الوقت - يزور سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، طهران في زيارة عمل يوم الاثنين(19 أكتوبر)، حيث يلتقي نظيره الإيراني السيد عباس عراقجي ويجري معه محادثات. وتأتي الزيارة في خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار ضغوط واشنطن على طهران وموسكو، وسعي البلدين إلى توطيد تعاونهما الاستراتيجي. ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية الروسية، ستتناول المباحثات في محاورها الرئيسة بحث التطورات الإقليمية والدولية، والأوضاع المحيطة بإيران، وجهود موسكو لخفض التصعيد، وتنفيذ الاتفاقات السابقة بين البلدين.
طهران وموسكو: لاعبان في مواجهة الضغط الأمريكي
من أبرز الخلفيات التي تحيط بزيارة لافروف، أن إيران وروسيا تقفان أمام الظروف نفسها في مواجهة السياسات الأمريكية. فقد لجأت واشنطن في السنوات الأخيرة إلى العقوبات الاقتصادية والقيود المالية والضغوط الدبلوماسية للحدّ من قوة البلدين ونفوذهما. وفي الظرف الراهن، أدخلت الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، واستمرار المواجهة بين روسيا والغرب بشأن أوكرانيا، العلاقات بين طهران وموسكو في مرحلة بالغة الحساسية.
ومع أن الأهداف الإقليمية والأولويات الأمنية للبلدين لا تتطابق في كل الميادين، فإنهما يواجهان معًا سياسات تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليص قدراتهما الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية. وهذا ما يهيّئ أرضيةً خصبةً لمزيد من التنسيق السياسي والتعاون في المجالات المشتركة.
وبالنسبة إلى إيران، تمثّل روسيا قوةً كبرى قادرةً على أداء دور مؤثر في الدبلوماسية الدولية والتعاون الاقتصادي وقضايا الأمن الإقليمي. أما بالنسبة إلى موسكو، فإن الحفاظ على علاقات وثيقة مع طهران لا يعزّز حضورها في غرب آسيا فحسب، بل يتيح لها كذلك توسيع التعاون مع فاعل مؤثر في الخليج الفارسي وفي مسارات نقل الطاقة الاستراتيجية.
التعاون في وجه ضغوط واشنطن: من الدبلوماسية إلى الاقتصاد
يمكن عدّ بحث السبل العملية لتفعيل الاتفاقات السابقة، ورفع مستوى التنسيق بين البلدين في مواجهة الضغوط الخارجية، من أهم أهداف هذه الزيارة. فقد شدّدت إيران وروسيا في السنوات الأخيرة على توسيع التعاون في التجارة والنقل والطاقة والعلاقات المالية، وهي مجالات قد يسهم تطويرها في تخفيف جانب من آثار القيود الغربية.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن، في لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 8 أكتوبر، أن التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بأكثر من 21 بالمئة في عام 2025، وأن هذا المنحى استمر خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026. وتدلّ هذه الأرقام، على الأقل في حدود ما أُعلن، على أن التعاون الاقتصادي بين طهران وموسكو ما زال يملك طاقةً كامنةً للنمو.
وفي هذا الإطار، قد تحتلّ مسائل مثل تطوير ممرات النقل الدولية، والتعاون في مجال الطاقة، وتسهيل المبادلات التجارية، وإنشاء آليات مالية أقل تأثرًا بالعقوبات الغربية، موقعًا بارزًا في محادثات الطرفين. غير أن تحقيق هذه الغايات يظل رهنًا باتفاقات تنفيذية، وتذليل العقبات المصرفية والتجارية، وتقدير الكلفة المترتبة على العقوبات الأمريكية الثانوية.
ملف الحرب: اختبار حاسم لعلاقات طهران وموسكو
وستكون تطورات الحرب والوضع الأمني في الخليج الفارسي، من المحاور المهمة لزيارة لافروف أيضًا. فقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن محادثات طهران ستركّز على الأوضاع المحيطة بإيران، وعلى مساعي موسكو لخفض التوتر. ويأتي هذا الموقف في وقت ما زال فيه الخلاف بين طهران وواشنطن حول إنهاء الحرب، والترتيبات الأمنية في المنطقة، ووضع مضيق هرمز، ذا أهمية استراتيجية بالغة.
وبالنسبة إلى إيران، يمكن للتشاور مع روسيا أن يكون فرصةً لشرح مواقف طهران، والتنسيق بشأن التطورات الإقليمية، والإفادة من الثقل الدبلوماسي لموسكو في العلاقات الدولية. وفي المقابل، تحرص روسيا على منع اتساع رقعة عدم الاستقرار في المنطقة، لأن احتدام النزاعات قد يلقي بظلاله على أمن الطاقة والتجارة العالمية وعلاقات موسكو بدول المنطقة.
ضرورة الانتقال من العلاقات السياسية إلى التعاون العملي
يمكن النظر إلى زيارة لافروف بوصفها حلقةً في مسعى البلدين إلى ترسيخ شراكتهما الاستراتيجية، وتوسيعها في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية. وتقتضي المصالح المشتركة لإيران وروسيا أن يعمّقا تعاونهما في المجالات التي يتقاطع فيها منظورهما الاستراتيجي. ثم إن كلفة المواجهة مع واشنطن، والحرص على صون استقلال القرار، يضاعفان دافع الطرفين إلى توسيع التعاون. وتكمن أهمية زيارة لافروف في تحويل تلاقي المواقف السياسية إلى اتفاقات تنفيذية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية للبلدين.
