الوقت - بعد ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الصهيونية على غزة، يدفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً من الجرائم والمجازر والدمار الشامل، بينما تؤكد الأرقام والإحصاءات أن "إسرائيل" نفسها تكبّدت خسائر فادحة على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. فحركة حماس ما تزال قائمة، وتكلفة الحرب تجاوزت 113 مليار دولار، وتفاقمت الديون والضغوط الاقتصادية، واشتدّت العزلة الدولية والهجرة العكسية. وهكذا، ورغم حجم الدمار غير المسبوق في غزة، لم يخفق الكيان الصهيوني في تحقيق جميع أهدافه المعلنة فحسب، بل تحمّل كذلك تکاليف باهظة على الجبهات الاقتصادية والدبلوماسية والاستراتيجية. وهي حقيقة تؤكد أن الانتصار في ميدان التدمير لا يعني بالضرورة انتصاراً في الاستراتيجية والسياسة.
القسم الأول: سجلّ الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها محتلّو غزة
منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى أكتوبر 2026، تحوّلت الحرب الصهيونية على غزة إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. فقد طالت الهجمات العسكرية، وقصف المناطق السكنية، وتدمير البنى التحتية الحيوية، والنزوح الجماعي، والتضييق على الوصول إلى الغذاء والماء والخدمات العلاجية، حياة ملايين الفلسطينيين. وتكشف الإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة والأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية، عن الأبعاد الواسعة للخسائر البشرية وحجم الخراب الذي خلّفته هذه الحرب.
أكثر من 74 ألف قتيل و175 ألف جريح
وفقاً لتقرير وكالة الأناضول بتاريخ 7 أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء الحرب بلغ حتى الرابع من أكتوبر 74,237 شهيداً، وعدد الجرحى 175,206 جرحى. وبذلك يتجاوز مجموع الشهداء والجرحى المسجّلين 249 ألف شخص.
ووفقاً للوكالة، في تقريرها «ثلاث سنوات من حرب غزة: الخسائر البشرية للهجمات الصهيونية»، تشمل هذه الأرقام الأشخاص الذين سُجّل مقتلهم أو إصابتهم، ولا تشمل بالضرورة جميع من لا يزالون تحت الأنقاض، ولا من لقوا حتفهم بصورة غير مباشرة نتيجة تداعيات الحرب.
قتل الأطفال في غزة
وفقاً للإحصاءات الصادرة عن مركز حماية لحقوق الإنسان في أكتوبر 2026، استُشهد أكثر من 21,700 طفل فلسطيني منذ بدء الحرب، كما سجّل التقرير نحو 46 ألف إصابة بين الأطفال.
ويواجه الأطفال الناجون بدورهم تبعات الحرب الواسعة، من فقدان الوالدين والنزوح والحرمان من التعليم إلى الأضرار النفسية ونقص الإمكانات العلاجية. وقد زاد تدمير المدارس والمراكز الصحية من صعوبة ظروف حياتهم.
مئات الهجمات على المرافق الصحية
استناداً إلى بيانات منظمة الصحة العالمية للفترة من أكتوبر 2023 حتى نهاية ديسمبر 2025، سُجّل 931 هجوماً على الخدمات الصحية في غزة، أسفرت عن استشهاد 990 شخصاً وإصابة 1,651 آخرين. كما تضررت 176 منشأة صحية وعلاجية و216 من وسائل النقل الطبي أو خدماته.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية في تقريرها الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2026 أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة كانت تعمل بصورة محدودة أو جزئية، ولم يكن أي منها يعمل بكامل طاقته. وقد جعل نقص الأدوية والمعدات الطبية والوقود والإمكانات العلاجية، رعاية الجرحى والمرضى أمراً بالغ الصعوبة.
ويُعدّ الاستهداف المتعمّد للمستشفيات والمراكز العلاجية جريمة حرب، وقد ارتكب الكيان الصهيوني في هذا الشأن مئات الجرائم الحربية.
تدمير واسع للمنازل ونزوح قرابة مليوني شخص
بحسب تقارير نُشرت في أكتوبر 2026، كان نحو 201,290 مبنى في غزة قد لحقت به أضرار حتى 16 يونيو 2026، أي ما يعادل قرابة 82% من مباني القطاع، بينها أكثر من 134 ألف مبنى دُمّر بالكامل.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو مليون و900 ألف فلسطيني نزحوا خلال الحرب. وقد اضطرت أسر كثيرة إلى مغادرة أماكن سكنها مراراً، ولا يملك عدد كبير منها إمكانية العودة بسبب تدمير منازلهم.
كما تدل صور الأقمار الاصطناعية التي حلّلتها وكالة أسوشيتد برس في 7 أكتوبر 2026، على دمار واسع في المناطق السكنية في رفح وأجزاء من مدن غزة الأخرى.
أزمة المياه وانعدام الأمن الغذائي
وفقاً لتقرير قناة الجزيرة بتاريخ 7 أكتوبر 2026، يعاني نحو 91% من الأسر في غزة من انعدام الأمن المائي. ويشير التقرير إلى أن قرابة نصف سكان القطاع لا يتوفر لهم سوى أقل من ستة لترات من المياه يومياً للشرب والطهي.
وقد أدى تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية الحضرية، والنزوح الواسع، والقيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية، إلى زيادة خطر الأمراض المعدية والمشكلات الصحية. ومن جهة أخرى، دفع تدمير الأراضي الزراعية ومصادر الدخل مزيداً من الأسر إلى الاعتماد على المساعدات الغذائية.
تدمير المدارس وحرمان مئات الآلاف من الطلاب
استناداً إلى تقرير قناة الجزيرة الذي اعتمد على بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج نحو 93% من مدارس غزة إلى إعادة بناء كاملة، وقد حُرم أكثر من 700 ألف طالب من فرص التعليم النظامي المعتاد. كما أورد التقرير تدمير ما لا يقل عن 63 مبنىً جامعياً.
ولا يقتصر أثر تدمير المدارس والجامعات على الخسائر المادية، بل يمتدّ ليهدد المستقبل الدراسي لجيل بأكمله. فالحرمان الطويل من التعليم قد تترتب عليه تداعيات، منها التأخر الدراسي والأضرار النفسية وتراجع فرص العمل مستقبلاً.
استمرار الخسائر بعد إعلان وقف إطلاق النار
لم يُفضِ وقف إطلاق النار المعلن في 10 أكتوبر 2025 إلى إنهاء تامّ للخسائر والهجمات. فبحسب تقرير الجزيرة بتاريخ 7 أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الصحة في غزة أنه منذ بدء الهدنة وحتى ذلك التاريخ، استُشهد ما لا يقل عن 1,460 فلسطينياً وأُصيب 5,116 آخرون.
وتدل هذه الأرقام على أن إعلان وقف إطلاق النار وحده لم يكن كافياً لضمان أمن المدنيين. ولا تزال حماية السكان، وتأمين وصول مستدام للمساعدات الإنسانية، وتوفير الدواء والماء، وإتاحة إعادة بناء المنازل والبنى التحتية، من القضايا الجوهرية في أزمة قطاع غزة.
ثلاث سنوات من الحرب: آلاف الأسر الثكلى وأرض مدمَّرة
ترسم الإحصاءات المنشورة حتى أكتوبر 2026 صورة للأبعاد الواسعة للكارثة الإنسانية في غزة، إذ تشمل أكثر من 74 ألف شهيد مسجَّل، وأكثر من 175 ألف جريح، ونحو 1.9 مليون نازح، وأضراراً أو تدميراً طال قرابة 82% من المباني، فضلاً عن مئات الهجمات الموثّقة على الخدمات الصحية.
وليست هذه الأرقام مجرد إحصاءات؛ فكل رقم منها يشير إلى إنسان قضى أو أُصيب، وأسرة شُرّدت، وطفل حُرم من التعليم، ومجتمع يرزح تحت وطأة الخراب وانعدام مقومات الحياة الأساسية. وتبرز أبعاد هذه الكارثة ضرورة حماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، والمساءلة القانونية بشأن الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي.
القسم الثاني: سجلّ الإخفاق الفادح لتل أبيب
بعد ثلاث سنوات على اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، لم يعد ممكناً قياس حصيلة هذه الحرب بعدد الهجمات العسكرية أو حجم الدمار أو الخسائر البشرية وحدها. فالسؤال الجوهري هو: هل نجح الكيان الصهيوني في بلوغ أهدافه الاستراتيجية المعلنة؟ هل أُبيدت حماس؟ هل حُسمت قضية غزة وفق ما أرادته تل أبيب؟ هل استطاعت تل أبيب الحفاظ على مكانتها الدولية؟ وهل أفضت تكاليف الحرب إلى تعزيز اقتصاد هذا الكيان وأمنه؟
يُظهر استعراض التقارير المنشورة حتى أكتوبر 2026 أنه، على الرغم من الخسائر البشرية والدمار الواسع في غزة، لم تتحقق أهداف الصهاينة بعدُ، وأن تل أبيب واجهت في كثير من الجوانب إخفاقاً استراتيجياً، إذ فرضت عليها التكاليف الاقتصادية، والتوتر مع بعض حلفائها الغربيين، وتزايد الهجرة العكسية من فلسطين المحتلة، ضغوطاً إضافيةً. وفي هذا السياق، يمكن التوقف عند وصول الصهاينة إلى طريق مسدود في عدة أهداف رئيسية:
حماس والمقاومة الحاكمة في غزة!
كان من أبرز الأهداف التي أعلنها نتنياهو بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، القضاء على القدرة العسكرية لحركة حماس وعلى بنيتها الحاكمة. وقد كرّر بنيامين نتنياهو مراراً أنه يريد ألّا تتمكن حماس بعد اليوم من حكم غزة، ولا من تشكيل تهديد عسكري لتل أبيب. غير أن التقارير المنشورة في أكتوبر 2026 تفيد بأن حماس، رغم الضربات العسكرية الثقيلة، لم تزُل، وتمكنت من الحفاظ على جانب من نفوذها السياسي وهياكل إدارة الشأن العام في غزة.
ويقول تقرير تحليلي صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 6 أكتوبر 2026، إن حماس ما تزال تمارس سيطرة مدنية وسياسية فعّالة في غزة، ويوضح أن الحركة نقلت جانباً من أنشطتها من البنية الحكومية المركزية إلى شبكات لا مركزية.
كما أفادت وكالة رويترز في 6 أكتوبر 2026 بأن نزع سلاح حماس لم يُفضِ إلى نتيجة حتى الآن.
وعليه، فإن الكيان الصهيوني، رغم سنوات من الحرب، لم ينجح في القضاء التام على حماس، ولا في حسم مسألة حكم غزة وفق أهدافه المعلنة. وهذا يمثل من الناحية الاستراتيجية إخفاقاً فادحاً للصهاينة.
حرب غزة تعمّق العزلة الدولية للكيان الصهيوني
من أبرز تداعيات الحرب، تصاعد الانتقادات الدولية لسياسات تل أبيب واتساع الفجوة بينها وبين كثير من الدول. فقد زادت مشاهد قتل المدنيين، والتدمير الواسع للمناطق السكنية، والأزمة الإنسانية في غزة، من ضغط الرأي العام والحكومات على الصهاينة. وخلال كلمة بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، غادر وفود 77 دولة القاعة أو لم تحضر الجلسة.
وأفادت وكالة الأناضول في 25 سبتمبر 2026 بأن وفود نحو 77 دولة غادرت القاعة عند بدء كلمة نتنياهو، أو بقيت مقاعدها شاغرةً. كما أوردت وكالة أسوشيتد برس خبر الانسحاب الجماعي للمندوبين وخلوّ جزء كبير من مقاعد القاعة. ويُعدّ مغادرة القاعة أثناء كلمة زعيم سياسي في الجمعية العامة إجراءً رمزياً، قد يكشف عن استياء دبلوماسي ومعارضة لسياساته.
تصاعد الضغوط القانونية والدبلوماسية
ولم تقتصر الضغوط على الأمم المتحدة. فقد ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 بشأن الكيان الصهيوني وفلسطين، أن بعض الحكومات وضعت في عام 2025 على جدول أعمالها إجراءات، من قبيل تعليق نقل الأسلحة، وفرض عقوبات على المستوطنين العنيفين، وتقييد العلاقات التجارية المرتبطة بالمستوطنات الصهيونية. كما أفادت المنظمة بأن المفوضية الأوروبية طرحت مقترحاً بتعليق الشق التجاري من اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني، لكنه لم يُقرّ لعدم توافر دعم كافٍ بين الدول الأعضاء. وعلّقت بريطانيا بدورها مفاوضات التجارة الحرة مع الكيان الصهيوني.
وتدل هذه التطورات على أن حرب غزة لم تكن بالنسبة إلى الصهاينة مسألة عسكرية فحسب، بل أفرزت كلفة دبلوماسية وقانونية واسعة للغاية. فقد أدى تزايد الانتقادات، وتوجيه الاتهامات المتعلقة بانتهاك القانون الدولي، وبحث فرض قيود تجارية أو عسكرية، إلى مزيد من التعقيد في علاقات الصهاينة الخارجية.
ولهذا الانقسام بين تل أبيب وسائر دول العالم، ولا سيما في أوروبا، عدة تداعيات مهمة على الصهاينة:
أولاً: كلما اتسع الخلاف حول حرب غزة، ازداد الضغط على الصهاينة في سبيل الحفاظ على الدعم السياسي والعسكري من حلفائهم.
ثانياً: قد يؤثر الخلاف حول نقل الأسلحة أو التبادل التجاري في الحسابات الاقتصادية والأمنية لهذا الكيان.
ثالثاً: قد يرفع تصاعد الانتقادات الشعبية في الدول الغربية الكلفة السياسية للدعم غير المشروط للكيان الصهيوني بالنسبة إلى بعض الحكومات.
الكلفة الباهظة للحرب واقتصادٌ مثقَل بالأضرار
لم تقتصر حرب غزة على كلفتها العسكرية. فقد أدّى الاستدعاء الواسع لقوات الاحتياط، ونفقات تأمين الأسلحة والذخائر، ودفع التعويضات، وتعطّل نشاط المنشآت، وتكاليف إعادة الإعمار، إلى ضغوط كبيرة على اقتصاد الكيان الصهيوني وموازنته العامة.
وبحسب السعر الرسمي للبنك المركزي للكيان الصهيوني في 8 أكتوبر 2026، بلغ سعر الدولار الأمريكي الواحد نحو 3.084 شيكل.
ويُعدّ التقرير السنوي للبنك المركزي للكيان الصهيوني، وهو الجهة التي تنشر الإحصاءات الاقتصادية والمالية الخاصة بالكيان، من أهم المصادر لدراسة هذه المسألة. وبناءً على إحصاءات هذه الجهة، بلغت الكلفة المالية للحرب نحو 113.5 مليار دولار.
وقدّر البنك المركزي للكيان الصهيوني، في تقريره السنوي لعام 2025 الصادر في مارس 2026، أن الكلفة المالية للحرب التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 بلغت نحو 113.5 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2026. ويشمل هذا التقدير النفقات العسكرية والمدنية للحرب، ولا يشمل النفقات التي أُقرّت بعد بدء العمليات العسكرية ضد إيران في أواخر فبراير 2026. وقد سُجّل نحو 37.6 مليار دولار من نفقات الحرب في عام 2025.
ويدل هذا الرقم على أن الحرب تحوّلت إلى التزام مالي ضخم للغاية بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، وهي كلفة تستنزف الموارد العامة بعيداً عن قطاعات مثل التعليم والصحة والنقل والتنمية الاقتصادية، أو تدفع الحكومة إلى رفع الضرائب والاقتراض وخفض بعض أوجه الإنفاق.
تصاعد الدين العام وعجز الموازنة
وفقاً لتقرير البنك المركزي للكيان الصهيوني، ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60.5% في مطلع عام 2023 إلى 68.5% في نهاية عام 2025. كما بلغ عجز موازنة الحكومة المركزية في عام 2025 نحو 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وأكّد البنك المركزي أن نفقات الحرب فاقمت الضغوط المالية وأعباء الدين، وأن خفض هذه النسبة بصورة مستدامة يتطلب تخطيطاً مالياً متعدد السنوات.
ويعني ارتفاع الدين أن على الحكومة أن تخصّص في السنوات المقبلة موارد أكبر لدفع الفوائد وسداد التزاماتها. وفي حال بقاء النفقات العسكرية مرتفعةً، يضيق الحيّز المالي المتاح للاستثمار في القطاعات غير العسكرية.
ولتعويض هذه الكلفة، نفّذ الكيان الصهيوني في عام 2025 إجراءات منها رفع الضرائب والحدّ من بعض النفقات. ويشير تقرير البنك المركزي إلى أن الإجراءات الضريبية، التي بلغت نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام، أسهمت في خفض العجز. ويعني ذلك نقل جزء من العبء المالي للحرب إلى الموازنة العامة والاقتصاد الداخلي.
تراجع الإنتاج قياساً بمسار ما قبل الحرب
استناداً إلى التقرير ذاته، قُدِّرت الخسارة التراكمية في الناتج الاقتصادي للكيان الصهيوني، منذ بدء الحرب وحتى نهاية عام 2025، قياساً بالمسار الذي كان متوقعاً قبل الحرب، بنحو 177 مليار شيكل، أي ما يعادل نحو 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة واحدة.
وشدّد البنك المركزي للكيان الصهيوني في تقريره على أن تداعيات الحرب، ومنها الكلفة المالية وقيود عرض العمالة ومتطلبات إعادة الإعمار، ستواصل التأثير في الاقتصاد. كما ظل الاستثمار، حتى نهاية عام 2025، أدنى بنسبة 1.7% من مستواه قبل الحرب.
تفاقم الهجرة العكسية
من المؤشرات الأخرى التي حظيت بالاهتمام عند دراسة تداعيات الحرب، التغيّرُ في صافي الهجرة من الكيان الصهيوني. وتعني الهجرة العكسية ازدياد أعداد المغادرين من البلاد قياساً بأعداد القادمين إليها أو العائدين من المهاجرين.
ويُظهر التقرير السنوي للبنك المركزي للكيان الصهيوني لعام 2025، الصادر في عام 2026، أن أعداد المغادرين ارتفعت في عامي 2024 و2025، وأن صافي الهجرة أصبح سالباً. وبلغ متوسط صافي الهجرة في هذين العامين نحو سالب 20 ألف شخص سنوياً، في حين كان متوسطه بين عامي 2016 و2019 نحو موجب 20 ألف شخص سنوياً. ويعكس هذا الفارق تغيّراً يقارب 40 ألف شخص في المتوسط السنوي لصافي الهجرة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن صافي الهجرة في الكيان الصهيوني تراجع بصورة ملحوظة خلال فترة الحرب، مع تأثير عوامل متعددة. فانعدام الأمن، وطول أمد حالة الطوارئ، واستدعاء قوات الاحتياط، والقلق بشأن المستقبل الاقتصادي والأسري، واضطراب الحياة اليومية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قرار الأفراد بالبقاء أو مغادرة البلاد، وإن كان تحديد الوزن الدقيق لكل عامل متعذراً دون بيانات إضافية.
