الوقت - منذ سنوات طوال، اختارت المملكة العربية السعودية المضي في طريق رسمته، وهو طريق العدوان والحصار الذي لم يجنِ منه الشعب اليمني سوى المعاناة، ولم تجنِ منه الرياض سوى سلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية. واليوم، وبعد أن رسخت صنعاء معادلة الحصار مقابل الحصار والتصعيد مقابل التصعيد كواقع ميداني لا يقبل التأويل، تجد الرياض نفسها أمام مرآة الواقع التي لم تعد تجمّل الصورة أو تخفي هشاشة الخيارات. إن المشهد الراهن تجاوز مرحلة المسكنات السياسية والرهانات العسكرية الخاسرة؛ فصنعاء، عبر قيادتها السياسية والعسكرية، تبعث برسائل حازمة مفادها أن أمن المنطقة واستقرارها لن يتحقق بأي حال من الأحوال عبر بوابات العدوان أو سياسات التجويع الممنهج. إن التمادي في نهج التصعيد لم يعد خياراً ترفيهياً بيد الرياض، بل تحول إلى مقامرة عبثية بمستقبل الاستقرار الإقليمي برمته. وفي الوقت الذي تتشبث فيه السعودية بمحاولات يائسة لاستنساخ تحالفات دولية واهية بذريعة حماية الملاحة أو المصالح، يقف اليمن صامداً، يمتلك زمام المبادرة الميدانية التي أثبتت قدرتها الفائقة على شل حركة ناقلات النفط وإجبار أساطيلها على تغيير مساراتها التقليدية. إن هذه المرحلة الحاسمة تضع النظام السعودي أمام استحقاق تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين: إما الاستماع بجدية إلى لغة العقل والاعتراف بأن إنهاء العدوان ورفع الحصار هو الطريق الوحيد المتبقي لضمان الأمن، أو الغرق في مستنقع العواقب الوخيمة التي تتسع رقعتها يوماً بعد يوم. إن صبر اليمن له حدود، وما لم تدرك الرياض أن معادلات الماضي قد ولت بلا رجعة، فإنها ستجد نفسها غارقة في واقع عسكري لا يعرف الرحمة.
صنعاء تمد يدها للمرة الأخيرة قبل أن تُغلق
جاءت التصريحات الأخيرة لرئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبد السلام لتشكل بوصلة واضحة تؤكد أن أقرب طريق للسعودية نحو الأمن والاستقرار هو إنهاء العدوان ورفع الحصار بشكل كامل عن اليمن، مع تحميل النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن تبعات استمرار هذه السياسات العدائية. إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام صناع القرار في الرياض هو: هل ستلتقطون هذه الرسالة، أم ستواصلون سياسة المكابرة حتى تجنوا ثمار عنادكم؟ فالتاريخ القريب يشهد أن كل مغامرة سعودية بدأت بضجيج إعلامي وانتهت بصمت الهزيمة. إن صنعاء اليوم انتقلت من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل الاستراتيجي؛ لذا لم يعد السؤال هل ستتراجع الرياض، بل متى ستدرك أن التصعيد المضاد بات واقعاً يومياً يُقاس بأميال الناقلات التي تُجبر على تغيير مسارها. إن السعودية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالاستجابة للأصوات اليمنية الصادقة الداعية إلى نبذ التهور وعدم الركون لأوهام القوة الجوفاء، قبل أن يتحول هذا الطريق المفتوح أمامها إلى طريق مغلق بفعل عنادها هي نفسها. فاليمن قد تجاوز مرحلة التردد والانتظار، وأصبح يمتلك أدوات الردع التي تحول صمته الطويل إلى فعل استراتيجي موجع ومؤثر.
مقامرة الرياض على المرتزقة تصطدم بجاهزية صنعاء
في سياق تثبيت معادلة الحصار مقابل الحصار، أكد الدكتور عبد العزيز بن حبتور أن خطاب قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي يعكس بعمق معاناة الشعب اليمني وثباته الأسطوري، مشيراً إلى أن رهان الرياض على الخونة والمرتزقة والائتلافات الهشة هو مقامرة خاسرة سلفاً. إن هذه المعطيات ترسم صورة لرياض تراهن على أدوات أثبتت التجربة فشلها الذريع وتفككها عند أول اختبار حقيقي، بينما تقف صنعاء على أرضية صلبة من الجاهزية العالية. وقد ترجمت القوات المسلحة اليمنية هذا الموقف عملياً وبشكل ملموس؛ حيث أعلن العميد يحيى سريع أن ثماني ناقلات نفط سعودية اضطرت لتغيير مسارها والإبحار عبر رأس الرجاء الصالح، وهو مسار طويل ومكلف يعكس حجم التأثير اليمني. إن هذا التصعيد النوعي يأتي رداً طبيعياً ومشروعاً على الحصار المطبق، ليؤكد أن النظام السعودي هو المسؤول الأول عن تبعات سياسته، وأن الطريق الأكثر ضماناً لأمنه هو الكف الفوري عن عدوانه. إن صمود الشعب اليمني، مدعوماً بقيادة أثبتت حنكتها في إدارة المعركة، يجعل من كل رهان سعودي على المرتزقة مجرد سراب يتبخر أمام صلابة الموقف اليماني الذي لا يقبل بغير الحرية والسيادة ورفع الحصار الشامل.
حسابات الرياض العسكرية أمام معادلة لا تحتمل نصف الحلول
تتحدث التقارير المتواترة عن استعدادات سعودية لعملية عسكرية واسعة قد تشمل تحركات بحرية وضغطاً مكثفاً على مسارات صادرات النفط في البحر الأحمر، لكن على الرياض أن تدرك أن كل مغامرة جديدة هي خطوة إضافية نحو الهاوية. إن معادلة الحصار مقابل الحصار ليست خطوة عابرة أو رد فعل عاطفي، بل هي موقف استراتيجي متجذر لن ينتهي إلا بوضوح الموقف السعودي وخضوعه للحقوق اليمنية المشروعة. إن المغامرات السعودية دائماً محكومة بالفشل والضرر البالغ، فاليمنيون أعدوا واستعدوا لمواجهة أي عدوان بكل ما أوتوا من قوة وعزيمة. إن المفارقة الحزينة أن كل تصعيد سعودي جديد يعيد إنتاج النتيجة نفسها: استنزاف متبادل يطول أمده دون أن يغير موازين القوى في الميدان لصالح الرياض. إن اليمنيين لن يسمحوا للسعودية بأن تبقى جاثمة على مقدراتهم ومتحكمة في أقواتهم، وأي تحرك سعودي جديد سيعود عليها بضرر أكبر وأخطر، حيث ستصبح ناقلات نفطها أهدافاً مشروعة في كل بحار المنطقة. إن التهديد بمزيد من الهجمات هو انتحار سياسي وعسكري، وعلى الرياض أن تفهم جيداً أن اليمن اليوم يمتلك زمام المبادرة، وأن أي تصعيد سيواجه بضربة قاصمة لمصالحها الاقتصادية التي تحاول حمايتها بالوهم.
الفشل المتكرر قدر التحالف السعودي منذ يومه الأول
إن الفشل السعودي هو المصير الحتمي الذي يطارد كل تحركاتها؛ فكما فشلت الرياض في بداية عدوانها عبر الائتلاف العربي الذي سرعان ما تصدع وتفكك بخروج الإمارات وانسحاب دول أخرى، تكرر الرياض اليوم السيناريو نفسه بمحاولة تشكيل تحالف دولي بحري بدعوى حماية الملاحة بدعم من عدة دول. إن التجربة التاريخية تقول إن هذه التحالفات، مهما بدت وازنة على الورق، تصطدم عاجلاً أم آجلاً بتباين المصالح وتضارب الأهداف. إن الفشل الذي رافق التحالف العربي ليس استثناءً أو حدثاً طارئاً، بل هو نمط متكرر لكل مقاربة سعودية تقوم على منطق القوة بدل منطق التسوية السياسية العادلة. واليوم، نرى السعودية تحاول تكرار نفس السيناريو الفاشل لتدويل أزمتها مع اليمن. إن هذا التحرك لا ينم إلا عن إفلاس سياسي وتخبط استراتيجي؛ فالسعودية التي فشلت وهي في أوج قوتها وتحالفاتها السابقة، لن تنجح اليوم وهي في موقف دفاعي ومأزوم دولياً وإقليمياً. إن مصير السعودية هو الهزيمة المؤكدة؛ فاليمن قد كسر هيبة التحالفات السابقة، وسيكسر بكل تأكيد أي تحالف جديد، ولن تنفع الرياض محاولاتها المستمرة في جذب دول العالم لحماية سفنها، فاليمن قد وضع قواعد اللعبة الجديدة، ومن يراهن على الفشل لن يحصد في النهاية إلا الخيبة والانكسار.
