الوقت - في حين يدخل الصدام بين إيران والولايات المتحدة شهره السابع وسط استمرار المواجهات، إلا أن إطالة أمد هذا الوضع لم تنجح في النيل من عزيمة الشعب وإرادته في تسجيل حضوره الفاعل في المشهد.
وبعد أشهر من التجمعات الليلية، تحولت مناورات «فدائيو إيران» هذه المرة إلى مسرحٍ جديد لاستعراض هذا الحضور؛ مناوراتٌ شاركت فيها أطياف الشعب المختلفة بكثافة، مؤكدةً وقوفها وتلاحمها مع الجمهورية الإسلامية والقوات المسلحة، وتمسكها الراسخ بمبادئ الثورة.
انطلقت مناورات «فدائيو إيران» الكبرى يوم الجمعة بمشاركة الكتائب القتالية التابعة لحملة الفدائيين ومختلف شرائح المجتمع في العاصمة طهران، وبالتزامن في جميع أنحاء البلاد. وفي طهران، أُقيمت المناورات بمشاركة 313 ألفاً من الفدائيين، إلى جانب كتائب التعبئة القتالية، والمشاركين في الحملة، وجموع من المواطنين، في مسيرة امتدت من ساحة "الإمام الحسين (ع") وصولاً إلى ساحة "الثورة".
وشهدت المراسم حضور الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وعدد من القيادات العسكرية والمدنية. واعتبر بزشكيان في هذا الحشد الجماهيري أن المشاركة الواسعة لمختلف شرائح الشعب هي رمزٌ ساطع للرابطة العميقة التي تجمع الشعب بإيران، وتجسيد للإرادة الجماعية لصون كرامة البلاد واستقلالها ووحدة أراضيها واقتدارها، معرباً عن بالغ تقديره للحضور الواعي والمسؤول للشعب في هذه المناورات.
وفي السياق ذاته، اعتبر السيد حسين طائب، رئيس منظمة التعبئة، أن عبارة “فدائيو الوطن” تُمثل رمزاً لإضفاء الطابع الشعبي على الدفاع والأمن، قائلاً: «إن حملة الفدائيين ستكون تجلياً للاقتدار الوطني واستعداد البلاد للمواجهة والدفاع ضد أي تهديد، فضلاً عن كونها انطلاقةً لبناء الوطن وبلوغ قمم الحضارة».
من جهته، أعلن العميد حسن زادة، قائد فيلق طهران الكبرى، أن نحو 500 ألف شخص سجلوا أسماءهم للمشاركة في هذه المناورات في طهران. وقد ضمّت صفوف المشاركين طيفاً واسعاً ومتنوعاً من المجتمع، بدءاً من العائلات والشباب، وصولاً إلى المحاربين القدامى، والأطباء، وطلبة الجامعات والعلوم الدينية، والتجار، والفنانين، وغيرهم من النقابات والفئات الاجتماعية.
وبدورها، أوضحت لجنة تنسيق الإعلام الإسلامي أن الهدف من هذا الحضور، هو استعراض القدرة المجتمعية للحفاظ على التلاحم والصمود والاستعداد الوطني في ظل ظروف التهديد. وعليه، فإن إحدى السمات البارزة لـ «فدائيو إيران» تكمن في السعي لتجاوز القالب التقليدي للمناورات العسكرية الصرفة، وتحويلها إلى استعراض عام للجاهزية المجتمعية.
ومن بين الهوامش اللافتة لهذه المناورات، الحضور الرمزي لأعضاء من فصائل المقاومة على مستوى المنطقة، كاليمنيين، فضلاً عن مشاركة شخصيات من الأقليات الدينية، ومنهم الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في إيران.
وإلى جانب الحضور البشري، أُدرج عرض بعض المعدات الدفاعية ضمن جدول الأعمال؛ حيث جرى استعراض الطائرات الإيرانية المسيرة خلال المناورات في طهران، لتقديم صورة متكاملة عن القدرات الدفاعية للبلاد جنباً إلى جنب مع الحضور الشعبي.
وتخلل هذه المراسم أيضاً استعراض للكوادر النسائية على امتداد مسار المناورات. وهكذا، جمع المنظمون بين عنصرين أساسيين في مشهد واحد: «القدرة العسكرية» في الميدان، و«الحضور المجتمعي» في الشوارع.
بل إن البرامج الإعلامية المواكبة لهذه الحملة ذهبت أبعد من ذلك، لتركز على التدريبات العسكرية والإغاثية وتشكيل وحدات شعبية. وقد أفادت وسائل الإعلام المحلية أن هذه الحملة حظيت بترحيب واسع في وقت سابق، وأن التسجيل لتلقي التدريبات العسكرية والإغاثية في إطار الكتائب الشعبية لا يزال مستمراً.
إن إقامة هذا الحدث على أعتاب «أسبوع الدفاع المقدس»، وبعد أشهر من التوتر والمواجهات بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، لم يكن مجرد فعالية عسكرية أو تجمع سياسي؛ بل سعى القائمون عليه إلى تقديم صورة حية للتلاحم بين القدرات الدفاعية للبلاد والحضور المجتمعي للشعب.
رسالة إلى العدو الأمريكي-الصهيوني
ونظراً لانعقاد هذه المراسم في ظل ظروف الحرب المهيمنة بين إيران والعدو الأمريكي-الصهيوني، فقد تركزت شعارات الحاضرين، كالمعتاد، على هذين العدوين، مؤكدةً على قيم الصمود والمقاومة والتصدي لتهديدات أمريكا والكيان الصهيوني.
وقد شكلت الهتافات جزءاً أساسياً من رسالة هذا الحشد، حيث صدحت الحناجر بشعارات من قبيل «روحي فداء لإيران»، «الموت لأمريكا»، «الموت لإسرائيل»، «لبيك يا خامنئي»، وغيرها من الشعارات المرتبطة بالصمود والمقاومة. ومن هنا، لم تكن عبارة «فدائيو إيران» مجرد اسم لمناورة، بل استحالت إطاراً يُعرّف نمطاً جديداً من المشاركة العامة في أوقات الحروب والتهديدات.
وتتجلى إحدى أهم رسائل هذه المناورات، في إبراز التلاحم الداخلي أمام الضغوط الخارجية. وكان قائد فيلق طهران الكبرى قد صرح قُبيل المناورات بأن هدف العدو هو تقويض هذا التلاحم والوحدة، لكنه يرى أن حضور الشعب أثبت أن هذه الركائز تزداد رسوخاً وقوةً. كما اعتبر أن نزول الجماهير إلى الميادين والشوارع يُعد عاملاً أساسياً في تعزيز قوة الردع لدى القوات المسلحة.
وفي أحاديث لوسائل الإعلام، أكد عدد من المشاركين أن هدفهم من الحضور هو: «إعلان الجاهزية لمقارعة الاستكبار العالمي المتمثل في أمريكا و"إسرائيل"، وكل من تسوّل له نفسه الطمع في بلادنا». وقال أحدهم: «أتينا إلى هنا لنثبت لأمريكا وإسرائيل أننا لن نخذل وطننا ولن نتخلى عنه». وأضاف آخر يرتدي زياً عسكرياً بنبرة حازمة: «لن نخلع ثياب الحرب هذه حتى يتحقق الانتقام».
شدُّ الأزر وبثُّ الطمأنينة في نفوس القوات المسلحة
ورغم أن مناورات «فدائيو إيران» قد تختلف من حيث أعداد المشاركين عن المسيرات الوطنية المعتادة، إلا أنه لا يمكن قياس أهمية هذه المراسم بمجرد إحصاء الأفراد في الشوارع. فالرسالة المرجوة هي التأكيد على أن القدرة الدفاعية لا تُختزل في المعدات والصواريخ والطائرات المسيرة والقوات العسكرية فحسب، بل إن مستوى التلاحم الاجتماعي يُعد أيضاً جزءاً لا يتجزأ من القوة الوطنية. في مثل هذه الظروف، يحمل الحضور الشعبي رسالةً للقوات المسلحة الإيرانية مفادها أنه في حال استمرار التهديدات، فإن هناك ظهيراً مجتمعياً مرئياً وموثوقاً في الداخل.
ولهذا السبب، يمكن اعتبار إحدى الوظائف الرئيسية لهذه المناورات هي خلق حالة من «الطمأنينة المجتمعية وشد الأزر» للقوات المسلحة الإيرانية؛ أي التأكيد على أن الميدان العسكري ليس الساحة الوحيدة لمواجهة العدو، بل إن شريحةً واسعةً من المجتمع خلف الخطوط الأمامية تعتبر نفسها معنيةً ومكلفةً بقضية الدفاع عن الوطن.
وهو المعنى ذاته الذي يمكن التعبير عنه بمقولة: «الميدان للقوات العسكرية، والشارع للشعب»؛ وهي العبارة التي تحولت منذ بداية الحرب إلى أحد الشعارات المحورية في التجمعات الليلية الإيرانية، لتؤكد على الارتباط الوثيق بين نزول الشعب إلى الشوارع ودور القوات المسلحة في الميدان. فرغم أن القوات المسلحة الإيرانية تضطلع بمهمة المواجهة العسكرية، إلا أن الشعب بدوره، من خلال الحفاظ على تلاحمه واستعداده، يشكل الشق الآخر من القدرة الردعية للبلاد.
فشل سياسة الضغوط القصوى
وجاءت مناورات «فدائيو إيران» أيضاً في سياق تشكل فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية الخارجية، أحد المحاور الأساسية للنزاع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
لقد حاولت القيادات في واشنطن، من خلال تشديد العقوبات وتضييق خناق الحصار البحري، تعميق الفجوة بين الشعب ونظام الجمهورية الإسلامية. غير أن حضور الجماهير في مناورات الفدائيين يبعث برسالة ناصعة للأعداء، مفادها أن الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية لا يمكنها ببساطة أن تفصم العرى بين الشعب والنظام والقوات المسلحة. وهكذا، قدمت الشرائح المجتمعية المختلفة، باصطفافها إلى جانب القوات المسلحة، صورةً جليةً للتآزر والتضامن في مواجهة التهديد الخارجي.
وفي واقع الأمر، تحول الشارع في هذه المناورات إلى مسرح لاستعراض الظهير الشعبي، مُرسلاً إشارات تؤكد أن العدو لن ينجح، مهما شدّد من ضغوطاته الاقتصادية وتهديداته العسكرية، في إحداث شرخ بين المجتمع والقوات المدافعة عن البلاد.
إن استعراض القوات المنظمة، ومشاركة مختلف الفئات، وعرض الطائرات المسيرة، ورفع الأعلام الإيرانية وشعارات المقاومة، قد تضافرت جميعها لتشكّل لوحةً متكاملةً يمكن تلخيص رسالتها الأساسية في عبارة واحدة: إيران عازمة على استعراض قدراتها العسكرية وتلاحمها المجتمعي في آنٍ واحد، في مواجهة أي ضغط خارجي.
إن هذا الحضور الشعبي الكثيف يحمل رسالةً واضحةً لأمريكا والكيان الصهيوني مفادها أن سياسة الضغوط القصوى، سواء عبر تصعيد الخناق الاقتصادي أو التهديد العسكري، لن تؤدي تلقائياً إلى تغيير سلوك المجتمع الإيراني. بل على العكس، فكلما اشتدت وطأة الضغوط الخارجية، تعاظمت أهمية الحفاظ على التلاحم الداخلي والترابط بين المجتمع والنظام.
وخلاصة القول، أثبتت مناورات «فدائيو إيران» أن تصاعد الضغوط الخارجية لا يُفضي بالضرورة إلى إضعاف القدرة على الصمود لدى المجتمع الإيراني، بل يمكن أن يسهم في تعزيز جاهزيته وتماسكه المجتمعي. وفي هذا الإطار، فإن آمال واشنطن المعقودة على العقوبات الواسعة لكسر عزيمة الإيرانيين وإرادتهم، وإحداث صدع في صفوف الشعب والنظام، لن تحصد سوى الخيبة ولن تفضي إلى شيء.
