وقف إطلاق النار لاحتواء تداعياته.
وبناءً على ذلك، فإن تهديد الرياض بتكثيف الهجمات في حال رفض عرض الشهر الواحد هو أقرب إلى تكرار نمط باتت حدوده واضحة منه إلى كونه مؤشرًا على استراتيجية فعّالة لتغيير موازين القوى. فإذا فشل القصف المكثف في تدمير القدرة العملياتية لأنصار الله، فإن مجرد تكثيف الهجمات لا يضمن تحقيق نتيجة مختلفة. إن المملكة العربية السعودية تواجه في الواقع مشكلة لا يكمن حلها في المجال العسكري فحسب، لأنه مع استمرار الضغط العسكري دون تحقيق مكاسب سياسية، ستزداد تكاليف المواجهة بالنسبة للرياض.
في غضون ذلك، لا ينبغي تفسير معارضة صنعاء لوقف إطلاق النار المؤقت على أنها معارضة لأي حل سياسي. تكمن القضية الأساسية في طبيعة وقف إطلاق النار والشروط التي سيتم تنفيذه بموجبها. من وجهة نظر أنصار الله، يصبح وقف الأعمال العدائية ذا معنى عندما يؤدي إلى إنهاء الحرب والحصار وتنفيذ التزامات محددة، بدلاً من مجرد إحداث هدنة في العمليات وإتاحة فرصة جديدة لإعادة بناء القدرات العسكرية السعودية. كما أظهرت تجربة السنوات الماضية أن الاتفاقات المؤقتة، دون معالجة القضايا الجوهرية، لا يمكنها إرساء أساس مستدام لحل الأزمة.
تتضمن مطالب صنعاء في هذا الصدد أبعادًا محددة: رفع القيود المفروضة على المطارات والموانئ اليمنية، وتسهيل دخول البضائع الضرورية، ودفع رواتب موظفي الحكومة من عائدات النفط المجمدة، ومعالجة أوضاع السجناء والمعتقلين، وإعادة فتح طرق الاتصال بين المحافظات، وحل النزاعات المالية والنقدية. ترتبط هذه القضايا ارتباطًا مباشرًا بحياة الشعب اليمني وإمكانية إعادة بناء القدرات الاقتصادية للبلاد. لذا، فإن الدعوة إلى وقف الهجمات دون تقديم ضمانات واضحة لتنفيذ هذه الالتزامات لا تعالج المشكلة التي تفاقمت على مر سنوات الحرب والحصار.
ويكمن الاختلاف الجوهري بين موقف صنعاء ونهج الرياض في هذا. فالسعودية تريد وقف العمليات أولاً ثم التفاوض على القضايا الرئيسية؛ بينما يصرّ أنصار الله على أن يكون وقف الأعمال العدائية ضمن إطار يُفضي إلى إنهاء حقيقي للحرب والحصار. ويستند هذا الموقف إلى منطق واضح: فالطرف الذي استخدم القوة العسكرية لسنوات لفرض مطالبه لا يمكنه الآن أن يتوقع من الطرف الآخر التخلي عن نفوذه بمجرد طلب وقف إطلاق نار قصير الأجل دون تحمل المسؤولية وتنفيذ التزاماته.
ونتيجة لذلك، فإن الخيار الحقيقي الذي يواجه السعودية هو بين قبول متطلبات اتفاق دائم والاستمرار في مسار تتزايد تكاليفه. وقد أظهرت التطورات على أرض المعركة أن أنصار الله تمكنوا من تحويل الضغط العسكري إلى أداة لتحقيق المطالب السياسية والاقتصادية لليمن. لذا، لا يمكن للرياض تجاهل الحقائق الجديدة بتكرار التهديدات أو اقتراح وقف إطلاق نار قصير الأجل. إذا كانت السعودية تسعى حقاً إلى تخفيف حدة التوتر، فعليها التوقف عن محاولة فرض وقف أحادي الجانب للعمليات، وأن تبادر بدلاً من كسب الوقت إلى إنهاء الحرب والحصار والوفاء بالتزاماتها. وإلا، فإن حتى وقف إطلاق النار لمدة شهر سيصبح مجرد هدنة مؤقتة في المواجهة، هدنة لا تعالج جذور الأزمة ولا تضمن منع جولة جديدة من القتال.
