الوقت - في مستهل الأمر، كان من المقرر أن تكون حرب اليمن بالنسبة للسعودية عمليةً خاطفةً لاستعادة المعادلات السياسية التي ترتضيها الرياض، إلا أن ثماني سنوات من الحرب تمخضت عن نتيجة مغايرة تماماً. فبعد سنوات من القصف وإنفاق أموال طائلة، أُجبرت السعودية في نهاية المطاف على الرضوخ لوقف إطلاق النار، لتنتهي إلى حالة يمكن توصيفها بـ “لا حرب ولا سلام”. ولم يكن الإنجاز الأهم للرياض في السنوات الأخيرة يتمثل في كسب الحرب، بل في الحفاظ على هذا الوضع الهش؛ وهو وضع لم يكن قابلاً للاستمرار بالنسبة لليمنيين.
وعلى الضفة الأخرى، سلكت حركة أنصار الله خلال هذه الفترة مساراً مغايراً. فقد انبرت الحركة بادئ ذي بدء لمواجهة الكيان الصهيوني، لتشتبك بعدها مع الولايات المتحدة؛ أي أنها واجهت، في مرحلتين، لاعبين يفوقان السعودية بأشواط في مجالات التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية والقوة النارية. ولم تكن حصيلة هذه المواجهات بالنسبة لأنصار الله مجرد تجربة سياسية، بل أفضت إلى الارتقاء بالقدرات العملياتية والتسليحية والتكتيكات القتالية للحركة.
بعبارة أخرى، حاربت السعودية ثماني سنوات في اليمن لبلوغ وقف إطلاق النار، في حين خاضت أنصار الله في السنوات التي تلت ذلك غمار ميادين أشدّ تعقيداً في مواجهة أعداء أكثر قوةً، لتراكم بذلك خبراتها وتصقل قدراتها العسكرية.
باب المندب؛ تغيير هندسة الحرب
تكمن أهمية التطورات الأخيرة في اليمن في تغيّر جغرافية الصراع. ففي السابق، كانت قوات أنصار الله تضطر للجوء إلى الصواريخ والطائرات المسيرة بعيدة المدى للتأثير على مضيق باب المندب؛ غير أن زحف قوات صنعاء على امتداد الساحل الغربي، قد قلّص المسافة التي تفصلها عن هذا الممر المائي الاستراتيجي إلى أدنى حد ممكن.
لم تعد المسألة اليوم تقتصر على مدى صاروخ أو تحليق طائرة مسيرة؛ بل باتت مسألة موقع جغرافي.
يُعد باب المندب أحد أهم المضائق البحرية في العالم، وتحظى جزيرة "ميون"، القابعة في قلب هذا الممر، بموقع استثنائي لرصد ومراقبة الحركة البحرية. وفي خضم هذه الظروف، فإن اقتراب قوات صنعاء من المضيق وإحكام سيطرتها على النقاط المشرفة عليه، من شأنه أن يغيّر طبيعة التهديد؛ تهديد يتحول من هجوم بعيد المدى إلى ضغط مستمر وعن قرب على خطوط الملاحة.
وهنا يكمن مبعث القلق المتنامي لدى الكيان الصهيوني والدول الغربية إزاء التطورات اليمنية. فإذا كانت السفن في السابق قادرةً، بتغيير مسارها، على التواري نسبياً عن مرمى الأسلحة بعيدة المدى، فإن اقتراب التهديد من باب المندب عينه يجعل حسابات الملاحة أكثر تعقيداً وعسراً.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى باب المندب كمجرد مضيق جغرافي، بل كرافعة جيوسياسية؛ رافعة قادرة على إلقاء ظلالها على التجارة والطاقة والأمن البحري.
السعودية؛ العودة إلى نقطة الفشل
تواجه الرياض اليوم مفارقةً كبرى. فلقد سعت السعودية خلال السنوات الماضية إلى قلب موازين القوى ضد أنصار الله عبر نسج التحالفات، وممارسة الضغوط العسكرية، ودعم القوى الحليفة لها في اليمن، غير أن أياً من هذه المشاريع لم يكلل بانتصار استراتيجي.
فحتى في الوقت الذي لم تكن فيه أنصار الله تمتلك ما تمتلكه اليوم من قدرات صاروخية ومسيرة وبحرية، عجزت السعودية في النهاية عن تحقيق أهدافها الرئيسية في الحرب. وعليه، فإن التعويل على قدرة الرياض اليوم على إحراز النصر، باستخدام ذات الأنماط البالية، في مواجهة قوة تمرّست لسنوات على الحروب غير المتكافئة والعمليات الصاروخية والمسيرة، يجافي حقائق الميدان.
وثمة معضلة أخرى تؤرّق السعودية، ألا وهي تآكل قدرتها على بناء التحالفات. فالتحالفات التي قادتها الرياض سابقاً ضد اليمن أخفقت في تغيير معادلة الحرب، وباتت أي محاولة راهنة لتشكيل تحالف جديد محفوفةً بتكاليف ومخاطر أشدّ جسامةً.
أنصار الله؛ من حركة مقاومة إلى قوة إقليمية
لقد برهنت تطورات السنوات الأخيرة على أن أنصار الله لم تعد مجرد فاعل يمني داخلي. فقد نجحت الحركة في تنصيب نفسها كلاعب عالمي مؤثر؛ لاعب قادر على الإسهام في صياغة معادلات الملاحة والطاقة والأمن العالمي.
وقد جاءت حرب غزة لتزيد من وتيرة هذا المسار. فمن خلال وضع دعم فلسطين في صُلب سياستها الإقليمية، انخرطت أنصار الله فعلياً في مواجهة مباشرة مع الكيان الصهيوني، لتوسع لاحقاً رقعة المواجهة لتشمل الولايات المتحدة. ومثّلت هذه التجربة، بالنسبة لأنصار الله، بمثابة نقل للمعرفة والخبرات العملياتية في أتون ميدان حرب حقيقي.
ومن هذا المنظور، لا ينحصر التحول الجوهري في زيادة ترسانة الصواريخ والمسيرات فحسب؛ بل يتعداه إلى الارتقاء بجودة صناعة القرار، وتراكم الخبرة العملياتية، والإلمام بخبايا الميدان، والقدرة المتقدمة على المزج بين مختلف الأدوات القتالية.
قضيةٌ تتجاوز حدود السعودية
تتجاوز أبعاد التطورات اليمنية حدود السعودية. فإذا ما خضع مضيقا هرمز وباب المندب لضغوط متزامنة، فإن شريانين حيويين للطاقة والتجارة العالمية على ضفتي المنطقة سيتأثران بشدة.
فمضيق هرمز شرقاً وباب المندب في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية، يشكلان عملياً نقطتين حساستين في شبكة إمدادات الطاقة وتدفق السلع. وأي خلل مستدام في هذين الممرين سيؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة وقت النقل، وما يتبعه من قفزة في أسعار الطاقة.
ولهذا السبب، لم تعد المسألة اليمنية مجرد حرب أهلية أو صراع بين السعودية وأنصار الله؛ بل استحالت جزءاً من صراع أوسع للسيطرة على المضائق الاستراتيجية في المنطقة.
وفي ظل هذه الظروف، لا يعد ارتفاع أسعار النفط مجرد مؤشر اقتصادي؛ بل هو جرس إنذار بارتفاع التكلفة الجيوسياسية للأزمة. فكلما طال أمد تعطل مسارات الطاقة والملاحة، اشتدت وطأة الضغوط على الاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة.
لماذا يساور القلق الرياض؟
تواجه السعودية اليوم حركة أنصار الله التي اجتازت اختبار الحرب مع القوى العظمى، وعززت من ترسانتها التسليحية، وباتت على مرمى حجر من موقع جغرافي بالغ الحساسية في باب المندب.
وبالتالي، لم يعد السؤال المُلِح بالنسبة للرياض يقتصر على قدرتها على صدّ هجوم صاروخي أو اعتراض طائرة مسيرة. بل يكمن السؤال الجوهري فيما إذا كانت السعودية قادرةً، في خضم حرب استنزاف جديدة، على تحمل الأعباء الناجمة عن ضغط متزامن براً وجواً وبحراً وعبر الصواريخ والمسيرات؟
إن الإجابة على هذا التساؤل، ستكون البوصلة التي تحدد مسار الحرب في المستقبل.
الانتصار الاستراتيجي في مواجهة الانتصار التكتيكي
من أبرز الفوارق بين الطرفين في السنوات الأخيرة، هو البون الشاسع بين الانتصار التكتيكي والاستراتيجي. فقد ينجح طرف ما في حقبة معينة في السيطرة على منطقة، أو صدّ هجوم، أو تدمير هدف عسكري؛ غير أن الانتصار الاستراتيجي لا يتحقق إلا عندما تنقلب موازين القوى.
ومن هذه الزاوية، لا تنحصر غاية أنصار الله في مجرد إحراز تقدم في جبهة بعينها؛ بل تتجلى في التغيير المتدرج لمكانة اليمن في المعادلات الإقليمية. فالسيطرة على باب المندب أو ممارسة الضغط عليه، يمكن أن يعزز الثقل الجيوسياسي لصنعاء بشكل ملموس.
في المقابل، تقف السعودية أمام تحدٍ لم يعد حلّه مرهوناً بضخ الأموال، أو إبرام صفقات التسليح، أو حياكة التحالفات.
شفرتا مقصٍ على شريان الطاقة العالمي
إذا ما استمرت وتيرة التطورات في هرمز وباب المندب بشكل متزامن، فإن غرب آسيا قد يتحول إلى نقطة يمارس فيها أهم مضيقين بحريين في العالم ضغوطاً خانقةً كفكّي كماشة على شرايين الطاقة؛ وهو وضع لن تقتصر فاتورته الباهظة على السعودية أو الكيان الصهيوني فحسب، بل ستطال تداعياته الاقتصادية أمريكا وأوروبا أيضاً.
وفي ظروف كهذه، تتغير معادلة القوة كذلك. فاللاعب القادر على التأثير في ممر حيوي، لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك أضخم الجيوش أو أعتى القوات الجوية لفرض إرادته؛ ففي بعض الأحيان، يفرض الموقع الجغرافي تكلفةً أبهظ على كاهل القوى العظمى.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يجب استقراء التطورات اليمنية الأخيرة. فالقصة لا تنتهي عند السيطرة على بضع مناطق أو زحزحة خطوط التماس؛ بل إن جوهر القضية يكمن في التحول التدريجي لميزان القوى في جنوب شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
وإذا ما استمر هذا المنوال، فإن إحكام السيطرة على السواحل الغربية وبحر العرب والنقاط الاستراتيجية كجزيرة سقطرى، قد يدشّن حقبةً جديدةً من التنافس الجيوسياسي في المنطقة؛ حقبة لم تعد فيها السعودية تقارع فصيلاً يمنياً، بل تواجه لاعباً يزخر سجله بسنوات من الحرب والمقارعة مع القوى العظمى.
ولعل هذه هي الحقيقة الأبرز في المشهد اليمني اليوم؛ فالسعودية لم تعد تواجه يمنَ السنوات الأولى من الحرب؛ بل تقف وجهاً لوجه أمام يمنٍ صقلته الحرب، فصيّرته لاعباً أشدّ بأساً وأكثر تعقيداً.
