الوقت - بينما يدّعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهجمات الإيرانية التي استمرت ستة أشهر على القواعد الأمريكية في المنطقة لم تُلحق ضررًا كبيرًا بواشنطن، ومع استمرار الحرب، تكشف تقارير جديدة عن مزيد من التفاصيل حول الخسائر والأضرار التي لحقت بالأمريكيين، لدرجة أن مسؤولي البيت الأبيض لم يعودوا قادرين على إخفاء أبعادها الحقيقية.
في هذا السياق، أقرّ هونغ كاو، قائد البحرية الأمريكية، مؤخرًا بأن الهجمات الإيرانية ألحقت أضرارًا جسيمة بالمنشآت البحرية الأمريكية في البحرين.
ويُعدّ تصريح المسؤول الأمريكي اعترافًا نادرًا من مسؤول أمريكي رفيع المستوى بحجم الأضرار التي لحقت بقاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين. أكد أن "البحرين مقرٌ للأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، والذي يعمل في الخليج والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي ومياه إقليمية أخرى".
وقال كاو إن الأضرار التي لحقت بالقاعدة أثرت أيضاً على عمليات حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، ما ترك طاقم السفينة بلا مكان للرسو.
يأتي هذا بعد أن أفادت صحيفة "ميليتاري تايمز" بأن عدداً من البحارة على متن "يو إس إس أبراهام لينكولن"، التي نُشرت في سياق العمليات ضد إيران، انتحروا، مُشيرين إلى الإرهاق الشديد والإنهاك كأسبابٍ لإقدامهم على ذلك. كما أفادت قناة "إم إس ناو" التلفزيونية بأن طول فترة انتشار حاملة الطائرات أدى إلى مشاكل في المعدات، بما في ذلك أعطال في أنظمة الإقلاع والهبوط للطائرات.
وكان تحليلٌ سابق، استناداً إلى مصادر إعلامية وصور أقمار صناعية، قد أظهر أن المنشآت الأمريكية في البحرين قد تعرضت لأضرار جسيمة خلال الهجمات الإيرانية.
وقال الأدميرال داريل كاديل، قائد العمليات البحرية الأمريكية، في أوائل سبتمبر/أيلول، إن القوات لن تعود إلى أنشطة الدعم البحري في البحرين "في أي وقت قريب" بسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت.
أهمية وجود الأسطول الأمريكي في البحرين
لا يقتصر وجود الأسطول الأمريكي وقيادة البحرية الأمريكية في البحرين على مجرد نشر بضع سفن في قاعدة ساحلية، بل أصبح الأسطول الخامس فعلياً مركز القيادة والدعم والاستجابة السريعة الأمريكي في القطاع البحري لغرب آسيا. يُدير هذا المركز العمليات في منطقة تمتد على مساحة تقارب 2.5 مليون ميل مربع من المياه، وتشمل 21 دولة، وهي منطقة تضم ثلاثة ممرات مائية استراتيجية رئيسية: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس.
وتتضح أهمية الأسطول المتمركز في البحرين أكثر عند الأخذ في الاعتبار أن حوالي 20.9 مليون برميل من النفط يومياً مرت عبر مضيق هرمز في النصف الأول من عام 2025، أي ما يعادل حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم.
لذا، تُعدّ البحرين "ركيزة عملياتية" لواشنطن، إذ تُوفّر السيطرة والمراقبة على الممرات الملاحية، وحماية البنية التحتية للطاقة، والدعم اللوجستي، وجمع المعلومات الاستخباراتية، والنشر السريع للقوات في العمليات القتالية واسعة النطاق. كما تمتلك البحرية الأمريكية في البحرين منشأة للصيانة والإصلاح لـ 14 سفينة متمركزة في المنطقة. وتتولى قيادة الأسطول الخامس قيادة القوات البحرية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية والقوات البحرية المشتركة في آنٍ واحد.
وتستخدم الولايات المتحدة الأسطول الخامس لتسيير دوريات في الخليج ومضيق هرمز، ومراقبة السفن الإيرانية، وترسيخ وجود دائم على مقربة من إيران.
ويستضيف الأسطول الخامس مجموعات حاملات الطائرات القتالية منذ عقود. وتتيح هذه المجموعات، التي تضم مدمرات صواريخ موجهة وقوة جوية تتألف من عدة طائرات مقاتلة، وطائرات حرب إلكترونية، ومروحيات، وطائرات إنذار وتحكم محمولة جواً، للولايات المتحدة تنفيذ عمليات جوية وصاروخية ودعم القوات البرية.
ويُمكّن وجود قاعدة قيادة في البحرين الولايات المتحدة من نقل القوات والمعلومات والذخائر والمعدات بسرعة أكبر بين الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر. خير مثال على ذلك عملية الإجلاء من أفغانستان عام ٢٠٢١، حين شكّلت قيادة الأسطول الخامس قوة مهام قوامها ١٤٠٠ فرد، وتمكنت من نقل ٧٠٠٠ شخص من أفغانستان إلى البحرين.
نبذة عن الوجود البحري الأمريكي في البحرين
يعود الوجود البحري الأمريكي في البحرين إلى عام ١٩٧١، حين استأجرت البحرية الأمريكية جزءًا من المنشأة البريطانية السابقة بعد استقلال البحرين، وفي عام ١٩٩٥، أعادت الولايات المتحدة تفعيل الأسطول الخامس. وفي عام ١٩٩٧، وُسّع مرفق الجفير في إطار برنامج الإنشاءات العسكرية الأمريكية، وفي عام ١٩٩٩، غُيّر اسمه إلى قاعدة الدعم البحري في البحرين.
على مدى العقدين الماضيين، أنفقت الولايات المتحدة بكثافة على صيانة السفن وتحديثها وتزويدها بالاتصالات والخدمات اللوجستية وإصلاحها. كانت نقطة التحول في هذه الجهود عام 2010، عندما بدأت الولايات المتحدة خطة مدتها خمس سنوات بتكلفة 580 مليون دولار لمضاعفة سعة القاعدة تقريبًا. كانت مساحة القاعدة الأصلية حوالي 62 فدانًا (4047 كيلومترًا مربعًا)، وقد وسّعها التوسع الجديد لتصبح مجمعًا متصلًا بـ 77 فدانًا من الأراضي الساحلية.
شمل المشروع إنشاء مرافق أمنية، ومباني خدمات ولوجستيات، وثكنات عسكرية، ومرافق ميناء، ومركز دوريات ميناء، ورصيف للقوارب الصغيرة، ومطعم، ومبانٍ إدارية. وكان من أهم أجزاء هذا المشروع إنشاء جسر معلق بطول 400 قدم ووزن حوالي 2500 طن، يربط المنشأة الرئيسية بالجزء الساحلي المُطوَّر، وقد اكتمل تركيبه في ديسمبر 2013.
كما شملت الاستثمارات التي وُظِّفت لتطوير البنية التحتية لهذه القاعدة في البحرين عقد دعم القاعدة لعام 2023 بقيمة 27.9 مليون دولار أمريكي تقريبًا، وتعديله في عام 2025 بقيمة 30.2 مليون دولار أمريكي.
وكان نشر المعدات العسكرية الأمريكية في هذه القاعدة مختلفًا دائمًا. على سبيل المثال، في مجال كاسحات الألغام، تمركزت أربع كاسحات ألغام من فئة "أفينجر" في البحرين حتى عام 2025، ولكن تم إخراجها جميعًا من الخدمة في سبتمبر من العام نفسه. لم يُؤدِّ ذلك إلى تقليص قدرات كاسحات الألغام، بل استبدلت الولايات المتحدة هذه السفن الأربع القديمة بسفن قتالية ساحلية (LCS) من الجيل الأحدث وأنظمة مكافحة الألغام.
وصلت السفينة "يو إس إس كانبرا" (LCS-30) إلى البحرين في مايو 2025، وكانت أول سفينة قتالية ساحلية مُجهزة بحزمة مكافحة الألغام. كما أُرسلت السفينة "يو إس إس سانتا باربرا" (LCS-32) إلى المنطقة برفقتها. وكانت البحرية الأمريكية قد أعلنت أن أربع سفن قتالية ساحلية مُخصصة في نهاية المطاف لمهام متعلقة بالبحرين.
لا تُبقي الولايات المتحدة عادةً عددًا ثابتًا من المدمرات الصاروخية الموجهة في البحرين، ولكن مدمرات فئة "أرلي بيرك" التابعة للأسطول الخامس تدخل الخليج ثم تغادر المنطقة تبعًا للمهمة. كل مدمرة من هذه المدمرات مُجهزة بنظام إطلاق عمودي من طراز Mk 41، وتحمل صواريخ توماهوك وستاندرد.
دور الأسطول الخامس الأمريكي في حرب الأربعين يومًا
كان الأسطول الخامس الأمريكي أحد مراكز القيادة والدعم الرئيسية للعمليات البحرية الأمريكية في المنطقة خلال حرب الأربعين يومًا. وبفضل أنظمة الاتصالات والاستخبارات والإمداد اللوجستي، كان الأسطول مسؤولاً عن تنسيق العمليات البحرية الأمريكية ودعم القوات الأمريكية في الخليج ومضيق هرمز.
لذلك، ونظرًا لدور الأسطول في تخطيط عمليات الدفاع الجوي، أدرجت إيران هذه القاعدة ضمن قائمة أهدافها، وفي اليوم الأول من الحرب، بدأت هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على مواقع أمريكية في البحرين. وفي 3 يونيو، خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت، أعلنت إيران أنها استهدفت مقر الأسطول الخامس ردًا على الهجمات الأمريكية.
اتضحت أهمية الهجمات عندما أفادت تقارير لاحقة بوقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية للقاعدة، ومراكز القيادة، والمستودعات، ومعدات الاتصالات. أفاد مسؤولون أمريكيون لاحقًا أن إيران أطلقت أكثر من 8000 طلقة نارية خلال الحرب.
وأظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته صحيفة واشنطن بوست في أواخر مايو/أيار أن أكثر من نصف الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة (228 مبنى ومعدات متضررة) تركزت في مقر قيادة الأسطول الخامس والكويت.
ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة نظرًا لأن استهداف إيران للمنشأة كان في الواقع محاولةً لإرهاق سلسلة القيادة والدعم البحري الأمريكي في الخليج ، وليس مجرد تدمير قاعدة عسكرية، مما جعل البحرين عرضةً لهجمات القوات المسلحة. وفي 28 يونيو/حزيران، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهدافه منشآت تابعة للأسطول الخامس في واشنطن بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة. وفي 24 يوليو/تموز، أفاد الحرس الثوري أيضًا بتعرض برج مراقبة تابع للأسطول الخامس لأضرار جسيمة.
وهكذا، يُظهر استعراض الحرب أن البحرين تحولت من منصة قيادة ودعم آمنة نسبيًا إلى واحدة من أكثر نقاط الانتشار الأمريكي ضعفًا في المنطقة، وهي مشكلة حدّت من القدرات اللوجستية وحرية حركة الأسطول الخامس، وأجبرت واشنطن على إعادة النظر في طريقة نشر قواتها البحرية في المنطقة.
تأثير إخراج هذا المركز من دورة العمليات في المواجهة الأمريكية الإيرانية المستقبلية
مع إخراج الأسطول البحريني من دورة العمليات، ستتجاوز تداعيات هذا التطور في المواجهة الأمريكية الإيرانية المستقبلية مجرد خسارة واشنطن لقاعدة عسكرية.
قد يُؤدي هذا التطور إلى إبطاء سرعة الاستجابة الأمريكية، وتقليل الدعم المقدم للسفن المتمركزة في الخليج ، وتقليص قدرات القيادة بالقرب من مضيق هرمز. كما أن زيادة المسافة بين المراكز البديلة تزيد من تكلفة ووقت نقل الوقود وقطع الغيار والذخيرة والقوات.
من جهة أخرى، ستُضطر واشنطن إلى إنشاء شبكة أكثر انتشارًا وحركة بدلًا من الاعتماد على مركز كبير وثابت، وهو أمر مُكلف ويُخلق نقاط ضعف جديدة.
لذا، في مواجهة محتملة مستقبلاً، قد يُحوّل هجوم إيراني على البحرين معادلة "التواجد الوثيق" للولايات المتحدة إلى "تواجد مُشتّت"، وهو ما لا يعني بالضرورة انسحاب واشنطن من المنطقة، ولكنه سيؤثر على حرية تحركها وقدرتها العملياتية.
