الوقت - شهدت ساحة الحرب في اليمن تحولات متسارعة وعميقة، لم تقتصر على إعادة رسم خريطة موازين القوى الداخلية، بل طالت معادلة التوتر بين صنعاء والرياض، فلم تعد تشبه ما كانت عليه من قبل. ومن أبرز هذه التحولات أن السعوديين، حين أصرّوا على إبقاء الحصار الجوي على اليمن وشنّوا هجومًا على مطار صنعاء، كانوا هم من ضغط على الزناد معلنين نهاية الهدنة وبدء الحرب. أما اليوم، وبعد أسابيع قليلة فحسب من ذلك الحدث، فقد آل الوضع إلى أن تسعى «أنصار الله» إلى فرض حصار جوي على السعودية.
وفي هذا السياق، وكما حذّر قادة صنعاء من قبل، تبنّت «أنصار الله» رداً على الهجمات السعودية قاعدة «البنية التحتية مقابل البنية التحتية»، وهي استراتيجية جعلت المطارات السعودية اليوم من الأهداف الرئيسة للهجمات الصاروخية والمسيّرة اليمنية.
وأعلن يحيى سريع، المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، يوم الخميس (8 أكتوبر)، أن هذه القوات استهدفت في عملية متزامنة مطار «الملك خالد» في الرياض بصاروخَي كروز، ومطار «نجران» بصاروخ باليستي واحد، وقاعدة «خميس مشيط» الجوية بصاروخ باليستي واحد كذلك. وشدّد سريع على أن أضرارًا لحقت بهذه المطارات، وأن الملاحة الجوية فيها تعطّلت.
وهدّد سريع أيضًا بأن الرحلات الإنسانية من مطار الرياض وإليه لن تُنفَّذ إلا بعد الحصول على تصريح من مركز تنسيق العمليات الإنسانية في صنعاء.
من جهتها، أكدت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية وقوع هجومين منفصلين على مطار الملك خالد، استهدف الأول منشآت المطار، فيما استهدف الثاني طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية السعودية.
كما تعرّضت مطارات أبها وعدن خلال الأسبوع الماضي لهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة مرات عدة، ما أدى إلى اضطراب في حركة النقل الجوي. وفضلًا عن ذلك، أدى سقوط عدة صواريخ على مطاري الدمام وجدة إلى توقف الرحلات وامتناع الطائرات عن الهبوط فيهما.
وفي أعقاب موجة الهجمات هذه، قال عمر البخيتي، المتحدث باسم حكومة «أنصار الله»، إن سماء السعودية ومطاراتها باتت جزءًا من ميدان عمليات القوات المسلحة اليمنية، ودعا شركات الطيران إلى الابتعاد عن المطارات السعودية حفاظًا على سلامتها وسلامة ركابها، وهي مواقف تعني عمليًا بدء حصار جوي على الرياض.
إغلاق المطارات
ولما كان عمل المطارات رهنًا بالأمن، فقد أدت الهجمات الصاروخية لـ«أنصار الله» إلى اضطراب جسيم في حركة الملاحة الجوية داخل السعودية، حتى كادت الرحلات تتوقف تمامًا.
وأوصت وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران (EASA)، يوم الجمعة، عقب الهجمات الأخيرة على مطار الرياض، شركات الطيران بعدم تشغيل رحلاتها في المجال الجوي السعودي.
كما أفادت مؤسسة تحليل البيانات «سيريوم» بإلغاء نحو 300 رحلة مجدولة، قادمة ومغادرة، في مطار الملك خالد الدولي. وعلّقت شركة «لوفتهانزا» رحلاتها إلى السعودية.
وفي الوقت نفسه، علّقت شركتا طيران هنديتان رحلاتهما إلى الرياض. وأعلنت «فلاي دبي» إلغاء رحلاتها إلى الرياض وينبع وأبها حتى العاشر من أكتوبر الجاري. ورغم خطة باكستان لإرسال قوات ومعدات عسكرية إلى السعودية، فقد أوقفت هي الأخرى رحلاتها الجوية إلى المملكة بسبب انعدام الأمن في المطارات.
ما غاية «أنصار الله» من استهداف المطارات؟
وضعت العمليات الصاروخية المتواصلة على المطارات السعودية المملكة في مأزق شديد، إلى حد أنها لا تملك مخرجًا من هذه الأزمة.
ويمكن قراءة هجمات «أنصار الله» الأخيرة على المطارات السعودية في إطار تصاعد التوترات الإقليمية والمواجهة بين صنعاء والرياض. وقد أعلن قادة صنعاء أن هذه العمليات ردٌّ على الهجمات التي طالت البنى التحتية اليمنية، ولا سيما مطار صنعاء، وعلى القيود المفروضة على الرحلات الجوية من اليمن وإليه. ومن منظور «أنصار الله»، تهدف هذه الهجمات إلى إرساء معادلة متقابلة ورفع كلفة استمرار العمليات العسكرية والقيود الجوية المفروضة على اليمن.
وفي السياق ذاته، كان محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لـ«أنصار الله»، قد أكد سابقًا أنه إذا واصلت السعودية تقييد الرحلات الجوية وحصار اليمن، فإن صنعاء سترد بالمثل. وبحسب هذه الرواية، لا يُعدّ استهداف المطارات السعودية مجرد إجراء عسكري، بل أداة لتعزيز قدرة الردع لدى صنعاء، والضغط على الرياض بغية تغيير سلوكها تجاه اليمن.
وتدل هذه المواقف على أن «أنصار الله» تسعى إلى توسيع نطاق الضغوط من الميدان العسكري إلى قطاع النقل الجوي والأنشطة الاقتصادية، وهو ما قد يرتب على السعودية كلفةً أكبر.
وإذا استمر توقف الرحلات في المطارات السعودية جراء الهجمات الصاروخية والمسيّرة لـ«أنصار الله»، فقد تترتب على الرياض تبعات اقتصادية جسيمة. فإلغاء الرحلات أو تغيير مساراتها، مع ما يرافق ذلك من ردّ قيمة التذاكر، يفرض ضغطًا ماليًا مباشرًا على شركات النقل الجوي.
ولا يقتصر نطاق الأضرار على صناعة الطيران، بل سيلحق ضرر بالغ بقطاع السياحة أيضًا نظرًا لاعتماده على المسافرين الأجانب. فكلما ازدادت الرحلات الملغاة وتعاظمت المخاوف بشأن أمن السفر، ارتفع احتمال تراجع أعداد السياح، وهو مسار قد يضغط على إيرادات الأعمال المحلية وما يرتبط بها من فرص العمل، وكذلك على استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
ومن الناحية الأمنية، يُبرز تعطّل عمل المطارات هشاشة البنى التحتية الحيوية في السعودية، وقد يزيد المخاوف بشأن قدرتها على حماية مجالها الجوي ومنشآتها الاستراتيجية.
كما يضطر هذا الوضع الرياض إلى تخصيص موارد إضافية لتعزيز منظومات الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة وحماية المطارات. وفي ظل تراجع الإيرادات النفطية واضطراب الرحلات الجوية، قد يشكّل ارتفاع النفقات العسكرية عبئًا مضاعفًا على ميزانية الرياض.
وإجمالًا، يندرج تركيز هجمات «أنصار الله» على المطارات ضمن استراتيجية رفع كلفة الصراع على الرياض، إذ تتحول هشاشة البنى التحتية الحيوية إلى عامل يعيد تشكيل الحسابات الأمنية والسياسية للطرف المقابل.
