الوقت - رغم انقضاء أكثر من ثلاثة أشهر على تنصيب “علي الزيدي” رئيساً لمجلس الوزراء العراقي وتشكيل الحكومة الجديدة، لا يزال الغموض يكتنف مصير بعض من أهم أروقة الوزارات، وتتأرجح خطط الحكومة المستقبلية بشأنها في مهبّ الضبابية واللايقين.
يأتي هذا في وقتٍ يرزح فيه العراق تحت وطأة توترات إقليمية عاصفة، وتتكالب عليه الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية. وفي خضم هذه الأجواء، ينبري “الإطار التنسيقي الشيعي” - بوصفه الكتلة البرلمانية الكبرى - لنسج خيوط التواصل والتنسيق بين الفرقاء السياسيين، بحثاً عن طوق نجاة لإدارة هذه المعضلات وكبح جماح الأزمات قبل تفاقمها.
وفي هذا السِّياق، أماط “عدي عبد الهادي”، القيادي في الإطار التنسيقي، اللثام مؤخراً عن عزم الإطار حسم مصير الحقائب الشاغرة في حكومة الزيدي، مُعلناً أن “قوى هذا التحالف السياسي ستلتئم في اجتماع يوم الخميس (15 آب) لبحث خمسة ملفات مفصلية”. وهو الاجتماع الذي يبدو أن رياح التأجيل قد عصفت به إلى موعد لاحق.
ومع ذلك، صرّح عبد الهادي لوكالة “المعلومة” حول أجندة الاجتماع المُرتقب قائلاً: “إن على رأس أولويات المباحثات القادمة سبر أغوار تحديات المرحلة الراهنة، وتقييم تدابير الحكومة لدرء غائلة الأزمة المالية، فضلاً عن تتويج مساعي استكمال التشكيلة الحكومية”.
وأردف عبد الهادي مبيّناً: “قد يُتمخض هذا اللقاء عن توافق يمهّد الطريق لطيّ الصفحة الأخيرة من تشكيل الحكومة، لا سيما وأن التصويت على مرشحي الوزارات المتبقية يحظى بأهمية بالغة. وهناك إجماع راسخ بين قوى الإطار التنسيقي على الدفع بعجلة هذه المرحلة نحو الأمام، وحسمها تحت قبة البرلمان عبر مدّ جسور التواصل مع سائر القوى السياسية. إن هذا الاجتماع يحمل في طياته أهميةً قصوى بالنظر إلى ما سيفرزه من مخرجات حيال القضايا المطروحة”.
وفي ذات المنحى، عاد عبد الهادي يوم الجمعة ليؤكد في تصريحاته انطلاق حوارات سياسية مكثفة في بغداد، بمشاركة أطياف القوى السياسية المختلفة، بغية رسم خارطة طريق تفضي إلى اتفاق شامل يحسم أمر مرشحي الوزارات التي تُدار حالياً بالوكالة. وأضاف: “سيشهد الأسبوع المقبل حراكاً زاخراً بالاجتماعات والنقاشات، مما قد يُسفر في نهاية المطاف عن اتفاق نهائي يبلور ملامح المرحلة القادمة، ليعقبه تواصل مع رئيس البرلمان لتحديد جلسة حاسمة يُصار فيها إلى التصويت على مرشحي هذه الوزارات التسع”.
لماذا يكتسي اختيار الوزراء أهميةً جوهريةً؟
تضمّ حكومة الزيدي في جعبتها الحالية 14 وزيراً، بينما لا تزال 9 مقاعد وزارية تُدار بلا وزراء، وتشمل وزارات: الداخلية، الدفاع، التخطيط، التعليم العالي، العمل والشؤون الاجتماعية، الهجرة، الثقافة، الشباب والرياضة، فضلاً عن الإعمار والإسكان. وقد تعثرت مساعي تمرير بعض هذه الحقائب في جلسة منح الثقة البرلمانية إثر التجاذبات السياسية وغياب التوافق على المرشحين، في حين أُرجئ البعض الآخر إلى جلسات لاحقة ريثما تنضج ثمار المشاورات.
وعلى الصعيد الأمني، تتربع وزارتا الداخلية والدفاع على عرش أهم المناصب الشاغرة. ويرى المحللون أن الحكومة العراقية تقف على رمال متحركة، حيث يتوجب عليها إدارة بوصلة البلاد وسط تهديدات فلول “داعش”، وضغوط واشنطن لنزع سلاح فصائل المقاومة، فضلاً عن التوترات الإقليمية المستعرة جراء الصراع الإيراني - الأمريكي. وفي هذا الصدد، دقّ مركز “صوفان” للدراسات ناقوس الخطر في تقرير له، مؤكداً أن شغور وزارتي الداخلية والدفاع يُكبّل يدي الحكومة ويُضعف قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة في مضمار الأمن القومي.
وتکافح حكومة الزيدي، من خلال استكمال عقدها الوزاري، لحسم ملف سلاح فصائل المقاومة في غضون الشهرين المقبلين، بيد أن هذا الملف الشائك لا يزال يصطدم بصخرة المعوقات السياسية والأمنية. وفي ظل إحجام بعض الفصائل عن تسليم أسلحتها، متذرعةً باستمرار السياسات الأمريكية الاستفزازية وتصاعد حدة الاحتقان الإقليمي، تكثفت وتيرة المشاورات بين القيادات الشيعية بصورة غير مسبوقة، سعياً لإيجاد حلٍّ توافقي يُرضي جميع الأطراف.
وفي السياق ذاته، أوردت قناة “الحدث” في تقرير لها يوم السبت، أن وفداً من الإطار التنسيقي قد شدّ الرحال صوب طهران للتباحث مع القيادة الإيرانية حول مسألة مركزية القرار العسكري وحصر السلاح بيد الدولة. ووفقاً للتقرير، فإن الإطار التنسيقي قد شكّل أيضاً لجنةً للاضطلاع بمهمة الحوار مع الفصائل المسلحة العراقية وبحث آليات تسليم السلاح.
أما في المضمار الاقتصادي، فتواجه حكومة الزيدي أمواجاً عاتيةً. إذ ألقت التوترات الإقليمية الأخيرة، وما صاحبها من تضرر للبنية التحتية للطاقة واستمرار إغلاق مضيق هرمز - الأمر الذي أدى إلى انحسار إنتاج وتصدير النفط العراقي - بظلالها القاتمة، مُشكّلةً ضغطاً خانقاً على ميزانية البلاد.
وبالنظر إلى ارتهان الاقتصاد العراقي الشديد لعائدات النفط، فإن استمرار هذا المشهد القاتم من شأنه أن يقوّض قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه رواتب الموظفين، وتوفير الخدمات، ودفع عجلة المشاريع العمرانية. ولذا، فإن ترويض الأزمة الاقتصادية والحيلولة دون نزيف إضافي في العائدات النفطية، يقفان على رأس التحديات الجسام التي تواجه حكومة الزيدي، والتي سيزداد ترويضها صعوبةً وتعقيداً في ظل غياب تشكيلة وزارية متكاملة ومتناغمة.
بالتوازي مع ذلك، تسعى بغداد جاهدةً لاستقطاب رساميل أجنبية جديدة، لا سيما في قطاعات النفط والغاز والكهرباء. وقد أشارت وكالة “رويترز”، في تقرير تزامَن مع زيارة الزيدي إلى واشنطن، إلى أن حكومة الأخير تطمح إلى جذب استثمارات أمريكية واسعة النطاق لإنعاش الاقتصاد وإعادة هيكلة قطاع الطاقة العراقي؛ وهو طموحٌ دونه عقبات إن لم يستند إلى جدار تشكيلة وزارية متراصة الأركان.
وعادةً ما تضع الشركات العالمية الاستقرار السياسي وتوافر طاقم اقتصادي متكامل، كشرطين لا محيد عنهما لدخول أي سوق جديدة. ومن هذا المنطلق، فإن استكمال عقد الحكومة من شأنه أن يبعث برسائل طمأنة بالغة الإيجابية للمستثمرين الأجانب، ويبرهن على امتلاك الحكومة للتماسك المرجوّ لإنفاذ العقود طويلة الأمد. وعليه، لم ينفك الإطار التنسيقي خلال الأسابيع المنصرمة عن التأكيد، مراراً وتكراراً، على حتمية استكمال التشكيلة الوزارية للمضي قُدماً في الإصلاحات الاقتصادية، وفك طلاسم أزمة الكهرباء، وإنعاش القطاع الخاص.
ولا يزال العراق يتكئ في تأمين طاقته الكهربائية على واردات الغاز من دول الجوار، وفي طليعتها إيران، وقد أدى تقلص هذه الواردات إثر الهزات الإقليمية الأخيرة إلى إثقال كاهل الشبكة الوطنية بأعباء مضاعفة. وفي الأسابيع الماضية، أفضى تفاقم الانقطاعات الكهربائية في بعض المناطق العراقية، إلى تأجيج شرارة التذمر الشعبي واندلاع احتجاجات في الشوارع. وعليه، فإن استئصال شأفة هذه الأزمة المزمنة يستوجب حكومةً قويةً متماسكةً، قادرةً على إحداث تناغم بين شتى الوزارات والمؤسسات، لاجتراح حلول ناجعة تحدّ من الارتهان الخارجي في مجال الطاقة وتنهض بواقع الشبكة الكهربائية على نحو مستدام.
من ناحية أخرى، تضطلع وزارات من قبيل التخطيط، والتعليم العالي، والعمل، والإسكان، بدور محوري في تفعيل الخطط التنموية، وتطويق أزمة البطالة، وإدارة دفة المشاريع العمرانية. ويرى أهل الاختصاص أن استمرار إسناد إدارة هذه الوزارات بالوكالة من شأنه أن يُصيب آلية صنع القرار بالشلل الموضعي، ويُبطئ إيقاع الإصلاحات الاقتصادية، ويُكبّل عجلة المشاريع العمرانية والخدمية.
وفي غمرة هذه التجاذبات، أوردت شبكة “العربي” مؤخراً ادعاءً، نقلاً عن مصدرٍ داخل أروقة “الإطار التنسيقي”، يفيد بأن الزيدي قد لوّح بورقة الاستقالة، على خلفية تقاعس بعض التيارات السياسية عن الاصطفاف إلى جانب حكومته ومؤازرتها في القضايا العراقية المصيرية. غير أن “ائتلاف دولة القانون” (بزعامة نوري المالكي، العرّاب والداعم السياسي للزيدي) سارع إلى دحض هذه الأنباء ونفيها جملةً وتفصيلاً، معتبراً ترويجها في هذا التوقيت محض مسعىً خبيث لبذر بذور الشقاق، وتوهين عرى الوحدة السياسية للعراق في هذا المنعطف الدقيق.
ويذهب عدد من المراقبين والمحللين إلى الاعتقاد بأنه كلما طال أمدُ المخاض العسير لاختيار الوزراء، تعاظمت احتمالات تفجّر احتقانات سياسية جديدة، واشتدت وطأة الضغوط التي يمارسها خصوم الحكومة.
وتأسيساً على ما سبق، يلوح في الأفق أن “الإطار التنسيقي” سيشمر عن ساعد الجد خلال الأسابيع المقبلة، عبر تكثيف المشاورات الداخلية وصياغة توافقٍ متين يجمع شتات الأحزاب الشيعية والسنية والكردية. ويهدف هذا الحراك الدؤوب إلى تعبيد الطريق أمام التئام جلسة برلمانية حاسمة للتصويت على ما تبقى من حقائب وزارية، لتتمكن حكومة الزيدي، بعد أشهرٍ من مسيرتها المنقوصة، من استئناف الإبحار بسفينة البلاد مستندةً إلى طاقم وزاري كامل الأركان.
