الوقت - في حين يطالب العراقيون بإعادة فتح الحدود البرية والجوية مع إيران، لم تكتفِ حكومة علي الزيدي بتجاهل هذه المطالب، بل قامت أيضاً بإغلاق أحد أهم المعابر البرية بين البلدين.
علّقت الحكومة العراقية حركة المسافرين ونقل البضائع عبر معبر جذابة الحدودي حتى إشعار آخر، مُعللة ذلك بضرورة تنفيذ إجراءات فنية ولوجستية وإعادة بناء البنية التحتية. إلا أن غياب جدول زمني محدد لإعادة فتح المعبر وتقديم تفسيرات متضاربة أثار موجة من ردود الفعل. في غضون ذلك، يواصل سكان محافظة ميسان، الأكثر تضرراً من تعليق التجارة، المطالبة بإعادة فتح المعبر في أسرع وقت ممكن من خلال احتجاجاتهم.
في أحدث الاحتجاجات، تجمّع عدد من سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة، بالإضافة إلى عمال معبر جذابة الحدودي في محافظة ميسان، على الطريق المؤدي إلى المعبر خلال الأيام الماضية، مطالبين بإعادة فتحه ونقل مطالبهم إلى بغداد. وأوضح المحتجون أن إغلاق المعبر قد أثّر على مصادر رزقهم ومصالحهم التجارية.
وصرح حسين المرياني، عضو مجلس محافظة ميسان، بأن إغلاق معبر جذابة قد أضرّ باقتصاد المحافظة، وحذّر من أن استمرار إغلاق المعبر قد يدفع أهالي ميسان إلى رد فعل أكثر حدة.
كما لفت إغلاق المعابر الحدودية انتباه أعضاء البرلمان. وقال مهدي آمرلي، رئيس كتلة بدر البرلمانية، إن قرار إغلاق المعبر يعكس ارتباكاً واضحاً في عملية صنع القرار، وأن هذا الإجراء يُسهم بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار ويُلقي عبئاً إضافياً على كاهل المواطنين ذوي الدخل المحدود. أوضح آمرلي أن تبرير الحكومة بأن المعبر غير صالح للاستخدام غير صحيح، وأنه لا يوجد أي خلل فني أو إداري يبرر إغلاقه.
تكمن أهمية هذه القضية لمحافظة ميسان في اعتماد شريحة كبيرة من أسر المنطقة على أنشطة النقل والتجارة الحدودية وحركة المسافرين. وصرح ثامر قاسم داود، رئيس الهيئة العامة للجمارك العراقية، يوم الخميس (27 نوفمبر/تشرين الثاني): "قد تصل إيرادات هذا المعبر، عند تشغيله، إلى ما بين مليارين وأربعة مليارات دينار عراقي يوميًا، أي ما يعادل حوالي 1.3 إلى 2.6 مليون دولار أمريكي".
لذا، فإن إغلاق هذا المعبر الحيوي يُلحق ضررًا اقتصاديًا بالغًا بالشعب العراقي، بل وحتى بالحكومة العراقية، ومع ذلك ترفض بغداد إعادة فتحه فورًا بذريعة واهية. وقد أعلنت قيادة عمليات ميسان أنها لم تتلقَّ أي أمر رسمي من بغداد بشأن موعد إعادة فتح المعبر واستئناف التجارة.
الخسائر التجارية التي يتكبدها العراقيون بالغة الخطورة، لدرجة أن رئيس مجلس محافظة ميسان حدد مؤخرًا مهلة للحكومة لإعادة فتح معبر جزاز تضامنًا مع السكان المحليين، محذرًا من أن العراقيين سيلجؤون إلى العصيان المدني وقطع الطرق في المحافظة إذا لم يُفتح المعبر بحلول الموعد النهائي.
في المقابل، وبدلًا من الاستجابة لمطالب المحتجين، أمر الزيدي بفتح تحقيق في أدائه، ثم اعتقله واطلق سراحه فيما بعد بعدما تعهد بالامتثال لأوامر الحكومة. تُظهر هذه الإجراءات أن الحكومة تتخذ خطوات متعمدة لإغلاق المعابر الحدودية، وأن إعادة بناء البنية التحتية والحاجة إلى تنفيذ تدابير فنية وأمنية ليست سوى ذريعة.
نقص في السلع وارتفاع في الأسعار في ميسان
تربط إيران والعراق علاقات تجارية واسعة ومتشعبة، حيث تُنقل عبر هذه الحدود البرية سلعٌ متنوعة، من المواد الغذائية والمنتجات الزراعية إلى مواد البناء والصلب والمنتجات البتروكيماوية والسلع الاستهلاكية والطاقة.
يشكل الغذاء والمنتجات الزراعية والسلع الاستهلاكية جزءًا كبيرًا من صادرات إيران إلى العراق، وكثير من هذه الشحنات سريعة التلف، ولذلك، فإن التوقفات المطولة عند هذه المعابر قد تُشكل ضغطًا على قطاعات مختلفة من السوق العراقية.
لا تستطيع الشاحنات المحملة بالفواكه والخضراوات وغيرها من المنتجات الزراعية الانتظار طويلًا في طوابير الحدود أو مواقفها على جانبي الحدود، وكل يوم تأخير قد يؤدي إلى انخفاض الجودة، وزيادة الهدر، وفي نهاية المطاف ارتفاع أسعار السلع للمستهلك.
ذكرت صحيفة المدى، يوم الاثنين، في تقرير لها عن التداعيات الاقتصادية لإغلاق معبر الشضبة الحدودي، أن هذا الإجراء تسبب في بطالة مئات السائقين والعمال وأصحاب الأعمال الخدمية والحمالين والناشطين في قطاع النقل، وأن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومواد البناء والسلع الاستهلاكية.
وأفادت وسائل إعلام عراقية، نقلاً عن عدد من تجار الجملة للخضراوات في سوق العمارة بمحافظة ميسان، أن دخول المنتجات الزراعية إلى المحافظة قد انخفض بشكل حاد. بحسب قولهم، بعد إغلاق معبر الجذابة، سيُضطر الإيرانيون لنقل الخضراوات إلى ميسان عبر معبر شلامجة في محافظة البصرة، مما سيرفع تكلفة النقل من البصرة إلى ميسان، وبالتالي يزيد من سعرها النهائي. كما سيؤدي ذلك إلى إطالة مدة وصول المنتجات إلى السوق والمستهلك.
بغداد تحت ضغط من واشنطن والرياض
بالنظر إلى أداء حكومة الزيدي، يبدو أن بغداد، تحت تأثير ضغوط خارجية، لا سيما من الولايات المتحدة، أغلقت حدودها التجارية مع إيران، وهو إجراء يتعارض بشكل واضح مع مصالح البلدين، في ظل السخط الشعبي ومعارضة المسؤولين المحليين.
ويأتي هذا في حين أن إيران تُعدّ من أهم الشركاء التجاريين للعراق، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 12 مليار دولار أمريكي عام 2025، وفقًا للحكومة العراقية، وشكّلت إيران ما يقارب خُمس صادراتها غير النفطية.
وقد بلغت أهمية وفوائد التبادل التجاري والطاقة مع إيران حدًّا دفع جميع الحكومات العراقية السابقة تقريبًا إلى التخطيط والعمل على تطوير هذه العلاقات، حتى بات من المتوقع، بناءً على الأهداف المحددة، أن يرتفع حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين إلى 30 مليار دولار أمريكي في السنوات القادمة.
في هذا السياق، يرى منتقدو عرقلة العلاقات الاقتصادية مع إيران أنه على الرغم من مواجهة الحكومة العراقية ضغوطًا سياسية وأمنية عديدة من واشنطن والرياض في ظل الوضع المتوتر في المنطقة، إلا أنه لا ينبغي استخدام الضغوط الخارجية ذريعةً لإضعاف العلاقات الاقتصادية والودية مع إيران. ولعل استمرار إغلاق الحدود سيضر بالشعب العراقي أكثر من إيران، كما تؤكد احتجاجات الأسابيع الأخيرة. تُظهر هذه الاحتجاجات أن سبل عيش سكان المناطق الحدودية وأنشطة الشركات المحلية قد واجهت تحديات جسيمة عقب إغلاق المعابر.
والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن قرار بغداد بالإبقاء على إغلاق الحدود البرية مع إيران يأتي في وقت تخطط فيه حكومة الزيدي لتوسيع المعابر الحدودية مع دول الجوار في عام 2027، وبالتالي تقليل اعتمادها على عائدات النفط من خلال زيادة الإيرادات من هذه المعابر.
بشكل عام، لا تُعدّ حدود إيران والعراق مجرد معابر تجارية، بل هي شرايين حيوية لتدفق البضائع بين البلدين، واستمرار إغلاقها قد يُؤدي إلى آثار بعيدة المدى تتجاوز حدود الدول، مُعطّلاً إمدادات البضائع، ومُسبباً ارتفاع التكاليف، ومُؤثراً سلباً على الأسعار.
