الوقت -كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، اليوم الأحد، عن تحول خطير في ميدان الضفة الغربية، حيث بات مستوطنون ضمن "وحدات الدفاع الإقليمي" التابعة للجيش الإسرائيلي يتصرفون كقوة مستقلة تفرض نفوذها ميدانياً، فيما تسعى القيادات العسكرية إلى استرضائهم على حساب تنفيذ الأوامر وحماية الفلسطينيين.
"أصحاب الكلمة في الميدان".. مستوطنون يتحدون الجيش
نقلت "هآرتس" عن جنود خدموا في الضفة قولهم إن المستوطنين المنضوين في منظومة الدفاع الإقليمي، رغم تبعيتهم الرسمية للجيش، "أصبحوا أصحاب الكلمة في الميدان".
وروى ضابط احتياط، رمزت إليه الصحيفة بالحرف "ج"، وكان يقود فصيلة في جنوب جبل الخليل عام 2024، أن مستوطنين يقيمون في مزرعة قرب موقع للجيش كانوا يقتحمون مراراً منازل عائلات فلسطينية في القرى المحيطة. وقال: "كانوا يدخلون ويجلسون في غرف المعيشة ويحدثون الفوضى".
وأضاف الضابط أنه توجه مع جنوده إلى أحد المنازل بعد تلقي بلاغ من عائلة فلسطينية، وعندما طالب المستوطنين بالمغادرة أطلقوا كلباً عليه حاول عضه. وهدده شخص قال إنه عضو في وحدة الدفاع الإقليمي ومالك المزرعة، بأنه إذا قدم شكوى إلى قادته، فسيدّعي المستوطنون أنه تحرش بهم جنسياً.
ورغم توثيق الحادثة بكاميرا جسده، لم يتلق الضابط دعماً من القيادة العليا. بل على العكس، "في اليوم التالي، اتصل قائد اللواء بالمستوطن المذكور من أجل استرضائه، أما معي فلم يكن مستعداً للحديث". ونظم قائد السرية وقائد الكتيبة لاحقاً جلسة مصالحة، بحجة أن أفراد الدفاع الإقليمي "يقومون بعمل مقدس".
قوة موازية تعمل خارج السلطة
شهادات قادة وجنود آخرين خدموا في الضفة منذ 7 أكتوبر 2023 تشير إلى تداخل متزايد بين الجيش ووحدات الدفاع الإقليمي التي تضم مستوطنين جرى تجنيدهم في قوات الاحتياط. وبحسب الشهادات، التي أدلى بها بعضهم لمنظمة "كسر الصمت" الحقوقية، فإن أفراد تلك الوحدات "يسمحون لأنفسهم بالتصرف كقوة مستقلة"، أحياناً برفقة مستوطنين مدنيين.
وقال قائد احتياط آخر رمزت إليه الصحيفة بالحرف "د": "نحن لا نحبط الإرهاب. هذا هراء. خلال كامل فترة خدمتنا في هذا القطاع، ربما نفذنا اعتقالين فقط لأشخاص صُنّفوا على أنهم نشطاء مرتبطون بحماس في الخليل. أما بقية الوقت فكان مكرساً لمواجهة يهود يبحثون عن الاستفزازات".
وتابع: "نقضي اليوم كله في الركض خلف المستوطنين من حادث إلى آخر، وهم لا يعيروننا أي اهتمام، يرون فيك خادماً، وكأنهم يتفضلون عليك لأنهم يسمحون لك بحمايتهم".
5500 مستوطن مسلح.. وجرائم بغطاء عسكري
عقب 7 أكتوبر 2023، جند الجيش الإسرائيلي نحو 5 آلاف و500 مستوطن في الضفة الغربية ضمن كتائب الدفاع الإقليمي، للخدمة في قوات الاحتياط داخل المستوطنات وبالقرب من القرى الفلسطينية.
وسرعان ما وثقت شهادات عدة تورط أفراد من هذه الوحدات في أعمال عنف وتهديد وتخريب ممتلكات فلسطينية. وبحسب الصحيفة، قتل 3 فلسطينيين بالرصاص في حادثتين تورط فيهما مستوطنون من كتائب الدفاع الإقليمي خلال مارس 2026، قبل أن يقتل أحد أفراد هذه الوحدات فلسطينياً في قرية دير جرير قرب رام الله في أبريل 2026. وفي مايو 2026، أطلق جندي من الدفاع الإقليمي النار عشوائياً على منازل فلسطينية في مخيم العروب، فيما أفادت شهادات بأنه كان مخموراً.
وبحسب تحقيق لصحيفة "غارديان" البريطانية، فإن وحدات المستوطنين -المعروفة بوحدات الدفاع الإقليمي "هاغمار"- تصعّد التهجير العنيف ضد الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، وتعمل كمليشيات يقظة مع رقابة محدودة على استخدام القوة. ونقلت الصحيفة عن جندي احتياط قوله: "وحدات هاغمار مليشيات مسلحة تفعل ما تشاء... القيادة العليا تغض الطرف عندما تقع حوادث. إنهم لا يستجيبون لأي أوامر".
إفلات من العقاب وتداعيات واسعة
رغم أن أوامر الجيش الإسرائيلي تضع وحدات الدفاع الإقليمي تحت قيادة الكتائب والألوية العاملة في مناطق انتشارها، كشفت شهادات الجنود عدم امتثال أفراد منها في حالات عدة لسلطة القيادة العسكرية.
وحذرت منظمة "كسر الصمت" من أن نظام "هاغمار" أدى إلى "إدماج أيديولوجيا المستوطنين العنيفة داخل الجيش الإسرائيلي نفسه"، ومنحهم صلاحيات عسكرية كاملة لتنفيذها. كما حذرت الأمم المتحدة من أن ظاهرة "المستوطنين/الجنود" تسهم في طمس الخط الفاصل بين عنف الدولة وعنف المستوطنين، وتعزز الإفلات من العقاب.
ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، نفذ المستوطنون نحو 12 ألفاً و500 اعتداء في الضفة الغربية، أسفرت عن استشهاد 82 فلسطينياً وإشعال 890 حريقاً وإقامة 200 بؤرة استيطانية، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية. وتصاعدت اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1182 فلسطينياً وإصابة نحو 13 ألفاً واعتقال 24 ألفاً و600 آخرين، وفق معطيات فلسطينية رسمية.
