الوقت - على الرغم من أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو كانا يُعرفان لسنوات كأقرب حليفين سياسيين في واشنطن وتل أبيب، إلا أن التطورات الأخيرة تُشير إلى أن العلاقة بين الجانبين قد دخلت مرحلة جديدة.
كشف الخلاف حول أسلوب الحرب والضغط على إيران، وتوقيت ونطاق العمليات العسكرية، ومستقبل المفاوضات، وحتى آلية التنسيق بين الحكومتين، عن بوادر شرخ لم يكن يُرى علنًا إلا مؤخرًا.
عززت التقارير الأخيرة، بما فيها الكشف عن أن نتنياهو علم بإلغاء الهجوم الأمريكي على إيران ليس عبر القنوات الرسمية، بل من خلال رسالة ترامب على شبكة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، التكهنات بتراجع مستوى الثقة والتنسيق بين البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية مقارنةً بالماضي، وأن العلاقات الشخصية بين الجانبين تواجه تحديات جديدة.
من جهة أخرى، أشارت سلسلة من التقارير الإعلامية الدولية في الأيام الأخيرة إلى أن الفجوة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حول كيفية التعامل مع إيران أصبحت أكثر وضوحًا من ذي قبل.
تراجع الثقة بنتنياهو
كشفت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية عن أهم مؤشر على تراجع مستوى الثقة والتنسيق بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وهو تقرير نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" بعد ذلك بوقت قصير. ووفقًا للتقرير، قرر ترامب إلغاء الهجوم واسع النطاق المخطط له على إيران دون التشاور أولًا مع كبار مسؤولي تل أبيب قبل الإعلان عنه رسميًا، مخالفًا بذلك الممارسة المعتادة في العمليات المشتركة والقرارات الاستراتيجية. نشر الرئيس الأمريكي قراره مباشرةً على شبكة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، وتم إبلاغ تل أبيب بهذا التغيير في الاستراتيجية في الوقت نفسه الذي أُبلغ فيه الرأي العام العالمي.
انتقد مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى هذه الطريقة في الإبلاغ في مقابلة مع القناة 12، قائلاً: "أبقى ترامب الأمر سراً. علم كبار القادة من خلال شبكة التواصل الاجتماعي للرئيس الأمريكي بإلغاء الهجوم". ووفقاً للمسؤول، فقد عاش المسؤولون السياسيون والعسكريون في تل أبيب لساعات بعد نشر الرسالة حالة من "الغموض التام"، ولم يكن واضحاً ما إذا كان قرار ترامب نهائياً أم أن العملية المشتركة لا تزال مطروحة.
رأى المراقبون في هذا الأمر أكثر من مجرد فشل في التواصل؛ بل كان أيضاً مؤشراً على تحول في نهج البيت الأبيض في التعامل مع تل أبيب. ففي السنوات السابقة، وخاصة خلال ولاية ترامب الأولى، كانت القرارات الأمنية الحساسة التي تؤثر بشكل مباشر على المصالح الإسرائيلية تُعلن عادةً بعد تنسيق وثيق مع مكتب نتنياهو. في هذه الحالة، عزز استبعاد نتنياهو من عملية التواصل الانطباع بأن ترامب لم يعد راغبًا في إشراك نتنياهو في جميع القرارات الرئيسية، وأنه يسعى إلى مزيد من الاستقلالية، على الأقل فيما يتعلق بملف إيران.
رأى بعض المحللين الإسرائيليين أن الأمر يتجاوز مجرد سوء فهم دبلوماسي، ورأوا أن هذا الإجراء يوجه رسالة واضحة إلى نتنياهو مفادها أن إدارة ترامب ستعطي الأولوية لحسابات ومصالح واشنطن في اتخاذ القرارات بشأن إيران، ولن تكون مستعدة لمواءمة سياستها مع مطالب نتنياهو في جميع الأحوال. من هذا المنظور، يُعدّ إعلان المسؤولين الإسرائيليين عن إلغاء الهجوم الأمريكي على إيران عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي رمزًا لتراجع مستوى الثقة والتنسيق السياسي بين الحليفين.
العودة من واشنطن خالي الوفاض
من جهة أخرى، لم تُسفر زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، خلافًا لتوقعاته، عن أي إنجازات ملموسة، بل وصفتها بعض وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية بأنها مؤشر على تراجع نفوذ رئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض. ذكرت وكالة أنباء أكسيوس في تقرير بعنوان "موقف ضعيف" أن نتنياهو ذهب إلى واشنطن هذه المرة في وضع فقد فيه نفوذه السابق على ترامب، وأن العلاقات بين الجانبين أصبحت أكثر توتراً من الأشهر الماضية. ويؤكد التقرير أنه بعد توقف الولايات المتحدة عن الهجمات على إيران وعودة ترامب إلى مسار المفاوضات، باتت الفجوة بين وجهات نظر الجانبين أكثر وضوحاً من ذي قبل.
وكان من أبرز مواضيع الاجتماع عرض تقييمات تل أبيب الاستخباراتية للمنشآت النووية الإيرانية، ولا سيما مجمع جبل الفأس. إلا أن التقارير المنشورة تشير إلى أنه، خلافاً لتوقعات تل أبيب، لم يبنِ ترامب قراره باستئناف الهجمات على هذه المعلومات. وقد أكد مسؤولون إسرائيليون أنه تم مناقشة خيارات متعددة، بما في ذلك الدبلوماسية، ومواصلة الضغط الاقتصادي، والعمل العسكري، في اجتماع البيت الأبيض، لكن الرئيس الأمريكي فضّل في نهاية المطاف مسار المفاوضات والامتناع عن إصدار أمر بشن هجوم جديد.
ويرى العديد من المراقبين أن هذه النتيجة تُعدّ فشلاً سياسياً لنتنياهو. كان يأمل في إقناع ترامب بتصعيد الضغط العسكري، أو على الأقل الإبقاء على خيار الهجوم الفوري، من خلال تقديم تقييمات أمنية جديدة والتأكيد على ما وصفه بالتهديدات المتبقية من البرنامج النووي الإيراني. لكن قرار ترامب بتعليق العمليات والتركيز على استمرار الدبلوماسية أظهر أن البيت الأبيض، في ظل الظروف الراهنة، يُعطي الأولوية لاعتباراته الاستراتيجية والسياسية على مطالب نتنياهو.
اختلافات في النهج تجاه إيران
يُعدّ اختلاف وجهات النظر حول كيفية التعامل مع إيران أحد أهمّ نقاط الخلاف بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. فعلى الرغم من لجوء ترامب مرارًا إلى الخيار العسكري وممارسة أقصى الضغوط على إيران في الأشهر الأخيرة، إلا أنه أظهر في منعطفات حاسمة عدم رغبته في السماح للولايات المتحدة بالدخول في حرب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط. وكان آخر مثال على ذلك قراره المفاجئ بإلغاء هجوم واسع النطاق على إيران وإعلان بدء جولة جديدة من المفاوضات؛ وهو قرار صرّح ترامب نفسه بأنه اتُخذ بهدف إتاحة الفرصة للتوصل إلى اتفاق ومنع امتداد الحرب.
من وجهة نظر ترامب، قد تُكبّد الحرب الشاملة مع إيران الولايات المتحدة خسائر فادحة. فالصراع المباشر مع إيران سيؤدي إلى احتمال شنّ هجمات متبادلة على القواعد الأمريكية في المنطقة، وتهديدات لأمن الملاحة والطاقة، وارتفاع حاد في أسعار النفط، وعدم استقرار في الأسواق العالمية، وفرض تكاليف مالية وعسكرية باهظة. بالإضافة إلى ذلك، دخل ترامب حملته الانتخابية مرارًا وتكرارًا بشعار إنهاء "حروب أمريكا التي لا تنتهي" في الشرق الأوسط، وقد يتعارض الدخول في حرب استنزاف مع إيران مع هذا الوعد السياسي.
في المقابل، يعتبر بنيامين نتنياهو، في تصريحاته، إيرانَ التهديدَ الأمنيَ الأكبرَ لتل أبيب، ويرى ضرورةَ استمرار الضغط العسكري حتى إضعاف قدرات إيران النووية والصاروخية وشبكة حلفائها الإقليميين إضعافًا تامًا، إلا أنه لم يتحقق هذا الهدف حتى الآن رغم خوضه حربًا شاملة على مرحلتين. لهذا السبب، يعتقد العديد من المحللين الغربيين أن نتنياهو سعى دائمًا إلى إبقاء الولايات المتحدة إلى جانب تل أبيب في ممارسة أقصى الضغوط والحفاظ على الخيار العسكري، لأن مشاركة واشنطن المباشرة تُعزز بشكل كبير قدرة تل أبيب على الردع والعمليات.
لذا، ورغم مساعي نتنياهو لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب طويلة جديدة مع إيران، فقد أظهر الرئيس الأمريكي، على الأقل في الظروف الراهنة، أنه يُفضّل تجنّب توريط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية واسعة النطاق وغير محدودة مع إيران.
ترامب يسعى لتجاوز نتنياهو
يعتقد المحللون أن من بين العوامل الأخرى التي ساهمت في تغيير سلوك دونالد ترامب تجاه بنيامين نتنياهو، الحسابات السياسية المتعلقة بمستقبل السلطة في تل أبيب. تشير استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة إلى تراجع شعبية الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو، وإلى احتمال خسارة الأغلبية البرلمانية لصالح نتنياهو في حال إجراء انتخابات. حتى وكالة رويترز للأنباء، في تقرير لها عن الانتخابات المقبلة في إسرائيل، تحدثت عن "احتمال هزيمة نتنياهو" وصعوبة تشكيل حكومة مستقبلية.
في ظل هذه الظروف، يرى بعض المراقبين أن ترامب لم يعد يرغب في تركيز كل ثقله السياسي على نتنياهو. فهو، الذي لطالما بنى سياسته الخارجية على أساس توازن المصالح والعلاقات الشخصية مع القادة، يُفضل الحفاظ على علاقاته مع شخصيات سياسية أخرى في إسرائيل، حتى لا يتضرر نفوذ واشنطن في تل أبيب في حال تغيير الحكومة وهزيمة نتنياهو. من هذا المنظور، يمكن اعتبار ابتعاد ترامب النسبي عن نتنياهو محاولة لتجنب وضع كل بيضه في سلة واحدة. استراتيجية تُمكّن ترامب من إقامة علاقات فعّالة مع الحكومة المقبلة دون نتنياهو، بغض النظر عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
