الوقت- أشعل قرار الحكومة السورية الانتقالية رفع أسعار المشتقات النفطية موجة احتجاجات غير مسبوقة اجتاحت مناطق سورية متعددة، من الحسكة ودير الزور والرقة شرقاً، مروراً بريف حلب شمالاً وريف دمشق، وصولاً إلى إدلب غرباً، إذ نزل السوريون إلى الشوارع للتنديد بقرار وزارة الطاقة رفع أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 25 و40 بالمئة، وسط مشاهد لحرق الإطارات ومحاولات قطع الطرق الرابطة بين المحافظات. وقد أربك القرار حركة المواصلات في العاصمة دمشق ذاتها، حيث امتنع غالبية سائقي سيارات الأجرة عن العمل احتجاجاً على عدم صدور أي تعليمات رسمية برفع تعرفة النقل بما يتناسب مع الزيادة الجديدة في أسعار الوقود، ما عكس حجم الفوضى والارتباك الذي أحدثه القرار في الحياة اليومية للمواطنين دون تمهيد كافٍ أو تدابير مصاحبة تخفف من وطأته. ويعكس هذا الاتساع الجغرافي السريع للاحتجاجات حجم التذمر الشعبي المتراكم من تدهور الأوضاع المعيشية في عموم البلاد.
أرقام صادمة تكشف حجم الزيادة الفعلية
تكشف الأرقام الدقيقة لهذه الزيادة حجم الصدمة التي تعرض لها المستهلك السوري، إذ ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة سورية جديدة، بزيادة تقارب 26 بالمئة، فيما قفز سعر بنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، بنسبة زيادة تصل إلى 28 بالمئة، أما المازوت فسجل الارتفاع الأكبر من بين جميع المشتقات، إذ قفز سعره من 125 إلى 175 ليرة للتر الواحد، بزيادة بلغت نحو 40 بالمئة. والأخطر من ذلك أن هذه الزيادة الأخيرة ليست الأولى من نوعها خلال فترة قصيرة، إذ يُظهر مقارنة الأسعار أن سعر المازوت في النشرة الجديدة بات أعلى بنحو 64 بالمئة عن مستواه في نهاية يونيو/حزيران الماضي، بينما ارتفع بنزين 95 بنسبة تقارب 50 بالمئة، وبنزين 90 بنسبة 48 بالمئة خلال الفترة ذاتها، وهو ما يعني أن المواطن السوري يواجه موجات متتالية من الزيادات المتسارعة خلال أشهر معدودة، لا صدمة سعرية واحدة معزولة يمكن التعامل معها واستيعابها بسهولة.
غضب شعبي يتجاوز حدود الوقود إلى أزمة معيشية شاملة
يكمن جوهر هذا الغضب الشعبي المتصاعد في أن أثر ارتفاع أسعار الوقود لا يقتصر على تكلفة التنقل وحدها، بل ينعكس مباشرة على أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية تقريباً، من تكاليف النقل والشحن إلى أسعار المواد الغذائية والخبز، في بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي المتراكم. وقد شهدت مناطق متعددة احتجاجات مصحوبة بمطالبات صريحة بخفض الأسعار ومراعاة الأوضاع المعيشية القاسية أصلاً لغالبية السوريين، بل وصلت حدة اليأس في بعض الحالات إلى محاولة شخص إشعال النار في نفسه في قرية الحردان شرقي الرقة احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات، في مؤشر مأساوي على حجم اليأس الذي بلغه بعض المواطنين. كما شهدت مدينة القورية بريف دير الزور احتجاجات موازية اعتراضاً على رفض بعض الصرافين ومحطات الوقود التعامل بالأوراق النقدية السورية القديمة، وهو ما يكشف أن الأزمة تتشابك مع مشكلات نقدية ومالية أعمق تتجاوز مجرد قرار رفع سعر مفرد.
اختبار مبكر لمصداقية الحكومة الانتقالية أمام الشارع
يحمل هذا التصعيد الاحتجاجي دلالة سياسية عميقة تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، إذ يمثل أحد أبرز الاختبارات الشعبية المبكرة لمصداقية الحكومة السورية الانتقالية في إدارة الملفات الحياتية اليومية للمواطنين، بعد أشهر من توليها السلطة عقب سقوط النظام السابق. فبينما تصر الحكومة على وصف الزيادة بأنها "إجراء مؤقت" مبرر باعتبارات اقتصادية موضوعية، يرى مراقبون، من بينهم أكاديميون سوريون، أن حجم التأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به هذه الاحتجاجات يعكس "أحقية المطالب" التي يرفعها المحتجون، لا مجرد رد فعل عابر أو مُحرَّض من أطراف خارجية كما قد تحاول بعض الجهات الرسمية تصويره. هذا التقاطع بين أزمة اقتصادية موضوعية وأزمة ثقة متنامية بين الحكومة والشارع يضع السلطة الانتقالية أمام معضلة حقيقية: كيف توازن بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي المكلف من جهة، وبين الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي والثقة الشعبية في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية من جهة أخرى؟
طريق طويل نحو الاستقرار الاقتصادي
في نهاية المطاف، تكشف هذه الاحتجاجات المتصاعدة أن التحديات التي تواجه سوريا اليوم لا تقتصر على الملفات الأمنية والسياسية والصراعات الإقليمية المحيطة بها، بل تمتد لتشمل أزمة اقتصادية معيشية خانقة تلامس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر وفوري. وإذا كانت الحكومة الانتقالية محقة في الإشارة إلى أن جذور الأزمة تعود جزئياً إلى اضطرابات عالمية خارجة عن سيطرتها، فإن ذلك لا يعفيها من مسؤولية معالجة الفجوة الإنتاجية الهيكلية التي تجعل الاقتصاد السوري عرضة بشكل دائم لمثل هذه الصدمات، ولا من ضرورة اتخاذ تدابير مصاحبة فعلية، كرفع تعرفة النقل بالتوازي مع رفع أسعار الوقود، تخفف من وطأة القرارات المفاجئة على المواطنين. ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تنجح الحكومة السورية المؤقتة في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على الشفافية والتواصل مع الشارع، أم أن تراكم مثل هذه القرارات المفاجئة سيستمر في تآكل رصيد الثقة الشعبية بها في مرحلة تأسيسية حرجة لا تحتمل مزيداً من الاهتزاز؟
