الوقت- استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع في العاصمة الرياض، خلال زيارة رسمية رافقه فيها وزير الخارجية أسعد الشيباني، وكان في استقبالهما بمطار الملك خالد أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر. وبحسب بيان الرئاسة السورية، بحث الجانبان العلاقات بين البلدين وسبل تطويرها، كما تبادلا وجهات النظر حول مستجدات المنطقة وقضايا ذات اهتمام مشترك تدعم الأمن والاستقرار. أما البيان السعودي فتحدث عن استعراض آفاق التعاون والفرص الواعدة وتطورات الأحداث الإقليمية. غير أن اللافت في تفاصيل اللقاء ليس ما قيل فيه فحسب، بل من حضره، إذ شارك عن الجانب السعودي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان ومستشار الأمن الوطني مساعد العيبان، وهي تركيبة تثير تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان جدول الأعمال اقتصادياَ فقط كما توحي اللغة الرسمية الهادئة.
تقارير عن طلب سعودي ونفي سوري قاطع
تحدثت تقارير إعلامية عن أن الرياض طلبت إرسال قوات سورية إلى السعودية أو اليمن، غير أن دمشق سارعت إلى النفي، إذ وصف المستشار الإعلامي للرئاسة السورية أحمد موفق زيدان هذه الأنباء بأنها "كذب ولا صحة له"، مؤكداً أن أمن السعودية والدول الخليجية من أمن سوريا. وشددت وزارة الإعلام السورية على أن سياسة دمشق ترتكز على الاستقرار والسلام والتعاون لا على فتح جبهات جديدة، مع وقوفها بحزم إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات. ويستوجب هذا النفي قراءة دقيقة، فهو ينفي طلباً محدداً لكنه لا يغلق باب التنسيق الأمني، وقد أقر باحثون سوريون بأن أي اتفاق للأمن القومي المشترك قد يرتقي بالتعاون إلى المستوى العسكري. وبين نفي الطلب والتأكيد على الوقوف الحازم تبقى مساحة رمادية تستحق شفافية أكبر. ويتساءل كتّاب سوريون عن المستفيد من توقيت هذه التسريبات،وهو سؤال مشروع، لكنه لا يعفي الحكومة من واجب تقديم رواية مفصلة ومقنعة للرأي العام، فالنفي المقتضب لا يبدد الشكوك حين يتكرر في ملفات حساسة ومتزامنة.
وعود الإعمار: إعلانات كبرى وتنفيذ محدود
أعلنت السعودية خلال العامين الماضيين حزم استثمار ضخمة في سوريا، بلغت نحو ستة مليارات دولار في يوليو/تموز 2025، تلتها حزمة بقرابة 5.3 مليارات دولار في فبراير/شباط 2026 شملت الطيران والاتصالات والمياه والبنية التحتية والعقارات. غير أن تحليلات اقتصادية تلفت إلى أن الفارق حاسم بين إعلان استثماري وتمويل فعلي لإعادة الإعمار، وأن مؤتمرات المانحين أنتجت تعهدات دون أن تنشئ صندوقاً للإعمار، وأن الرياض، رغم كونها أوسع لاعب عربي من حيث عدد القطاعات، لم تنتقل في معظم الملفات من الإعلان إلى الإعمار الملموس. ويكفي أن البنك الدولي يقدّر الأضرار المباشرة بنحو 108 مليارات دولار وكلفة إعادة البناء بما بين 140 و345 مليار دولار، لندرك أن الحزم المعلنة، حتى لو نُفذت بالكامل، لا تمثل سوى جزء يسير من الحاجة الفعلية. وصحيح أن بعض المشاريع بدأ فعلاً، كشحنات الإسمنت وعقود الطرق، لكنه يبقى بعيداً عن حجم الوعود التي رافقت اللقاءات السابقة بين الجانبين.
حين يتحول الاعتماد الاقتصادي إلى ورقة ضغط
تضع هذه المعادلة دمشق في موقع هش، فالسلطة التي اختارت، بتصريح معلن من الشرع نفسه، بناء مسار الإعمار على الاستثمار المباشر لا على المساعدات، تجد نفسها معتمدة على رساميل خليجية يتأخر تحويلها، في وقت تواجه فيه احتجاجات داخلية على الأسعار وأزمة سكن وإيجارات وتوغلات إسرائيلية شبه يومية في جنوبها. وفي مثل هذه الظروف يصبح أي طلب من الراعي الاقتصادي، حتى لو لم يُعلن، ضغطاً يصعب رفضه. وهنا تكمن المفارقة التي يطرحها المنتقدون: أن تتأخر الوعود الاقتصادية بينما تُطرح، بحسب التقارير، حاجة الرياض إلى سند عسكري في مواجهة أنصار الله. فإن صح أي جزء من هذه التقارير، فإنه يعني تحويل الإعمار الموعود من حق سوري إلى ثمن سياسي وعسكري، وزجّ بلد منهك في حرب بعيدة عن مصالحه الحيوية، بينما أراضيه في الجنوب مفتوحة أمام التوغل الإسرائيلي ومؤسساته الأمنية لم تستكمل بناءها بعد.
الشفافية قبل أي التزام
في المحصلة، لا يكفي منشور لمستشار إعلامي على منصة إكس لحسم سؤال بهذا الحجم. فالسوريون الذين ينتظرون إعماراً طال انتظاره من حقهم أن يعرفوا ما الذي بُحث فعلياً في الرياض، وما الالتزامات الأمنية والعسكرية، إن وجدت، التي قد تترتب على دمشق مقابل الدعم الاقتصادي. وبين وعود لم تتحول بعد إلى إعمار، وتقارير نُفيت دون تفصيل، تتضح أهمية أن تبقى سوريا بعيدة عن الحروب الإقليمية، وأن يكون القرار السيادي نابعاً من مصلحة السوريين لا من حسابات الرعاة. فالدول الخارجة من حروب طويلة لا تحتمل مغامرات عسكرية خارج حدودها، والتجارب الإقليمية القريبة، وفي مقدمتها الحرب اليمنية ذاتها التي استنزفت أطرافها لسنوات، تشهد بأن الانخراط في صراعات الآخرين يكلّف أكثر مما يعوّض، وأن الوعود المالية المؤجلة لا تصلح ثمناً لدماء الجنود ولا لاستقلال القرار الوطني. ويبقى السؤال: هل تنجح دمشق في تحويل علاقتها بالرياض إلى شراكة متكافئة تبني ولا تساوم، أم أن وعود الإعمار ستظل ورقة تُرفع كلما احتاج الآخرون إلى سند سوري في معاركهم؟
