الوقت- حين يعجز الاحتلال عن حماية أدواته، يبني لها متحفاً. هذا ما يفعله الكيان الصهيوني اليوم مع مرتزقته في غزة. جيش من العملاء صنعته أجهزة الاستخبارات على عجل، سلّحته، ألبسته قناع "المقاومة للمقاومة"، ثم اكتشف فجأة أن هذا الجيش الورقي لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي. مقتل ياسر أبو شباب لم يكن حادثاً عابراً، بل كشفاً فاضحاً لحقيقة بسيطة: العمالة لا تصنع رجالاً، والاستخبارات لا تصنع شرعية. اليوم، وبينما يستعد الاحتلال للانسحاب خلف الخط الأصفر، يجد نفسه أمام معضلة أمنية لا يملك لها حلاً سوى الحل الاستعماري القديم: عزل الخونة في محمية خاصة، بحراسة دولية، بعيداً عن غضب الشعب الذي باعوه. "رفح الجديدة" ليست مدينة، إنها زنزانة فاخرة بتمويل إماراتي، ومعتقل مفتوح لأولئك الذين ظنوا أن السلاح الصهيوني يشتري الولاء الأبدي.
حين يخاف الجلاد على أداته
المفارقة الأعمق في هذا المشهد أن كيان الاحتلال، الذي لم يتردد يوماً في التضحية بجنوده، يقلق اليوم على مصير عملائه أكثر من قلقه على أي شيء آخر. الشاباك، بكل ثقله الاستخباراتي، يعقد الاجتماعات الطارئة، لحماية شبكة العمالة من الانكشاف والانتقام. هذا القلق ليس إنسانياً، إنه قلق تشغيلي بحت: خسارة هذه العناصر شبه العسكرية تعني خسارة عيون الاحتلال وآذانه داخل القطاع، وخسارة الاستثمار الاستخباراتي الذي بُني على مدى أشهر الحرب. حين يُقتل عميل، لا يبكيه الكيان كإنسان، بل يحسبه كخسارة في ميزانية التجسس. وهذا وحده كافٍ لفضح طبيعة العلاقة: ليست تحالفاً، بل استخداماً واستهلاكاً، وحين تنتهي الصلاحية، يُبحث عن مستودع بديل. الخط الأصفر الذي سينسحب خلفه جيش الاحتلال سيترك خلفه هؤلاء عراة أمام غضب شعب يعرف تماماً من خانه، ومن باعه، ومن دلّ الطائرات على بيوت جيرانه.
مدينة بلا شعب، لعملاء بلا وطن
"رفح الجديدة" التي يجري الحديث عنها ليست مشروعاً إنسانياً لإعادة الإعمار، إنها مشروع عزل سياسي بامتياز. مدينة تُبنى بأموال إماراتية، تُحرس بقوة متعددة الجنسيات، وتُصمم خصيصاً لتكون خالية من حماس أي خالية من الإرادة الشعبية الفلسطينية الحقيقية. إنها بذلك أقرب إلى معتقل استعماري كلاسيكي منه إلى مدينة: سكانها الأوائل لن يكونوا نازحين يبحثون عن مأوى، بل عملاء يبحثون عن ملاذ من الحساب. هذا النموذج ليس جديداً في تاريخ الاستعمار: حين يفشل المشروع في اختراق المجتمع من الداخل، يُبنى له سياج، ويُسمى "منطقة آمنة"، بينما هو في الحقيقة قفص ذهبي لخدم النظام. والسؤال الذي يتهرب منه كل من يروّج لهذا المشروع: من سيضمن بقاء هذه المدينة "آمنة" حين تنسحب القوة الدولية يوماً؟ وهل ستتحول إلى معزل دائم، أشبه بجيوب العملاء التي عرفتها فلسطين في حقب استعمارية سابقة؟
حين ينهار الوهم أمام الواقع
اسم ياسر أبو شباب لم يعد مجرد اسم رجل قُتل، بل تحول إلى عنوان لفشل مشروع استخباراتي كامل. الاحتلال قدّمه للعالم بوصفه الرجل القوي القادر على منافسة حماس من الداخل، البديل المحلي الذي سيغني الكيان عن الاجتياح المباشر. لكن الرصاصة التي أنهت حياته أنهت معها وهماً استخباراتياً بأكمله. لقد راهن الشاباك على أن المال والسلاح يكفيان لصناعة زعامة، متجاهلاً أن الشرعية لا تُستورد، وأن الشعب الذي يعيش تحت القصف يعرف جيداً من يقصفه ومن يدله على أهدافه. فشل هذا النموذج ليس حادثاً فردياً، إنه إعلان فشل بنيوي لكل محاولات الاحتلال المتكررة، منذ "روابط القرى" في الثمانينيات إلى مليشيات اليوم، لاختراع سلطة بديلة بالوكالة. التاريخ هنا يعيد نفسه بمرارة: كل عميل قدّمه الاحتلال كـ"أمل جديد" انتهى إما مقتولاً على يد شعبه أو منبوذاً في مدينة معزولة ينتظر فيها بقية حياته.
العمالة استثمار قصير الأجل ينتهي بالخذلان
الدرس الأخير في هذه القصة موجّه لكل من يفكر يوماً في المساومة على دمه مقابل حماية مؤقتة من المحتل. العمالة، كما تثبت "رفح الجديدة" بامتياز، ليست عقداً دائماً، بل صفقة استخباراتية لها تاريخ انتهاء صلاحية. حين تنتهي فائدة العميل، لا يجد الاحتلال له مكاناً إلا خارج الجغرافيا التي خانها، في مدينة مصطنعة، بحراسة أجنبية، بعيداً عن أعين شعبه. هذا هو قدر كل من يظن أن السلاح المستورد من تل أبيب يشتري له مستقبلاً. الكيان الصهيوني، في نهاية المطاف، لا يحمي عملاءه لأنه يقدّر تضحياتهم، بل لأنه يخشى أن تنكشف للعالم حقيقة بشعة: أن "الشركاء المحليين" الذين تباهى بهم إعلامه لم يكونوا سوى أدوات استُهلكت ثم رُميت في قفص انتظار، بانتظار مصير لا يعرفه أحد، سوى أن الشعب الذي خانوه لن ينسى.
ختاماً، إنَّ مشهد رفح الجديدة وأمثالها من المشاريع المشبوهة، ليس مجرد تخطيط عمراني أو منطقة آمنة كما يُسوّق لها، بل هو اعترافٌ ضمنيُّ بهزيمة استراتيجية كبرى لكيان الاحتلال في معركة الوعي والإرادة. إنَّ بناء هذه الزنازين الفاخرة هو الفصل الأخير في مسرحية البديل المحلي التي فشلت في تقديم أي مشروع وطني، ولم تفلح إلا في إبراز وجه العمالة القبيح.
لقد أثبت التاريخ الفلسطيني، بدمائه وذاكرته الحيّة، أنَّ كلَّ محاولة لصناعة سلطة على قياس المحتل، سواء عبر روابط القرى قديماً أو عبر ميليشيات المرتزقة اليوم، تحمل في طياتها بذور فنائها. فالعميل الذي يظنُّ أنَّ حماية الشاباك أو التمويل الخارجي سيمنحه حصانةً من غضب التاريخ، يغفل عن حقيقةٍ ساطعة: أنَّ الشرعية لا تُكتسب في غرف التنسيق الأمني المظلمة، ولا تُشترى بمالٍ مشبوه، بل هي نتاجُ التحامٍ أبدي مع تطلعات شعبٍ يمتلك ذاكرةً لا تصدأ.
إنَّ هؤلاء الذين باعوا أنفسهم لمشاريع التصفية، سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف في مواجهة عزلةٍ وجودية؛ فإذا كان الاحتلال يخشى اليوم على أدواته من الانكشاف، فإنَّ غداً سيشهد تخليَه عنهم بمجرد أن تنتفي الحاجة التشغيلية لهم. حينها، سيكتشف المتعهد الصغير أنَّ المدينة التي بنوها له ليست وطناً ولا ملاذاً، بل هي محطة انتظار في طريق المنفى أو النسيان.
في نهاية هذا الصراع، ستبقى الحقيقة الأقوى: المقاومة فكرةٌ متجذرة في الأرض لا تُقتلع بالرصاص، والعمالةُ وصمةٌ لا تُمحى بمدنٍ معزولة. سيذكر التاريخ أنَّ كلَّ محاولة للالتفاف على إرادة الشعب الفلسطيني لم تكن سوى محاولة لكسر الصخر بالزجاج، وسيبقى الشعب حياً، والكيان وأدواته إلى زوال، في معزلٍ من صنع أيديهم، محاطين بجدران الخذلان التي شيدوها لأنفسهم، بعيداً عن كرامة الوطن الذي ظنوا أنهم يستطيعون بيعه.
