الوقت- أثارت التطورات الأخيرة في منطقة شرق آسيا انتباه المراقبين لاسيّما بعد التوتر الشديد الذي نجم عن مواصلة كوريا الشمالية لتجاربها الصاروخية والنووية.
فبعد إطلاق "بيونغ يانغ" أربعة صواريخ باليستية باتجاه بحر اليابان الشهر الماضي وبذريعة الدفاع عن حلفائها في شرق آسيا لاسيّما كوريا الجنوبية واليابان سارعت أمريكا إلى تعزيز تواجدها العسكري في شرق آسيا ومن بينها نشر منظومة صواريخ "ثاد" في أراضي كوريا الجنوبية.
والسؤال المطروح: هل أن التحركات الأمريكية تهدف فقط إلى مواجهة كوريا الشمالية، أم أن أهدافاً أخرى تسعى واشنطن لتحقيقها في هذه المنطقة؟
الإجابة عن التساؤل تتلخص بما يلي:
بعد تسلم الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لمهام عمله في العشرين من يناير/كانون الثاني الماضي سعت الإدارة الأمريكية الجديدة إلى مواصلة ذات السياسة التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما" في شرق آسيا بهدف توسيع نفوذها في هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية من العالم.
ومن الأهداف الأخرى التي تسعى واشنطن لتحقيقها احتواء نفوذ الصين في عموم المنطقة خصوصاً في الجانب الاقتصادي، بعد أن نجحت بكين في مد نفوذها في هذا المجال إلى أغلب دول العالم بما فيها أمريكا.
وكان ترامب قد أعلن أثناء حملته الانتخابية بأنه سيرغم الدول الحليفة لواشنطن بدفع التكاليف الأمنية والعسكرية التي توفرها لهم، ومن بين هذه الدول كوريا الجنوبية واليابان. وهذا الإجراء يأتي في إطار مساعي إدارة ترامب لابتزاز هذه الدول بحجة الدفاع عنها في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية.
وبعد دخول ترامب البيت الأبيض وسعيه لترجمة شعاره الانتخابي "أمريكا أولاً" على أرض الواقع سارعت واشنطن لإثارة قضية كوريا الشمالية كذريعة لتعزيز وجودها العسكري في شرق آسيا. وتزامنت هذه الإجراءات مع جولة وزير الدفاع الأمريكي "جيمس ماتيس" في المنطقة التي شملت اليابان وكوريا الجنوبية والتي جاءت أيضاً بهدف تعميق الروابط السياسية والأمنية مع هذه الدول.
ويبدو أن تحالف واشنطن مع "طوكيو" و "سول" لا يستهدف فقط كوريا الشمالية، بل يتعداه لمحاصرة نفوذ بكين التي تمكنت إلى جانب نجاحها الاقتصادي من تقوية نفوذها العسكري في مياه بحر الصين الجنوبي.
وبعد الإجراءات التي اتخذتها الصين في هذا المجال ومنها إنشاء جزر صناعية في مياهها الإقليمية، ارتفعت حدّة التوتر في المنطقة، خصوصاً وإن هذه الإجراءات ترافقت مع اشتداد الأزمة بين بكين وطوكيو حول جزر "سنكاكو".
من جانب آخر زادت أمريكا ميزانيتها العسكرية إلى 54 مليار دولار هذا العام من أجل تقوية نفوذها العسكري في مناطق متعددة من العالم ومن بينها منطقة شرق آسيا، وهذا الأمر قد أثار حفيظة كوريا الشمالية والصين خصوصاً وإن الأخيرة قد اعترضت على نشر واشنطن لصواريخ "ثاد" في كوريا الجنوبية وطالبت بإزالتها باعتبارها تمثل تهديداً لأمنها القومي.
وتعتقد بكين بأن التعزيرات الأمريكية في المنطقة تستهدف في نهاية المطاف تطويق قدراتها العسكرية والاقتصادية تحت غطاء مواجهة كوريا الشمالية، ولهذا سارعت إلى نشر المزيد من قواتها في المياه الإقليمية ومن ضمنها بحر الصين الشرقي.
من خلال هذه المعطيات يمكن الاستنتاج بأن التلويح بمخاطر كوريا الشمالية ليس سوى ذريعة تتستر بها واشنطن لنشر قوات إضافية في شرق آسيا والحيلولة دون توسع نفوذ الصين التي باتت تؤرق الإدارة الأمريكية أكثر من أي وقت مضى بسبب نجاحاتها الكبيرة لاسيّما في الميدان الاقتصادي.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن الصين تسعى لتقوية تحالفاتها الإقليمية والدولية لمواجهة أي تهديدات أمريكية في المستقبل، إلى جانب مساعيها لتسوية الأزمات وفي مقدمتها الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، ولهذا طالبت بكين، كوريا الشمالية بوقف تجاربها الصاروخية والنووية، كما طالب كوريا الجنوبية واليابان بوقف مناوراتهما البحرية المشتركة مع أمريكا لإبعاد شرق آسيا عن التوترات الأمنية والعسكرية التي تغذي التوترات السياسية في هذه المنطقة الحساسة من العالم. ومن الإجراءات التي اتخذتها الصين لإثبات حسن نواياها تجاه "طوكيو" و "سول" وقف استيراد الفحم الحجري من كوريا الشمالية، الأمر الذي أثار غضب الأخيرة وجعلها تتهم بكين بخدمة المصالح الأمريكية.
