الوقت - شهدت فرنسا، في أعقاب موجات حر متتالية عصفت بالبلاد منذ أواخر شهر مايو/أيار وحتى العشرين من أغسطس/آب، ما يقارب 8 آلاف حالة وفاة زائدة عن المعدل الطبيعي؛ في صيفٍ وصفته هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية بأنه الأشدّ حرارةً منذ بدء تسجيل البيانات الوطنية عام 1900.
وتشير بيانات وكالة الصحة العامة الفرنسية إلى أن العدد الإجمالي للوفيات الزائدة المسجّلة خلال موجات الحر بلغ 7919 حالة. وقد أكّد المسؤولون الصحيون أن هذه الأرقام لا تزال أولية، وقد تشهد تغيّراً بعد استكمال بيانات نهاية موسم الحر.
هل كانت جميع هذه الوفيات نتيجةً مباشرةً للحر؟
في تفسير هذه الأرقام، لا بد من التمييز بين الوفيات الزائدة المتزامنة مع موجة الحر، وبين الحالات التي أُثبت طبياً أن الحر كان السبب المباشر لوفاتها.
فوكالة الصحة العامة الفرنسية تقارن عدد الوفيات المسجّلة خلال فترة موجة الحر بمعدل الوفيات المتوقع في الظروف الطبيعية، وتُطلق على الفارق بين الرقمين تسمية “الوفيات الزائدة لأي سبب”.
وبناءً على ذلك، فإن رقم 7919 حالة لا يعني أن الحر قد سُجّل كسبب مباشر للوفاة في شهادات وفاة جميع هؤلاء الأشخاص، بل يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في معدل الوفيات تزامن مع فترات الحر الشديد.
أعنف موجة حر: أكثر من 5700 وفاة زائدة
كانت الموجة التي استمرت من 17 يونيو/حزيران إلى 2 يوليو/تموز، الأشدّ أثراً على معدل الوفيات. فقد سجّلت وكالة الصحة العامة خلال هذه الفترة 5764 حالة وفاة زائدة، ما يمثّل زيادة تُقدَّر بنحو 36% مقارنةً بالمعدل المتوقع.
وشملت هذه الموجة 92 محافظة فرنسية، أي ما يعادل نحو 98.5% من سكان فرنسا القارية.
وأعلنت وكالة الصحة العامة أن هذه الزيادة تُعدّ الأعلى في معدل الوفيات المسجّلة خلال موجة حر واحدة في فرنسا منذ كارثة صيف 2003، وإن كان عدد الوفيات لا يزال أقل من المستوى المسجّل في ذلك العام.
المسنّون؛ الفئة الأكثر عرضةً لخطر الحر
تكشف البيانات الصحية الفرنسية أن كبار السن من بين الفئات التي تحمّلت أكبر الأضرار جراء ارتفاع درجات الحرارة.
فخلال آخر موجة حر، التي استمرت من 27 يوليو/تموز إلى 20 أغسطس/آب، شكّل الأشخاص من عمر 75 عاماً فأكثر ما يعادل 751 حالة من إجمالي 817 حالة وفاة زائدة.
كما مثّلت هذه الفئة العمرية نحو ثلاثة أرباع الوفيات الزائدة المقدَّرة خلال موجة حر شهر يوليو.
لماذا يشكّل الحر خطراً أكبر على المسنين؟
تتزايد مخاطر الحر الشديد مع تقدّم العمر، وذلك لأن قدرة الجسم على تنظيم درجة حرارته تتراجع، فيما يزداد احتمال الإصابة بأمراض مزمنة، إلى جانب تناول أدوية قد تؤثر على توازن السوائل داخل الجسم.
فارتفاع الحرارة يمكن أن يتسبب في الجفاف، والإجهاد الحراري، وضربات الشمس، إضافةً إلى إجهاد أكبر يتعرّض له القلب والكليتان والجهاز التنفسي في آنٍ واحد.
الصيف الأشدّ حرارةً في فرنسا منذ عام 1900
أكّدت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية “ميتيو-فرانس” (Météo-France) أن صيف هذا العام هو رسمياً الأشدّ حرارةً منذ بدء تسجيل الأرصاد الوطنية عام 1900.
فقد سُجّل المعدل اليومي لدرجة الحرارة خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس عند نحو 24 درجة سلسيوس، أي أعلى بمقدار 3.6 درجة عن المعدل المرجعي.
وبذلك تحطّم الرقم القياسي السابق المسجّل عام 2003، حين كان المعدل أعلى بنحو 2.7 درجة فقط عن المعدل المرجعي.
53 يوماً من موجات الحر؛ رقم قياسي غير مسبوق
وبحسب إعلان هيئة الأرصاد الجوية، شهدت فرنسا خلال هذا الصيف ثلاث موجات حر شديدة بلغ مجموع أيامها 53 يوماً، رقم وُصف بأنه غير مسبوق في تاريخ البلاد.
وللمقارنة، شهدت فرنسا في صيف عام 2022 ما مجموعه 33 يوماً من موجات الحر.
موجة الحر في أغسطس: من أطول الموجات المسجّلة
أما الموجة التي استمرت من أواخر يوليو حتى النصف الثاني من أغسطس، فقد جاءت من حيث المدة الزمنية في مقدمة أطول موجات الحر المسجّلة في تاريخ فرنسا.
وأعلنت هيئة الأرصاد أن هذه الموجة تُعادل، من حيث المدة، موجة حر يوليو 1983 التي كانت تُعتبر حتى الآن الأطول على المستوى الوطني، لكنها تفوّقتها في الشدة.
وشملت هذه الموجة 79 محافظة، تضمّ نحو 89% من سكان فرنسا القارية.
مقارنةً مع العام الماضي
وفقاً للتقرير الصحي النهائي عن موسم الحر السابق، سجّلت فرنسا بين يونيو ومنتصف سبتمبر 5722 حالة وفاة جرّاء الحر.
وتشير الأرقام الأولية لهذا العام إلى أن عدد الوفيات الزائدة المتزامنة مع موجات الحر تجاوز 7900 حالة، وذلك حتى تاريخ 20 أغسطس فقط، في حين لا تزال بيانات ما تبقى من الموسم قيد المراجعة والتحليل.
الجفاف؛ عاملٌ يزيد من حدّة الأزمة
لم يكن الحر الشديد الظاهرة القياسية الوحيدة التي عرفتها فرنسا هذا الصيف، فقد واجهت البلاد أيضاً عجزاً في معدل الأمطار بلغ نحو 40% مقارنةً بالمعدل المعتاد.
وبحسب هيئة الأرصاد الجوية، يُعدّ هذا الصيف ثاني أكثر صيف جفافاً في فرنسا منذ بدء سلسلة القياسات الحديثة لهذا المؤشر.
وقد أدى اجتماع درجات الحرارة المرتفعة مع تراجع معدلات الأمطار إلى تفاقم جفاف التربة، وارتفاع خطر حرائق الغابات، وهي ظروف زادت من اتساع أبعاد الأزمة الناجمة عن موجة الحر غير المسبوقة التي عصفت بفرنسا.
