الوقت - أُعلن عن استقالة المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بينما صرّح الرئيس الأمريكي بأن السبب الرسمي لهذا القرار هو رغبتها في تكريس المزيد من الوقت لعائلتها وأطفالها الصغار. كما أكدت ليفيت في بيانها عند إعلان استقالتها على صعوبة التوفيق بين الحياة الأسرية وواحدة من أكثر الوظائف السياسية إرهاقًا في واشنطن. وأشاد ترامب بأدائها، وأعلن أن ليفيت ستساعد حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA) السياسية كمستشارة خارجية بعد مغادرتها البيت الأبيض.
مع ذلك، في الأيام التي تلت إعلان الاستقالة، نُشرت تقارير تشير إلى أن أسباب هذا الانفصال قد تتجاوز المسألة الأسرية. ووفقًا لصحيفة "ديلي بيست"، يعتبر بعض المحللين ومصادر مطلعة على أجواء البيت الأبيض أن سلوك ترامب الأكثر صرامة وضغوطه المتزايدة من العوامل المؤثرة في قرار ليفيت. بحسب التقرير، كانت علاقات ليفيت المهنية وتفاعلاتها مع الرئيس مصدرًا للضغط النفسي عليها، حتى خلال إجازة الأمومة، وازداد هذا الضغط منذ عودتها إلى البيت الأبيض.
سلوك ترامب؛ مزيد من الضغط على المتحدثة الرسمية
خلال فترة عملها التي امتدت قرابة عشرين شهرًا في البيت الأبيض، كانت ليفيت من أشد المدافعين عن ترامب، حيث تصدت مرارًا وتكرارًا لانتقادات وسائل الإعلام الموجهة للرئيس. دافعت ليفيت عن مواقف ترامب في قضايا متنوعة، بدءًا من الحرب الإيرانية وصولًا إلى خلافاته مع وسائل الإعلام والتحقيقات القضائية. على سبيل المثال، بعد استقالة جو كينت، كبير مسؤولي مكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، رفضت ليفيت علنًا مزاعمه بعدم وجود تهديد مباشر من إيران، ووصفت قرار ترامب بالهجوم بأنه يستند إلى معلومات استخباراتية "قوية ومقنعة".
لكن الدفاع عن ترامب ربما أصبح عبئًا على ليفيت في الأشهر الأخيرة من ولايتها. يصف تقرير صحيفة "ديلي بيست" البيت الأبيض بأنه بيئة متوترة، مشيرًا إلى أن سلوك ترامب مع بعض كبار الموظفين قد زاد من الضغط النفسي عليهم.
من جهة أخرى، تمثلت المشكلة الرئيسية التي واجهها ليفيت في ضرورة قدرة المتحدث الرئاسي على نقل مواقف البيت الأبيض إلى وسائل الإعلام؛ إلا أن ترامب لجأ بشكل متزايد إلى قنواته الشخصية، بما في ذلك هاتفه الشخصي وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، للإعلان عن رسائل سياسية وأخرى تتعلق بالسياسة الخارجية.
وقد تجلى هذا الوضع بوضوح خلال الحرب الإيرانية. إذ ذكر تقرير صحيفة "ديلي بيست" أن ترامب، من خلال اتصاله المباشر بالصحفيين، أصدر أحيانًا تصريحات متناقضة بشأن الحرب، مما أجبر فريق الاتصالات في البيت الأبيض، بمن فيهم ليفيت ومدير الاتصالات ستيفن تشيونغ، على إدارة رسائل الرئيس وتوضيحها.
وقد صعّب هذا الوضع مهمة المتحدث الرئاسي عمليًا: إذ كان على ليفيت الدفاع عن سياسات ترامب، بينما كان الرئيس نفسه يُعلن أحيانًا عن مواقف جديدة قبل فريق الاتصالات في البيت الأبيض، أو يُسرب معلومات لم يكن المتحدث على علم بها.
مخاوف بشأن "موسم التحقيقات"
ومن بين المواضيع الأخرى التي أثيرت في تقارير غير رسمية، المخاوف بشأن موجة التحقيقات والاستدعاءات المتوقعة في الأشهر المقبلة. ذكرت صحيفة "ديلي بيست" أنه مع استمرار التحقيقات المختلفة، واحتمالية فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، قد يواجه البيت الأبيض موجة جديدة من أوامر الاستدعاء وطلبات الوثائق والتحقيقات البرلمانية. قد يكون لهذا الوضع عواقب وخيمة، قانونيًا وسياسيًا، على المسؤولين الذين كانوا في طليعة المدافعين الإعلاميين عن الإدارة.
يجب النظر إلى هذا القلق في سياق أوسع لإدارة ترامب، التي تورطت في تحقيقات وجدالات عديدة خلال الأشهر الأخيرة. فعلى سبيل المثال، استخدمت وزارة العدل طيفًا واسعًا من الأدوات القضائية في قضايا تراوحت بين استدعاء الصحفيين والتحقيقات مع مسؤولين سابقين ووكالات فيدرالية.
في ظل هذه الظروف، لا يقتصر البقاء في البيت الأبيض على كونه عبئًا سياسيًا على بعض المسؤولين فحسب، بل يعني أيضًا التعرض لمزيد من الأسئلة والتحقيقات وأوامر الاستدعاء.
لماذا الآن؟
يُعدّ توقيت استقالة ليفيت جديرًا بالملاحظة أيضًا. من المقرر أن تغادر البيت الأبيض في نهاية أغسطس/آب، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حيث سيزداد الضغط السياسي على إدارة ترامب. وقد صرّح ترامب بأن ليفيت سيواصل تقديم الدعم له كمستشارة خارجية وشخصية جمهورية مؤثرة؛ لذا فإن رحيلها لا يعني بالضرورة ابتعاده عن ترامب.
في الواقع، يمكن النظر إلى روايتين في آن واحد: الرواية الرسمية تُقدّم عائلة ليفيت وأطفالها الصغار كسبب رئيسي للرحيل؛ أما الرواية غير الرسمية فتتحدث عن تزايد الضغوط من ترامب، وبيئة العمل المرهقة، والمخاوف من دخول البيت الأبيض مرحلة من التحقيقات السياسية والقانونية والاستدعاءات.
في هذا السياق، يمكن اعتبار استقالة ليفيت مؤشراً على تزايد الضغط على الدائرة المقربة من ترامب، وهي دائرة ستواجه تحديات الحرب والانتخابات والتحقيقات البرلمانية والعديد من النزاعات القانونية في الأشهر المقبلة.
