الوقت- لم يعد الحديث عن نقل أساليب السيطرة في الضفة الغربية إلى جنوب سوريا توصيفاً يطلقه المعارضون وحدهم، فقد أشار تحقيق لصحيفة "هآرتس" إلى أن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بتسع نقاط تمركز في القنيطرة وغرب درعا، وينشط في نطاق تُقدَّر مساحته بنحو 600 كيلومتر مربع يضم عشرات القرى والبلدات، عبر حواجز ومداهمات واعتقالات. ورأت الصحيفة في افتتاحية لاحقة أن هذا الأسلوب في إدارة الجنوب السوري يشبه ما تتبعه إسرائيل في الضفة، ودعت إلى إنهاء وجودها العسكري هناك. وتكتسب هذه القراءة وزناً خاصاً لأنها تصدر من صحافة إسرائيلية، ولأنها تكشف أن ما يجري ليس سلسلة حوادث متفرقة، بل نمط له ملامحه المعروفة.
مواقع ثابتة ومناطق مغلقة
أولى طبقات هذا النموذج هي الانتشار الدائم. فبحسب رصد لمركز "سجل"، أقامت القوات الإسرائيلية تسع قواعد ونقاط عسكرية تمتد من قمة جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، تقع أربع منها خارج المنطقة العازلة. وتشرف قاعدة العدنانية على سد المنطرة، أكبر سدود الجنوب، الذي أصبح منطقة عسكرية مغلقة بعد التوغل في ديسمبر 2024. ويقول مصدر عسكري لموقع "عربي بوست" إن إسرائيل انتقلت من مرحلة الرد العسكري السريع إلى تثبيت حضور ميداني دائم، عبر نقاط ثابتة ودوريات شبه يومية داخل القرى والطرق الزراعية. وهذا المنطق، القائم على نقاط عسكرية ومناطق يُحظر دخولها، هو نفسه الذي حكم السيطرة الأمنية على أجزاء واسعة من الضفة منذ عقود. وتعتقد دمشق، بحسب المصدر ذاته، أن إسرائيل تسعى إلى تحويل القنيطرة القديمة المدمرة إلى مركز قيادة ومراقبة متقدم يدير القطاع الجنوبي كله، مع معلومات عن بنية اتصالات ومراقبة عسكرية جديدة، ما يعني أن الحضور لا يقتصر على نقاط متفرقة بل يتجه إلى منظومة متكاملة.
الحواجز والاعتقالات والتهجير
تقوم الطبقة الثانية على التحكم بالحياة اليومية، لا على المواجهات الكبرى. فتصف تقارير سياسة "الخنق الصامت" القائمة على توغلات خاطفة وحواجز مفاجئة ونقاط تفتيش دائمة، في منطقة بعمق نحو 15 كيلومتراً تتحول فيها القرى الحدودية إلى ثكنات معزولة عن محيطها. وتحدثت تقارير عن هدم منازل في بلدة الحميدية لإقامة قاعدة محصنة، ما أدى إلى تهجير عائلات فقدت مأواها ومصدر رزقها. ووثّقت لجنة حقوقية اعتقال 49 سورياً، بينهم طفلان، داخل سوريا حتى يونيو، ويُعتقد أنهم نُقلوا إلى إسرائيل. وهذه كلها أدوات مألوفة في الضفة: المداهمة الليلية، والاعتقال دون توضيح، وتقييد الحركة، وجعل الإقامة في المكان أكثر كلفة يوماً بعد يوم. وغاية هذه السياسة، كما يبدو من نمطها، ليست السيطرة على كل قرية بالقوة العسكرية، بل جعل السكان يشعرون بأن حياتهم اليومية مرهونة بقرارات جنود على حاجز، فيتحول الخوف نفسه إلى أداة ضبط تدفع بعض الأسر إلى الرحيل.
الأرض والمياه الجوفية: السيطرة على الموارد
الطبقة الثالثة هي الأرض والموارد. فبحسب "سجل"، رافق شق طريق عسكري من عين التينة إلى جنوب صيدا الحانوت اقتطاع ما لا يقل عن 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية والرعوية، إلى جانب ضم مواقع استراتيجية مثل تل عكاشة. ويشير مركز "شاف" إلى أن إسرائيل باتت تسيطر على نحو 40 بالمئة من الموارد المائية المشتركة بين سوريا والأردن، بعد احتلالها سد المنطرة الذي تبلغ سعته نحو 40 مليون متر مكعب. وفي الضفة، كانت الأرض والمياه دائماً مدخل التحكم بالسكان قبل أي حديث عن الحدود. والمياه هنا ليست تفصيلاً اقتصادياً، فخسارة سد يغذي القنيطرة والجنوب القاحل تعني التحكم بقدرة السكان على الزراعة والبقاء، وهو ما يمنح الاحتلال ورقة ضغط دائمة على القرى والحكومة المركزية معاً، حتى لو لم يطلق رصاصة واحدة.
البؤر المدنية: "رواد باشان" وتجربة الضفة
أما الطبقة الرابعة، وهي الأكثر حساسية، فهي محاولات إنشاء وجود مدني. فمنذ مطلع 2025 برزت حركة يمينية متطرفة باسم "رواد باشان" تعلن سعيها إلى إقامة مستوطنات في جنوب سوريا، وتضم ناشطين ومستوطنين قدموا من الجولان والضفة، وتنظم عمليات عبور وترفع الأعلام وتدعو إلى الاستيلاء على الأراضي الزراعية. ويخشى سوريون أن تستنسخ هذه الحركة نموذج البؤر الاستيطانية، بوجود مدني محدود يتوسع تدريجياً حتى يُطالَب باعتراف رسمي به. ورغم أن ما أُعلن حتى الآن يتصل بمبادرات متطرفة لا بقرار حكومي بإقامة مستوطنات داخل سوريا، فإن تخصيص نحو 334 مليون دولار لتوسيع الاستيطان في الجولان المحتل حتى 2030 يوفر قاعدة جاهزة لأي توسع لاحق. فالجولان لم يعد مجرد حدود سابقة بل منصة انطلاق لمشروع أوسع، والمستوطنون القادمون من الجولان والضفة يحملون خبرة ميدانية في إنشاء البؤر وفرضها، وهي خبرة طُبّقت في الضفة لعقود وصارت جزءاً من سياسة الأمر الواقع.
ما الذي يعنيه النموذج؟
يقوم النموذج على خطوات متراكمة تبدأ بالنقاط العسكرية والحواجز والاعتقالات، وصولاً إلى اقتطاع الأراضي وإنشاء البؤر المدنية، ثم التفاوض انطلاقاً من واقع جديد. وتُظهر تجربة الضفة الغربية أن الإجراءات المؤقتة قد تتحول إلى دائمة، مع تطور المبررات الإسرائيلية في الجنوب السوري من الأمن إلى حماية الأقليات، وصولاً إلى الأهداف الاستراتيجية. ومع استمرار المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، تبرز مخاوف من أن تمنح الاتفاقات غطاءً لما فُرض بالقوة. فهل يدرك المجتمع الدولي أن هذه الإجراءات ليست حوادث منفصلة، بل نمط يهدف إلى تكريس أمر واقع يهدد أمن سكان الجنوب السوري وأرضهم ومواردهم؟
