الوقت- في حدث بالغ الأهمية، تزامناً مع اشتداد التوترات بين طهران وواشنطن وتصاعد التكهنات بشأن إمكانية اندلاع حرب جديدة في المنطقة، أقدمت بعض فصائل الحشد الشعبي العراقي، بخطوة مدروسة بعناية، على عرض جزء من قدراتها التسليحية، لتلفت الأنظار وتبعث برسائلها إلى القريب والبعيد.
وقد كان لفصيل “سرايا أولياء الدم”، أحد الأذرع التابعة للحشد الشعبي، السبق في هذا العرض العسكري المهيب، حيث نشر صوراً تكشف عن جزء من ترسانته الصاروخية المخبأة في منشأة تحت الأرض، وهو ما جذب اهتمام وسائل الإعلام والمراقبين الأمنيين على حد سواء.
هذا الاستعراض العسكري، الذي أطلقت عليه التقارير الإعلامية وصف “مدينة الصواريخ تحت الأرض”، يتألف من شبكة أنفاق محكمة التصميم، تتيح نقل الصواريخ وتخزينها وتجهيزها للإطلاق في وقت قياسي، وتظهر الصور المنشورة مقاتلي هذا الفصيل وهم يتحركون داخل الأنفاق بجوار شاحنات تحمل صواريخ بالستية متطورة، في أعماق الأرض، في مشهد يجسّد امتلاك المقاومة العراقية قدرات صاروخية متقدمة، ويبرز في الوقت ذاته ضخامة المخزون التسليحي لهذه القوة.
ولم يقتصر هذا العرض على إظهار العتاد والأسلحة، بل أُرفِق بصور لعدد من القادة البارزين في محور المقاومة الإقليمي، ما أضفى على الحدث بُعداً رمزياً عميقاً، فهذه الخطوة لم تكن قراراً محلياً عابراً، بل جاءت ضمن إطار استراتيجي شامل يتناغم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، ويؤكد على وحدة المحور وتنسيقه.
ولم يكن هذا الفصيل غريباً على اتخاذ مواقف حازمة إزاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، إذ سبق له أن أعلن مواقف صريحة تربط بين تحركاته وبين التطورات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة الوثيقة مع إيران. وقد أكد مراراً أن المرحلة الراهنة لا تقبل الحياد، وأن خيار المواجهة هو الخيار الوحيد أمام قوى المقاومة في سبيل الدفاع عن سيادة العراق وحفظ مكانته ضمن محور المقاومة.
أعلنت جماعة سرایا أولياء الدم عن وجودها في سبتمبر من العام 2020، في أعقاب اغتيال الشهيد أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، ورفيقه الشهيد الحاج قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم هذه الجماعة في التقارير الأمنية والإعلامية بكونها واحدةً من أبرز القوى الفاعلة في مواجهة الوجود الأمريكي على أرض العراق.
وقد نسب معهد واشنطن للأبحاث، في تقاريره، لهذه الجماعة تنفيذ هجمات على قاعدة عين الأسد الجوية، وكذلك عمليات أخرى استهدفت قاعدة حرير في أربيل، ما عزّز مكانتها كأحد اللاعبين الرئيسيين في الميدان.
قدرات الحشد الشعبي الصاروخية
إن الكشف عن “مدينة الصواريخ” ليس إلا نافذة صغيرة تطل على المشهد الأوسع لقدرات الحشد الشعبي الصاروخية، وهي قدرات شُيدت لبنة لبنة على مدار أكثر من عقد من الزمن، حتى باتت اليوم تشكّل حصناً منيعاً وذراعاً ضاربةً لمحور المقاومة.
ورغم شحّ المعلومات الرسمية الدقيقة عن أنواع الصواريخ التي تمتلكها هذه الجماعات، ومدياتها، ودقتها، إلا أن التقارير الميدانية غير الرسمية تشير إلى امتلاك المقاومة العراقية منظومةً متكاملةً من الصواريخ والراجمات، ذات التنوع الواسع في المدى والقدرة التدميرية، ما يجعلها قوةً لا يُستهان بها.
يعتمد الحشد الشعبي حالياً على راجمات صواريخ مثل زلزال وفجر، التي تُعد من الصناعات الإيرانية، وقد صُممت هذه الراجمات أساساً لتنفيذ ضربات متعددة في وقت قصير، ما يجعلها ذات فعالية كبيرة في العمليات الميدانية ضمن المديات القصيرة والمتوسطة.
إلى جانب ذلك، نجحت المقاومة العراقية في تطوير نماذج محلية مثل صاروخ بتار، الذي يبلغ مداه نحو خمسة كيلومترات، ويتميز بقدرته على حمل رؤوس حربية ذات وزن ثقيل نسبياً، ويُعد هذا الصاروخ أحد أبرز الإنجازات التسليحية للحشد الشعبي، حيث لعب دوراً محورياً في معارك تحرير مناطق واسعة من قبضة تنظيم "داعش" الإرهابي في محافظتي صلاح الدين والأنبار.
أما بالنسبة لصاروخ سلام 1، فرغم قلة المعلومات التقنية المنشورة حول دقته وقدرته التدميرية، إلا أن التجارب الأولى لإطلاقه أظهرت كفاءةً ملحوظةً في الاشتباكات القريبة، ما يعزّز مكانته في ترسانة المقاومة.
بالإضافة إلى الصواريخ الباليستية والراجمات، تمتلك بعض فصائل المقاومة العراقية أسلحةً دقيقةً متخصصةً، مثل صواريخ كورنيت الموجهة المضادة للدروع، والتي تمثّل تهديداً مباشراً للآليات المدرعة الثقيلة، إذ صُممت لتكون كابوساً للمعدات الميكانيكية للعدو.
وتظل راجمات كاتيوشا ذات العيار 122 ملم جزءاً أساسياً من مخزون المقاومة، لمرونتها وفعاليتها في العمليات الميدانية، ما يجعلها حاضرةً في ميادين القتال، ومع اندلاع الحرب في غزة، أعلنت المقاومة العراقية عن دخول صاروخ الأقصى 1 متوسط المدى إلى الخدمة العملياتية، في خطوةٍ تعكس مدى تطور قدراتها الصاروخية واتساع نطاق تأثيرها.
رسالة تحذيرية من مدينة الصواريخ: عراق المقاومة يتأهب
إن الكشف عن مدينة الصواريخ التابعة لسرایا أولياء الدم، في هذا الظرف المشتعل، يحمل بين طياته رسالةً تحذيريةً موجهةً إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مفادها بأن قوى المقاومة العراقية تمتلك العدة والعتاد للرد الحاسم على أي عدوان يستهدف إيران أو العراق.
هذه الجماعات، التي ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من محور المقاومة، تعتبر أن أي مساس بسيادة إيران أو محاولات للنيل من نظام الجمهورية الإسلامية هو اعتداء على المحور بأسره، وقد سبق لها أن حذرت واشنطن مراراً من عواقب أي خطأ في الحسابات أو مغامرة غير محسوبة العواقب.
التقارير تشير إلى أن الفصائل المسلحة العراقية قد رفعت من مستويات جهوزيتها، وأعلنت بوضوح دعمها المطلق لإيران في حال نشوب أي مواجهة، وفي هذا السياق، أصدرت منظمة بدر بياناً وصفت فيه المرحلة الحالية بالمعركة المصيرية، مؤكدةً أن الصمت أو الحياد في مثل هذه الظروف لا مكان لهما.
كذلك، دعت كتائب حزب الله العراق مقاتليها إلى الاستعداد لمواجهة شاملة، بينما تبنت حركة النجباء موقفاً مشابهاً، محذرةً من أن أي اعتداء على إيران سيشعل فتيل مواجهة واسعة النطاق في المنطقة.
وسط هذا المشهد المتوتر، يأتي الكشف عن مدينة الصواريخ كرسالة واضحة تعكس عمق القدرات العسكرية للمقاومة العراقية، قدرات نمت وتطورت بصمت، حتى في ظل سنوات الاحتلال الطويلة، ومن اللافت أن هذه المدينة الصاروخية قد شُيدت بعيداً عن أعين القوات الأمريكية، رغم ما تمتلكه واشنطن من أنظمة استخباراتية متطورة، وما يزيد على عقدين من الوجود العسكري على أرض العراق، وهذا الإنجاز يشهد على براعة المقاومة في العمل تحت ستار السرية.
أما اختيار مجموعة صغيرة نسبياً من الحشد الشعبي، كسرايا أولياء الدم، للكشف عن هذه المنشأة، فهو إشارة رمزية إلى ما قد تحمله باقي الفصائل الكبرى من إمكانات أعظم، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، التي لم تكشف عن كامل قدراتها حتى الآن.
هذا التحرك لا يهدف فقط إلى تعزيز قوة الردع، بل يحمل رسالةً صريحةً للأعداء الإقليميين مفادها بأن أي مغامرة عسكرية ستكلفهم ثمناً باهظاً وغير متوقع، كما أن امتلاك المقاومة العراقية لقدرة تصميم وإطلاق الصواريخ أسهم في تغيير معادلات القوة الإقليمية، وجعل جهود واشنطن الرامية إلى إضعاف هذه الفصائل أو تفكيكها ضرباً من العبث.
العراق: حجر الزاوية في معادلة المواجهة الإقليمية
لقد أثبتت أحداث الأعوام الأخيرة أن فصائل المقاومة الممتدة من لبنان إلى العراق، ومن اليمن إلى فلسطين، ليست مجرد أدوات تابعة لطهران، بل هي قوى مستقلة في قراراتها وتوقيت تحركاتها، تتحرك حيثما تدعو الحاجة إلى نصرة المظلومين أو صيانة مصالح محور المقاومة.
وكانت حرب غزة مثالاً ساطعاً على هذا الواقع، حيث تعاونت أضلاع المقاومة المختلفة في تنسيق ميداني، ضمن مفهوم “وحدة الساحات”، وتقاسمت الأدوار في مواجهة الكيان الصهيوني وحليفها الأكبر، الولايات المتحدة.
في السياق ذاته، يسير العراق اليوم على نهج مستقل في معادلة الصراع بين طهران وواشنطن، مستنداً إلى موقعه الاستراتيجي ودور فصائل مقاومته التي تتبنى عقيدة التحرك المباشر دون انتظار أوامر خارجية.
المنطق الكامن وراء هذا التوجه، أن أي تهديد لإيران يُعد مقدمةً لاستهداف العراق، ومن هذا المنطلق، يصبح الدفاع عن إيران وحماية مصالح محور المقاومة تكليفاً ذاتياً لا يخضع لأوامر خارجية، لقد تجاوز العراق دوره التقليدي كداعم للمقاومة، ليصبح لاعباً فاعلاً في موازين القوى الإقليمية، محتفظاً باستقلاله العملياتي ضمن إطار محور المقاومة.
