الوقت- نقلاً عن أخبار نشرتها وسائل إعلام دولية، يجري النظام السعودي مفاوضات أولية للحصول على قروض جديدة لا تقل عن 8 مليارات دولار، إذ أثرت الحرب في إيران سلبًا على الوضع المالي لآل سعود وعطّلت تجارتهم بشكل كبير.
وتدرس شركة النفط السعودية أرامكو إمكانية الحصول على قرض منفصل، في حين تواجه الرياض عجزًا قدره 9.1 مليار دولار في الربع الثاني من العام رغم ارتفاع أسعار النفط.
تسعى المملكة العربية السعودية، التي كانت تُعرف حتى وقت قريب في الرأي العام العالمي بثروتها النفطية الهائلة، إلى الحصول على قروض جديدة لا تقل عن 8 مليارات دولار. ولا يُعدّ هذا مجرد إجراء تمويلي، بل مؤشراً واضحاً على الضغط الشديد الذي يُعاني منه اقتصاد البلاد نتيجة للحرب والتطورات الإقليمية.
انكماش اقتصادي كلي: من النمو إلى الركود
دفعت الحرب الاقتصاد السعودي مباشرةً عن مسار النمو إلى الركود.
انهيار الناتج المحلي الإجمالي: في الربع الثاني من عام 2026، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة العربية السعودية بنسبة 4.8% على أساس سنوي، وهو أسوأ أداء لها منذ جائحة كوفيد-19 في عام 2020. ويُقارن هذا بنمو الاقتصاد بنحو 3% في الربع الأول، ما يُشير إلى تحوّل حاد ومفاجئ.
توقعات سنوية سلبية: نظراً لطول فترة تعطل حركة النفط في مضيق هرمز أكثر بكثير من التقديرات الأولية، توقعت مؤسسة BMI (التابعة لمؤسسة فيتش) انكماش الاقتصاد السعودي بنحو 1.3% في عام 2026.
ضربة قوية لقطاع النفط؛ جمود في الإيرادات
يعاني قطاع النفط، الركيزة الأساسية للاقتصاد، من ظروف غير مسبوقة.
انخفاض كارثي في الإنتاج: انخفض إنتاج النفط في الربع الثاني بنحو 25%. وتتوقع BMI أنه في حال استمرار حصار مضيق هرمز، قد ينخفض إنتاج النفط في الربع الثالث بنسبة 25% مقارنة بالعام السابق.
طرق تصدير محفوفة بالمخاطر: السبب الرئيسي لهذا الوضع هو "الإغلاق الفعلي" لمضيق هرمز. اضطرت المملكة العربية السعودية إلى استخدام طريق البحر الأحمر البديل، إلا أن هذا الطريق محدود السعة ويواجه مخاطر أمنية جديدة بسبب تهديدات القوات اليمنية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف النقل وأقساط التأمين.
فشل معادلة "التعويض بالحجم والسعر": على الرغم من أن متوسط سعر خام برنت لا يزال عند حوالي 87 دولارًا للبرميل، إلا أن الانخفاض الحاد في حجم الصادرات قد قلل بشكل كبير من عائدات النفط، وألغى فعليًا فوائد ارتفاع الأسعار.
عجز هائل في الميزانية؛ تكاليف باهظة للحرب والتحول
على الرغم من ارتفاع أسعار النفط نسبيًا في الأشهر الأخيرة، إلا أن عجز ميزانية المملكة العربية السعودية يُعد مؤشرًا خطيرًا.
في الربع الثاني من عام 2026، بلغ عجز الميزانية 9.1 مليار دولار، وبلغ إجمالي العجز في النصف الأول من العام 42.7 مليار دولار.
من جهة أخرى، اضطرت المملكة العربية السعودية، لمواجهة التهديدات الإقليمية، إلى زيادة الإنفاق العسكري والعام. وبلغ الإنفاق العسكري 33.2 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من الميزانية السنوية المعتمدة.
اقتصاد المملكة العربية السعودية في مأزق؛ من "مدخرات" إلى طالب قروض: متنفس السعودية تحت وطأة الحرب على إيران
يحذر خبراء الاقتصاد من أن هيكل الإنفاق الحكومي "يزداد جموداً" (غير مرن)، وحتى مع انتهاء الحرب، لن يكون من الممكن خفض بعض هذا الإنفاق الجديد بسرعة.
الحاجة المتزايدة للتمويل: من "مقرض" إلى "مقترض"
لسد هذه الفجوة المالية الهائلة، اتجهت السعودية بشكل كبير إلى التمويل الخارجي.
الاقتراض الحكومي: يسعى المركز الوطني لإدارة الدين إلى الحصول على قروض جديدة لا تقل عن 8 مليارات دولار. وفي عام 2026 وحده، أصدر القطاع الحكومي سندات بقيمة 6 مليارات دولار تقريباً.
تمويل الشركات المملوكة للدولة: تجري شركة أرامكو النفطية العملاقة محادثات مع البنوك للحصول على قروض، وقد جمعت بالفعل 4 مليارات دولار.
زيادة رأس المال من خلال صندوق الثروة السيادي: تمكن صندوق الاستثمارات العامة من جمع 7 مليارات دولار في مايو.
تُظهر هذه الإجراءات بوضوح تحوّل المملكة العربية السعودية من دولة مُصدِّرة لرأس المال إلى دولة مُستجدة للسيولة.
الأزمات المُباشرة والمتوسطة الأجل التي تواجه المملكة العربية السعودية
وبناءً على ما سبق، تتلخص التحديات الرئيسية التي تواجه المملكة العربية السعودية فيما يلي:
نقص السيولة على المدى القصير: تتمثل المشكلة الأولى والأكثر إلحاحًا في تمويل العجز الهائل في الميزانية الناتج عن تكاليف الحرب وانخفاض الإيرادات.
عائق رئيسي أمام رؤية 2030: تُعدّ الحرب الحالية العامل الخارجي الأكبر الذي يُعرقل خطة التحول الاقتصادي لرؤية 2030، وقد تُجبر الحكومة على إعادة النظر في أولوياتها للمشاريع الكبرى.
هشاشة هيكلية في الاقتصاد: كشفت الأزمة بوضوح عن اعتماد الاقتصاد السعودي الكبير على صادرات النفط ومضيق هرمز الحيوي.
تزايد المخاطر الجيوسياسية: أدى استمرار الصراعات الإقليمية إلى تدهور ثقة المستثمرين بشكل كبير، وزيادة المخاطر العامة التي تواجهها البلاد.
باختصار، تخضع المملكة العربية السعودية لاختبار حقيقي لقدراتها المالية نتيجة للصراعات الجيوسياسية. تكمن المشكلة الأساسية في أن الحرب استهدفت بشكل مباشر شريان الحياة لاقتصاد البلاد، ألا وهو صادراتها النفطية، مما اضطر المملكة إلى الاقتراض بكثافة لتمويل مشاريعها التحويلية الضخمة، في ظل تحملها التكاليف الباهظة للحرب. يشير هذا الوضع إلى أن المملكة النفطية تدخل مرحلة جديدة من التقشف المالي والضغوط الاقتصادية.
