الوقت - مع دخول المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة شهرها السابع، استحالت الساحة البحرية إلى الحلبة الأهم لصراع الطرفين. وفي خضم هذه الأجواء، جاءت التصريحات الأخيرة للمسؤولين الإيرانيين بشأن اختبار صاروخ جديد مضاد للسفن، لتلفت الأنظار وتوجّه البوصلة نحو القدرات العسكرية الإيرانية في المجال البحري.
وعلى الرغم من شح التفاصيل الدقيقة، حتى الآن، حول اسم هذا الصاروخ وخصائصه، إلا أن الحديث عن إطلاقه على مقربة من القطع البحرية الأمريكية، قد فتح باب التكهنات على مصراعيه حول ماهية هذا السلاح الجديد وقدراته. وفي هذا الصدد، أدلى اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بتصريحات مساء الأحد قال فيها: “قبل 48 ساعة، اختبرنا للمرة الأولى صاروخاً إيرانياً مضاداً للمدمرات فوق بارجة أمريكية. لقد استحال هذا الصاروخ النوعي جحيماً مستعراً على الأمريكيين ودفعهم للفرار. إنها ضربة قاصمة لم تقوَ حتى القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) على كتمانها، لتشكل إنذاراً مدوياً للعدو بأن حصاره البحري هشّ وقابل للاختراق”.
ورغم أن اللواء رضائي لم يُفصح عن الخصائص الفنية لهذا الصاروخ، إلا أنه من خلال تجميع الخيوط والإشارات المطروحة، يمكن رسم صورة عامة للسلاح الذي خضع للاختبار. وتجدر الإشارة إلى أن إيران تُعد من الدول القلائل التي بلغت مصاف الدول المالكة لأسلحة عملياتية في مجال إنتاج الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، وتتمتع بخبرة واسعة في تصميم وتطوير هذا الطراز من الصواريخ.
وفي الوقت الراهن، تنفرد أمريكا وروسيا والصين بامتلاك منظومات “فرط صوتية” مضادة للسفن، وتتوج إيران كقوة رابعة في هذا الميدان. وتستند التصاميم الإيرانية المعهودة في هذا المضمار أساساً، إلى عائلة صواريخ “فاتح-110” التكتيكية. وقد أفادت بعض المصادر غير الرسمية بأن هذا الصاروخ ينتمي لفئة الصواريخ فرط الصوتية الموجهة، وأنه تم إطلاق ثلاثة منها للمرة الأولى صوب القطع البحرية الأمريكية، حيث انفجرت قبل بلوغ أهدافها. وعليه، فإن الغاية من هذا التحرك تجسدت في استعراض عضلات طهران وقدرتها على استهداف الأسطول الأمريكي، وتوجيه رسالة لا لبس فيها حول كفاءة قدراتها المضادة للسفن.
ومن منظور الخبراء العسكريين، إذا ما نجح هذا الصاروخ في تجاوز سرعة 5 ماخ، فإنه يُصنف ضمن عائلة صواريخ “خيبر شكن” و"فتاح" فرط الصوتية. غير أن التحديد الدقيق لطراز الصاروخ يبقى متعذراً في غياب المعلومات الرسمية أو الأدلة الفنية الدامغة. وأياً كان الأمر، يمكن اعتبار هذا الاختبار خطوةً حاسمةً في توجيه رسالة قوة، وترسيخ قوة الردع الإيرانية في مواجهة واشنطن، مما قد يُضاعف من تكلفة ومخاطر أي مغامرة عسكرية أمريكية محتملة في المستقبل.
وتُعد تصريحات محسن رضائي الأخيرة دليلاً آخر على التحول في هذه الرؤية. فقد أشار إلى تغير الاستراتيجية الإيرانية في ساحات الحرب والدبلوماسية ومواجهة الحصار، متحدثاً عن حزمة من الإجراءات التي تتضافر لترسم مشهداً مغايراً للنهج الدفاعي الإيراني. فمن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، إلى تنفيذ عمليات ضد قطعة بحرية أمريكية، ومن إعلان منطقة حظر في الخليج الفارسي وبحر عمان، وصولاً إلى تفعيل الممرات البرية وإرساء مسار متفق عليه مع عُمان؛ كلها معطيات تنضوي تحت لواء رسالة واحدة يمكن تحليلها كالتالي: إن إيران تسعى جاهدةً للإمساك بزمام المبادرة في مواجهة التهديدات، وهنا تتجلى الأهمية القصوى لمفهوم “الضربة الاستباقية”.
أصداء الجيل الجديد من الصواريخ الإيرانية
حظيت خطوة إزاحة الستار عن الجيل الجديد من الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن، والتي صرح مسؤولون أمنيون بأنها قادرة على قلب موازين ساحة المعركة، بصدى واسع في الأروقة الإعلامية الدولية. فقد أوردت وكالة “أسوشيتد برس” أن طهران، بكشفها عن هذا الصاروخ، تفصح عن عقيدة هجومية أكثر صرامةً، مفادها أن إيران لن تقف بعد اليوم مكتوفة الأيدي بانتظار الهجوم، بل قد تبادر بضربة استباقية لدرء التهديد. واعتبرت صحيفة “واشنطن بوست” أن النقطة الجوهرية في هذا الصاروخ، تكمن في تحول الموقف الإيراني من مربع الردع البحت إلى مربع المبادرة الاستباقية. ولم ترَ وكالة “رويترز” في الأمر مجرد استعراض تسلحي، بل وضعته في سياق المواجهة الإيرانية-الأمريكية في مضيق هرمز.
وعليه، فإن رسالة طهران الأبرز هي: إذا ما استمر الحصار والضغط الاقتصادي، فإنها ستصعد من قدراتها العسكرية ضد السفن الأمريكية والملاحة في الخليج الفارسي. ووصفت صحيفة “ميدل إيست آي” اختبار الصاروخ الجديد، بأنه جزء من فصل جديد لتصعيد المواجهة بين طهران وواشنطن في مياه الخليج الفارسي.
رسالة الصاروخ المضاد للسفن إلى واشنطن
ولما كانت هذه الصواريخ قد أُطلقت في ذروة احتدام المواجهة بين طهران وواشنطن في مضيق هرمز، فإن هذه الخطوة حملت في طياتها رسائل ثقيلة للطرف الآخر. فبهذه المفاجأة المدوية، توجّه إيران إنذاراً مباشراً لـ “ترامب” بأن كافة السفن الحربية الأمريكية باتت في مرمى النيران. ويرى المحللون أن هذا الهجوم الإيراني حمل تحذيراً بالغ الأهمية: إن أي اعتداء على السفن الإيرانية، سيُقابل بوابل من الهجمات على السفن المرتبطة بالدول المنخرطة في العدوان المناهض لإيران. وهو ما ذکره صراحةً محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان في إيران، حين أعلن أن سياسة إيران قد ارتقت من الرد “المتناسب” إلى الرد “الثقيل والموجع”.
وبناءً عليه، ترسل إيران عبر هذه الضربة الصاروخية رسالةً مفادها أن النهج الهجومي قد وُضع على رأس جدول أعمالها، وأن طهران هي من سيحدد زمان ومكان المواجهة القادمة. بعبارة أخرى، ينتقل النهج الإيراني من مجرد رد الفعل عقب الهجوم، إلى الإمساك بزمام المبادرة والتصدي الاستباقي للتهديدات.
تحديث التكتيكات العسكرية
يمكن قراءة الكشف عن الصاروخ الجديد كجزء من عملية تحديث للتكتيكات والأساليب القتالية الإيرانية استناداً لدروس “حرب الـ 40 يوماً”؛ وهو التغيير الذي تجلى بوضوح في الضربات الصاروخية التي استهدفت المواقع الأمريكية في المنطقة. ولعل الهجوم الذي طال قاعدة “موفق السلطي” في الأردن قبل شهرين يمثّل نموذجاً صارخاً لهذه التحولات، حيث تمكنت إيران -بواسطة الصواريخ الباليستية واختراق الطبقات الدفاعية- من إلحاق أضرار فادحة بالمواقع الأمريكية، وهو ما أقرّ به المسؤولون والمحللون الأمريكيون معترفين بالقوة الصاروخية الإيرانية.
وعليه، يمثّل الكشف عن الصاروخ الجديد امتداداً لمسار مواءمة السلاح والتكتيك مع مكامن ضعف العدو وقوته، واستخلاصاً للتجارب الميدانية من أتون حرب الـ 40 يوماً. من جهة أخرى، يجسّد الكشف عن هذا الصاروخ دليلاً على ديمومة القدرات الذاتية والبنية التحتية الإيرانية في تصميم وإنتاج الأسلحة، لا سيما الصاروخية منها، حتى في أحلك ظروف الحرب والحصار والعقوبات.
إن هذا التحديث والارتقاء الكمي والنوعي في الإنتاج الصاروخي، بما يتناغم مع احتياجات القوات المسلحة، يبرهن على أن البنية التحتية للصناعات العسكرية الإيرانية -خاصةً في قطاعي الصواريخ والطائرات المسيرة- تتمتع بصلابة استراتيجية، وما زالت تمضي قُدماً في مسار التطور. وبالتالي، فإن إزاحة الستار عن هذا الصاروخ يضرب بعرض الحائط المزاعم المتكررة لـ “دونالد ترامب” بشأن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية.
الأسطول البحري لواشنطن في مرمى الصواريخ الإيرانية
غير أن الرسالة والغاية الجوهرية من استعراض الصاروخ الباليستي الجديد في الظرف الراهن، تتعلق بخلق تهديد حقيقي للسفن الأمريكية المنخرطة في الحصار البحري، ولا سيما حاملات الطائرات التي تمركزت على مسافة نائية من مسرح العمليات خارج بحر عمان، والتي أخذت على عاتقها أداء دور القاعدة العملياتية الرئيسية للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إثر انهيار القدرات العسكرية الأمريكية في الدول العربية. ولطالما استُخدمت الصواريخ الإيرانية في الغالب لضرب أهداف برية، لكن تمدد هذه القدرات اليوم لتشمل الحيز البحري، من شأنه أن يسدّ بعض الفجوات السابقة في هذا المجال.
وبناءً عليه، فإن نقل ونشر جزء من القوات البحرية الأمريكية في المحيط الهندي وبحر عمان لا يعني البتة توفير ملاذ آمن لسفن واشنطن وبوارجها، إذ إن الصواريخ المضادة للسفن قادرة على تشكيل تهديد يتجاوز حدود الخليج الفارسي. وقد أكدت التقارير الأخيرة حول الهجمات الصاروخية الإيرانية على السفن الأمريكية مدى خطورة هذا التهديد، ومعضلة تأمين الحماية للقطع البحرية لواشنطن في مياه المنطقة. لذلك، ومع تعمق هوة التوتر في مضيق هرمز، بات الأسطول البحري الأمريكي عُرضةً لخطر الصواريخ الإيرانية أكثر من أي وقت مضى، مما يضاعف من خطر توجيه ضربة قاصمة للكبرياء العسكري الأمريكي.
وبما أن رقعة المواجهة بين إيران وأمريكا قد اتسعت في هذه الأيام لتشمل الساحتين البحرية والاقتصادية بشكل رئيسي، فإنه في حال تصاعدت وتيرة التوتر، فإن كسر الحصار البحري لتخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية، قد يغدو أحد السيناريوهات المطروحة بقوة على طاولة طهران. وهو ما لوّح به محمد باقر قاليباف مؤخراً محذراً: “إن أمعن العدو في حصاره، فسيكون ردنا عسكرياً وحتمياً”. كما هدّد محسن رضائي في تصريحاته بأنه في حال استمرار الأعمال العدائية، يمكن لإيران الرد على الحرب الاقتصادية بفرض “منطقة حظر بحري” تمتد عبر الخليج الفارسي بأسره وصولاً إلى حدود الحصار. وتعكس هذه المواقف سعي طهران الحثيث لرفع فاتورة الحصار على الطرف الآخر، وتحويل معادلة الضغط الاقتصادي إلى مواجهة بحرية متبادلة.
سيطرة تامة على مضيق هرمز
والأهم من ذلك كله، أن امتلاك إيران لصاروخ مضاد للسفن يبرهن على أن قدرتها على إحكام السيطرة وتقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز قد تعززت أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في ظل إصرار إيران على منع أي صادرات نفطية تمر دون تصريح من قواتها المسلحة. ورغم ادعاءات ترامب بأن الجيش الأمريكي يبسط سيطرته على مضيق هرمز، فإن الوقائع الميدانية تدحض ذلك وتؤكد أن زمام المبادرة لا يزال راسخاً في قبضة القوات المسلحة الإيرانية.
وقد أفادت وكالة رويترز بأنه عقب التهديدات الإيرانية الأخيرة بفرض منطقة حظر بحري، تراجعت حركة السفن بشدة في مضيق هرمز، ولامس سعر برميل النفط عتبة الـ 100 دولار بعد أشهر من التذبذب. وعليه، فإن الكشف عن هذا الصاروخ يحمل رسالةً جليةً للسفن وناقلات النفط بأن أي عبور يتجاهل الآليات التي أعلنتها إيران، قد يواجه برد عسكري من طهران.
وبهذا المعنى، فإن معادلة الصراع الإيراني-الأمريكي، عقب الكشف عن الصاروخ الجديد وعطفاً على استخدام صاروخ “فجر 5” القادر على أداء مهام التلغيم البحري، مرشحة لدخول مرحلة جديدة ومفصلية. إن التناغم بين القدرة الصاروخية وإمكانية زرع العوائق والتهديدات البحرية، يوسع مروحة أدوات إيران لمقارعة الأسطول الأمريكي، ويضيق الخناق على حرية عمل القوات الأمريكية في الخليج الفارسي وبحر عمان، لتتمكن طهران من بسط هيمنتها على رقعة شاسعة من مياه الخليج الفارسي. وفي ظل هذه المعطيات، لا تواجه السفن الأمريكية خطر الصواريخ فحسب، بل يتحتم عليها إدراج احتمالية وجود عوائق وتهديدات تحت مائية ضمن حساباتها العملياتية. ومن هذا المنطلق، فإن تضافر هذه القدرات من شأنه أن يرفع من كلفة الوجود العسكري الأمريكي، ويميل بكفة الميزان البحري لصالح طهران إلى حد بعيد.
وختاماً، يثبت المنجز الصاروخي الإيراني الجديد أن حاملات الطائرات باتت مكشوفةً وهشةً أمام الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، وهي قدرة من شأنها أن تضع أمريكا أمام تحديات جسيمة في مواجهة تهديدات مماثلة من قِبل غريماتها كالصين.
