الوقت- أوقفت إسرائيل، لعدة أيام، دخول السلع التجارية إلى قطاع غزة، ونسبت ذلك إلى ما وصفته بنزاع بين التجار وحركة حماس حول رسوم الشاحنات. وشمل التوقف شحنات تجارية مثل الفاكهة والملابس الشتوية، ما قطع مصدراً مهماً للغذاء والإمدادات عن نحو 2.1 مليون شخص. وقال ناهض شحيبر، رئيس جمعية النقل الخاص في غزة، إن يوم الخميس لم يشهد دخول أي شاحنة تحمل منتجات تجارية من الجانب الإسرائيلي، وإن الحركة اقتصرت على شاحنات المساعدات وبعض البضائع القادمة من الجانب المصري عبر معابر يسيطر عليها الاحتلال. وأضاف أن إسرائيل هي التي فرضت القيود وتتخذ من الرسوم ذريعة لها. وهكذا تحول خلاف تجاري مزعوم إلى انقطاع فعلي في تدفق سلع يحتاجها السكان يومياً. وجاء ذلك بعد أكثر من عامين من الحرب يعتمد فيهما السكان على ما يدخل عبر المعابر لتأمين أبسط احتياجاتهم، فلا مخزون يعوّض النقص ولا إنتاج محلي يسد الفراغ، وهو ما يجعل أي انقطاع، ولو قصيراً، مؤثراً مباشرة في حياة الأسر.
رواية إسرائيلية ونفي غزي
زعمت هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (كوغات) أن التجار أبلغوا عن مطالبة حماس بنحو عشرة آلاف شيكل، أي قرابة 3200 دولار، عن كل شاحنة، وأن الحركة تفرض بيع 30 بالمئة من البضائع نقداً، ما يعيق التحويلات المصرفية. ونفى المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ذلك بشكل قاطع، مؤكداً أنه لم تُفرض ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية طوال السنوات الثلاث الماضية، وأن المبلغ المشار إليه مساهمة طوعية بمبادرة من الغرفة التجارية في صندوق للمحتاجين، بينهم الأرامل والأيتام. وأشار المكتب إلى أن إسرائيل تمنع إدخال السيولة النقدية منذ بداية الحرب، وهو ما فرض ترتيبات خاصة في التداول. وتبقى هذه الروايات المتضاربة عصية على التحقق المستقل، لكن الأهم أن الجهة التي تملك مفاتيح المعابر هي من اختارت معاقبة السوق كله. فحتى وفق الرواية الإسرائيلية نفسها، توقف التنسيق عبر قناة تتحكم إسرائيل بمفاتيحها، ما يضع المسؤولية على من يملك صلاحية الإذن بالدخول لا على التجار الذين لا يملكون سوى انتظار هذا الإذن.
أرقام الاتفاق والالتزامات
بموجب اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أمريكية، تلتزم إسرائيل بالسماح بدخول ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً، لكن دبلوماسيين يقولون إن العدد الذي يدخل عادة أقل بكثير. وقد زعم مسؤول إسرائيلي أن شاحنات القطاع الخاص تمثل نحو نصف الشاحنات التي تدخل غزة أسبوعياً، وإذا صح ذلك فإن وقفها يعني تعطيل نصف الإمدادات الأسبوعية تقريباً بذريعة خلاف لم يثبته أحد. وهذا يتناقض مع الحجة الإنسانية التي تقدمها إسرائيل عادة، فإيقاف النصف الأكبر من الشحنات لا يمكن أن يكون إجراءً موجهًا ضد جهة بعينها، بل ضغطاً على السكان جميعاً. وبحسب برنامج الأغذية العالمي، يعاني نحو 1.4 مليون فلسطيني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينهم نحو 200 ألف في ظروف طوارئ غذائية. ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، يلزم الاتفاق إسرائيل بإدخال 600 شاحنة يومياً دون ربط ذلك بخلافات من هذا النوع، فالمطلوب من الوسطاء ضمان التنفيذ لا قبول تبريرات متغيرة.
لماذا تهم السلع التجارية؟
قد يرى البعض أن المساعدات الإنسانية تكفي، لكن الواقع في غزة أعقد من ذلك. فشاحنات المساعدات تركز عادة على الاحتياجات الأساسية، بينما تؤمن الشحنات التجارية تنوع الغذاء والملابس والسلع التي تُباع في الأسواق وتبقي دورة الحياة اليومية مستمرة. ومع اقتراب الشتاء، تصبح الملابس الشتوية جزءاً من الأمن الإنساني لا ترفاً تجارياً، خصوصاً مع تحذيرات من أزمة إيواء تهدد نحو 300 ألف عائلة تحت خيام ممزقة. ويزيد من أهمية الاستيراد أن الاقتصاد المحلي منهار، إذ حذر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن نحو 92 بالمئة من المنشآت الاقتصادية في القطاع متضررة أو مدمرة، أي أن غزة لا تملك بدائل إنتاج محلية تعوض أي نقص يأتي من الخارج. وفي بيئة كهذه من المتوقع أن يؤدي أي تعليق للشحنات إلى ارتفاع الأسعار وشح السلع سريعًا، فيدفع الفقراء ثمن القرار قبل غيرهم، وهم أصلاً بلا دخل ثابت بعد انهيار سوق العمل.
استئناف تدريجي: التحكم بالقطّارة
بعد أيام من التوقف، أعلن منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية أن استئناف التنسيق لإدخال البضائع التجارية سيجري بصورة تدريجية، وزعم في بيان موجه إلى سكان غزة أن التجار علّقوا نشاطهم احتجاجاً على تهديدات حماس. وكلمة "تدريجي" ذات دلالة، فهي تعني أن تدفق الغذاء والسلع بات خاضعًا لقرار سياسي يتبدل بحسب الظروف، لا التزاماً ثابتاً يُنفَّذ كل يوم. وحذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من إجراءات إسرائيلية إضافية تفاقم الأزمة، وبعث رسائل إلى الوسطاء والجهات الدولية لتوضيح موقفه. وهذا النمط يتكرر: خلاف يُستخدم لتبرير تقييد جديد، ثم تخفيف جزئي يبقي الإمدادات دون المستوى المنصوص عليه في الاتفاق. فكل أزمة صغيرة تتحول إلى ذريعة لتقليص الإمدادات، بينما تُقدَّم العودة التدريجية على أنها تنازل إنساني لا استحقاق يفرضه الاتفاق، وهو ما يكرّس معادلة يبقى فيها الغذاء بيد من يملك المعابر.
القانون والمساءلة
يحظر القانون الدولي الإنساني العقاب الجماعي، ويلزم القوة التي تسيطر على المعابر بضمان وصول الغذاء إلى السكان المدنيين وعدم ربطه بنزاعات سياسية أو تجارية مع أطراف أخرى. وحتى لو افترضنا صحة الادعاءات الإسرائيلية بشأن الرسوم، فإن معالجتها لا تكون بحرمان أكثر من مليوني إنسان من الغذاء والملابس. ولذلك يحتاج الوسطاء الضامنون إلى آلية معلنة لمراقبة التزام الـ600 شاحنة يومياً، تنشر أرقاماً يومية وتتحقق من أي خلاف يُرفع ذريعةً للتقييد. كما أن إشراك الغرفة التجارية والتجار وجمعية النقل الخاص في هذه الآلية يمنح الرقابة مصداقية ميدانية، فهؤلاء الأقدر على توثيق ما يدخل فعلياً وما يُحتجز على المعابر، بعيداً عن بيانات الأطراف المتنازعة. ويبقى السؤال: هل ينجح الوسطاء في تحويل الاتفاق من نص تُفسّره إسرائيل بحسب الظروف إلى التزام يُقاس يومياً، أم يبقى الغذاء ورقة تُرفع وتُخفض في كل خلاف جديد؟
