الوقت - في ظل حالة الهدنة غير الرسمية، واستمرار دوامة “اللا حرب واللا سلم” الراهنة، استحالت قضية المخزونات التسليحية لتغدو في طليعة المباحث التي تستقطب أنظار المحللين العسكريين.
وفي حين طرح البنتاغون، متأثراً بهذا المناخ، خططاً استثنائيةً لرفع وتيرة الإنتاج لدى شركات تصنيع السلاح، لم يقف الإيرانيون في المقلب الآخر مكتوفي الأيدي؛ إذ تنكبّ القوات المسلحة الإيرانية بخطىً متسارعة على تطوير وإنتاج أسلحة حديثة. وهي أسلحةٌ تؤكد القيادات العسكرية العليا أنها، في حال كرّر العدو مغامراته الطائشة، كفيلةٌ بقلب معادلات الميدان رأساً على عقب، وتحمل في طياتها مفاجآت غير مسبوقة للمعتدين.
وفي هذا السياق، صرح العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري في إيران، متحدثاً عن القدرات التسليحية الإيرانية وتعزيز الرؤوس الحربية للصواريخ إبان ما بعد الحربين المفروضتين الثانية والثالثة، قائلاً: “إننا نحقق تقدماً يوماً بعد يوم في مجال كافة الأسلحة القتالية، ونصنّع أسلحتنا لتكون أشدّ دقةً، وأعظم تدميراً، وأكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية”.
وأردف العميد محبي قائلاً: “لو اندلعت حربٌ أخرى، فإن أسلحتنا ستكون حتماً مغايرةً لما كانت عليه في الماضي. وهذا التباين قد يتجلى في جيل الرؤوس الحربية، أو دقة الإصابة، أو مديات الصواريخ، أو في أي مجال آخر”. وأكد المتحدث باسم الحرس الثوري أن عجلة الإنتاج والتطوير التسليحي في إيران لم تتوقف يوماً، مشدداً على أن “الصواريخ الإيرانية تتمتع بقدرات توجيه ومناورة تمكّنها من تغيير مسار تحليقها لاختراق المنظومات الدفاعية والانقضاض على أهداف ثانوية (بديلة)”.
بالتزامن مع ذلك، أكد العميد رضا طلائي نيك، المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، في معرض حديثه عن إنتاج أسلحة جديدة تحسباً لأي مواجهة مستقبلية، قائلاً: “لقد تضاعف حجم إنتاجنا من الأسلحة والمعدات الدفاعية في البلاد خلال العام المنصرم بمقدار مرتين. ومنذ انطلاق شرارة الحرب المفروضة الثالثة، لم تتوقف وتيرة إنتاج المنظومات الدفاعية فحسب، بل إن إنتاج بعض المنتجات الاستراتيجية والمعدات ذات الأولوية لسدّ احتياجات الجبهة، قد ارتفع بما يتجاوز ثلاثة أضعاف معدل الإنتاج الاعتيادي”.
وحول أسباب الإحجام عن إزاحة الستار عن الأسلحة الجديدة في هذه الظروف، أوضح طلائي نيك: “إن درء مكامن الضعف ومباغتة العدو يقتضيان صيانة وحجب المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة، والصناعات الدفاعية، وحلقة الدعم الدفاعي، إلى أقصى حد ممكن”.
وشدّد المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية على أن التوقف عن كشف الأسلحة لا ينمّ قط عن توقف مسيرة تطوير التسليح والتجهيز، منوهاً إلى أن “قادتنا يتمتعون بإشراف تام، وهم على دراية دقيقة بكافة أبعاد عمليات إنتاج وتحديث الأسلحة والمعدات، بما يشمل الصواريخ الباليستية، وصواريخ الكروز، والطائرات المسيرة، ومختلف المنظومات الدفاعية وغيرها من العتاد الذي تحتاجه القوات المسلحة”.
أسلحةٌ جديدة في طريقها إلى الميدان
وخلال الأسابيع الأخيرة، جرى الزجّ بجزء من المنظومات والأسلحة المستحدثة، التي أفرزتها قطاعات الصناعة الدفاعية في إيران، في أتون ساحات المعارك.
وكانت الضربة التي استهدفت قاعدة “موفق السلطي” في الأردن الشهر المنصرم، من بين الشواهد التي استعرضت جزءاً من القدرات الصاروخية الإيرانية المستحدثة، ولفتت أنظار الدوائر السياسية والأمنية الأمريكية إلى القدرات المتنامية التي تختزنها الترسانة الصاروخية لطهران.
فبعد أن تجرّعت أمريكا ضربات موجعة على يد القوات المسلحة الإيرانية في مياه الخليج الفارسي، سعت، عبر نقل جزء من قواتها وعتادها وطائراتها العسكرية إلى القواعد الأردنية، لزيادة مسافة التماس العملياتي مع إيران، راميةً من وراء ذلك إلى تعزيز فرص اعتراض الصواريخ وتقليص حجم الانكشاف الأمني لقواتها. غير أن دكّ الصواريخ الباليستية الإيرانية للعمق الاستراتيجي في الأردن -على الرغم من المظلة الرادارية المزدوجة والممتدة من داخل الأراضي المحتلة- وما أسفر عنه من خسائر فادحة وإصابات في صفوف القوات الأمريكية، قد نسف هذه الفرضية من جذورها.
وعقب تلك الضربات الإيرانية القاصمة، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن إيران قد طوّرت من أساليبها لاختراق منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية، وأنها استخدمت في هجماتها صواريخ تحلّق بسرعات فائقة للغاية.
ويُعد هذا التحول مؤشراً جلياً على تنامي دقة الصواريخ الإيرانية، وقدرتها التوجيهية، وكفاءتها العملياتية مقارنةً بحقبة الماضي. وهو ما ينذر بأنه، في حال نشوب أي اشتباك محتمل، ستكون القوات المسلحة الإيرانية، متكئةً على هذا الجيل الجديد من عتادها العسكري، قادرةً على استهداف المصالح والمواقع الأمريكية في شتى بقاع المنطقة بضرباتٍ أشدّ دقةً وأحكم توجيهاً.
استعراضٌ للقوة على شتى الأصعدة
إن تطوير الجيل الجديد من الترسانة الإيرانية، لاسيما في مجالات الرؤوس الحربية، وأوزانها، ودقة إصابتها، ومديات الصواريخ، يُمثّل -كما أكدت القيادات الأمنية- ركائز جوهرية تلقي بظلالها المباشرة على قوة الردع والقدرة الضاربة للبلاد في مواجهة الخصوم.
فتعاظم دقة الصواريخ يعني، في جوهره، تجاوز عقيدة “الهجمات الكثيفة” والانتقال نحو استراتيجية “الضربات الدقيقة”. فالصاروخ الذي يتمتع بقدرات توجيه عالية ودقة متناهية، بمقدوره تحقيق تأثير أعمق بعدد أقلّ من الرشقات، مما يضاعف العبء على المنظومات الدفاعية للخصم، وهو واقعٌ تجلّى بوضوح في الهجوم الذي استهدف الأردن.
وفي هذا الصدد، أورد موقع “WANA” عقب الهجوم على الأردن: “إن هذه التحولات تتجاوز مجرد تعاظم القوة النارية؛ لتشمل دقةً أعلى في الضربات، واختراقاً أمضى للدفاعات الجوية، وتوظيفاً آنياً للقدرات الاستخباراتية، فضلاً عن تركيز أوسع على شلّ عصب اللوجستيات العسكرية. وهو ما قد يشي بنشر منظومات صاروخية أحدث، أو تحديث الترسانات القائمة، أو طفرة نوعية في تكنولوجيا التوجيه والتصويب. إن الدقة المتناهية تتيح اقتناص الأصول العسكرية الحيوية بأقل عدد من الأسلحة، وتزيد في الوقت عينه من إنهاك المنظومات الدفاعية”.
وإلى جانب تطوير دقة “الإصابة النقطوية”، فإن ترقية الرؤوس الحربية للصواريخ من شأنها أن تقلب معادلة الميدان رأساً على عقب. فمضاعفة القدرة التدميرية، وتحسين أوزان وتصاميم تلك الرؤوس، يعظّمان من حجم الخسائر الناجمة عن كل إصابة، ويرفعان من منسوب الفاعلية للضربات الصاروخية الإيرانية.
كما أن زيادة مديات الصواريخ، حال وضعها موضع التنفيذ العملياتي، ستوسّع الرقعة الجغرافية للأهداف المحتملة، وتتيح إمكانية دكّ أهداف على مسافات أبعد. وحين يمتزج المدى الأطول بالدقة الأعلى ومنظومات التوجيه الأكثر تطوراً، فإن قدرة إيران على تشكيل تهديد داهم للأهداف العسكرية الأمريكية، ستتسع لتشمل رقعةً أرحب من المنطقة.
وما التقرير الأخير لصحيفة “فايننشال تايمز” -نقلاً عن مصادر إيرانية- حول تدارس خيار استهداف المصالح والأصول الأمريكية في أوروبا، ولا سيما في قبرص وبلغاريا حال تجدد الحرب، إلا دليل ساطع على أن المدى الصاروخي الإيراني يتجاوز حدود غرب آسيا، وبمقدوره، إن اتسعت رقعة الصراع، أن يكبّد واشنطن أثماناً باهظةً خارج حدود المنطقة أيضاً.
تعاظم القدرات الكمية للترسانة العسكرية
وبموازاة الارتقاء النوعي، تبرز الأهمية الاستراتيجية لمضاعفة طاقة الإنتاج التسليحي. فالقفزة الكبيرة في إنتاج بعض العتاد الاستراتيجي إبان الحرب، كما صرحت القيادات الدفاعية الإيرانية، تعكس سعي طهران الحثيث لتعزيز بنيتها الصناعية وإسنادها العسكري بما يتناغم مع استحقاقات أي صراع طويل الأمد.
وتلعب هذه الطاقة الإنتاجية، في حال اندلاع حرب استنزاف، دوراً محورياً في تعويض الأسلحة المستهلكة وضمان ديمومة العمليات القتالية. ومن هنا، فإن تزاوج الجودة التسليحية العالية مع غزارة الإنتاج، من شأنه أن يزيد من تعقيد حسابات “التكلفة والفائدة” لدى الخصم في أي مواجهة مستقبلية.
من جهة أخرى، فإن قدرة الصواريخ الجديدة على تغيير مسار تحليقها والتملص من الدفاعات الجوية، ستجعل من التنبؤ بمسار الصاروخ واحتساب نقطة سقوطه أمراً بالغ التعقيد للمنظومات الدفاعية، مما يقلص من زمن الاستجابة لديها؛ وهي حقيقة تجلّت صورتها بوضوح في إخفاق منظومتي “باتريوت” و"ثاد" في الأردن.
وقد بلغ الأمر حداً أشارت فيه التقييمات الحديثة للجيش الأمريكي إلى أن الصواريخ الإيرانية باتت تمتلك قدرة مناورة فائقة في مراحل تحليقها النهائية، مما يجعل اعتراضها عصياً حتى على المنظومات المتطورة كـ “باتريوت”.
وفي هذا السياق، قال مسؤولون أمريكيون لصحيفة “وول ستريت جورنال” بأن كثافة الهجمات وما تمخض عنها من خسائر، تُبرهن على أن القوات الإيرانية ما زالت تكتنز ترسانةً ضخمةً من الصواريخ، وأنها طوّرت مهارةً استثنائيةً في اختراق شباك الدفاعات الجوية الأمريكية.
وتتضاعف أهمية هذه القدرة العالية على المناورة للصواريخ الإيرانية، في وقتٍ استُنفد فيه نحو 80% من الصواريخ الاعتراضية لمنظومة “ثاد” خلال الحرب الأخيرة -وفقاً لشبكة سي إن إن-، وهو ما يتطلب زمناً طويلاً لتعويض هذا النقص، مما قد يوسّع من دائرة الانكشاف الأمني لواشنطن في أي صراع قادم.
وإن تحذيرات القيادات السياسية والأمنية الإيرانية المتكررة بأن أي تحرك عسكري من قِبل واشنطن سيُقابل بردٍ متكافئ وبنفس المستوى، قد تكون دليلاً دامغاً على مدى ثقة طهران بقدراتها الصاروخية والتسليحية المستحدثة.
في المحصلة، فإن الرسالة الجوهرية للقيادات الأمنية الإيرانية تفيد بأنه، في أي حرب محتملة، ستكون واشنطن وجهاً لوجه أمام ترسانةٍ مغايرةٍ لما عهدته سابقاً. ترسانةٌ تمتزج فيها المديات الأطول، والدقة المتناهية، والقدرة الفائقة على المناورة، مع القوة التدميرية العاتية والطاقة الإنتاجية الواسعة؛ وهو مزيجٌ كفيلٌ باستنزاف الآلة الدفاعية الأمريكية، ومضاعفة فاتورة ومخاطر تواجدها العسكري في المنطقة.
