الوقت- شهدت العواصم والمدن الإسلامية في إيران والعراق ولبنان واليمن والبحرين مسيرات عاشورائية ضخمة، أحيا خلالها ملايين الشيعة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) في واقعة كربلاء. ولم تقتصر المراسم هذا العام على البعد الروحي والمجالس العزائية التقليدية، بل تحوّلت الحشود المليونية الهادرة إلى منصة سياسية كبرى، تصدرت القضية الفلسطينية والعدوان على غزة والجنوب اللبناني عناوينها العريضة، لتعكس الشعار التاريخي لذكرى عاشوراء "هيهات منا الذلة".
وفي العراق، بلغت المراسم ذروتها في مدينة كربلاء المقدسة، حيث تدفق ملايين الزوار من مختلف المحافظات العراقية ومن خارجها نحو مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام)، وغصت الشوارع المحيطة بالعتبتين المقدستين وباحة بين الحرمين بالمؤمنين الذين شاركوا في عزاء "ركضة طويريج" المليوني التاريخي وسط استنفار أمني وخدمي وصحي واسع. وتجلّت المواقف السياسية في كربلاء وبغداد والنجف عبر رفع الأعلام الفلسطينية إلى جانب الرايات العاشورائية، وصدرت مواقف حازمة من المرجعيات الدينية والقيادات السياسية تؤكد على نصرة الشعب الفلسطيني، والتنديد بالصمت الدولي تجاه المجازر المرتكبة بحق المدنيين، والتشديد على وحدة جبهات المقاومة.
وبالتزامن مع المشهد العراقي، عمت مسيرات العزاء مختلف المدن والمحافظات في الجمهورية الإسلامية في إيران، لاسيما في العاصمة طهران، وقم المقدسة عند مرقد السيدة المعصومة، ومشهد الرضا عند مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، حيث انطلقت مواكب اللطم والزنجيل التقليدية بمشاركة أطياف المجتمع الإيراني كافة وبحضور حاشد للقادة السياسيين والعسكريين.
وامتدت الشعارات العاشورائية في إيران لتلامس الواقع الإقليمي؛ حيث أكدت الخطابات الرسمية، لاسيما الكلمات التي ألقيت في ساحة "الإمام الحسين" بطهران، على استمرار دعم طهران لـ"محور المقاومة"، واعتبر المتحدثون أن المعركة الحالية في غزة هي امتداد لمعركة كربلاء بين الحق والباطل، مجددين الالتزام بمساندة القضية الفلسطينية حتى التحرير.
وتحت القصف والحصار، لم يغيب اليمنيون عن المشهد، بل رسموا لوحة بشرية مهيبة في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات كصعدة والحديدة تعبيرًا عن التضامن والولاء، حيث خرجت مسيرات جماهيرية حاشدة ضاقت بها الساحات الرئيسية، وردد المشاركون الهتافات العاشورائية والشعارات الثورية. وأطلقت القيادة اليمنية مواقف سياسية عالية السقف ربطت فيها مظلومية الإمام الحسين بمظلومية الشعبين اليمني والفلسطيني، وأكدت البيانات الختامية للمسيرات استمرار العمليات العسكرية اليمنية في البحار إسنادًا لغزة، مشيرة إلى أن التهديدات الأمريكية والبريطانية لن تثني اليمن عن موقفه المبدئي والقرآني.
وفي البحرين، أحيا المواطنون المراسيم العاشورائية في مختلف القرى والبلدات، مع التركيز التاريخي في العاصمة المنامة ومنطقة الدير والسنابس والبلاد القديم، وشهدت شوارع المنامة مواكب عزاء ضخمة التزم فيها المعزون باللباس الأسود والرايات الحسينية رغم القيود الأمنية والتضييقات التي فرضتها السلطات على بعض المظاهر والمواكب. وقد صدحت حناجر المعزين في البحرين بهتافات نصرة الأقصى وفلسطين، وتحولت المنابر إلى منصات لرفض التطبيع الرسمي مع الكيان الإسرائيلي، والمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، مؤكدين أن إحياء عاشوراء هو رسالة حرية وعدالة لا يمكن طمسها.
أما في لبنان، فقد كان لإحياء الذكرى طابع استثنائي ومصيري هذا العام، نظرًا للارتباط المباشر بالجبهة المشتعلة في الجنوب اللبناني إسنادًا لقطاع غزة، وشهدت الضاحية الجنوبية لبيروت، ومدن صور والنبطية وبعلبك ومختلف قرى الجنوب والبقاع مسيرات عاشورائية حاشدة، حيث اخترقت المسيرة المليونية في الضاحية الشوارع الرئيسية لتلتقي في المربع الأمني، ورُفعت رايات عزاء عملاقة وأعلام فلسطين وحزب الله وسط هتافات التلبية للحسين والمقاومة.
وكانت المحطة الأبرز في المسيرة المركزية بالضاحية الجنوبية لبيروت الكلمة السياسية المباشرة التي ألقاها نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، والتي حملت رسائل سياسية وعسكرية بالغة الأهمية والدلالة في هذا التوقيت الحرج، حيث أكد على ثبات موقف المقاومة الإسلامية في لبنان، معلنًا أن جبهة الجنوب هي جبهة إسناد حقيقية لغزة ولن تتوقف إلا بتوقف العدوان الإسرائيلي كاملاً على القطاع، معتبرًا أن هذا الموقف ينطلق من الواجب الديني والإنساني والعاشورائي الذي يرفض رؤية المظلوم دون نصرته.
وتوجه الشيخ قاسم إلى قادة الكيان الإسرائيلي بالقول إن التهديدات بشن حرب واسعة على لبنان لا تخيف المقاومة التي جهزت نفسها لكل الاحتمالات، موضحًا بعبارات حاسمة أن أي توسيع إسرائيلي للمواجهة سيُقابل بتوسيع في المدى والنوع والعمق من قبل المقاومة، مشددًا على أن زمن الاستفراد قد ولى. ولم يغفل الخطاب الشأن الداخلي اللبناني، حيث دعا الشيخ قاسم القوى السياسية اللبنانية إلى الوعي بخطورة المرحلة والالتفاف حول خيار حماية البلد، مشيرًا إلى أن المقاومة بحربها الاستباقية في الجنوب تحمي كل لبنان بكل طوائفه ومناطقه من الأطماع الإسرائيلية التاريخية.
وتنتهي مراسم عاشوراء هذا العام لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة في المنطقة؛ فقد أثبتت المسيرات الممتدة من طهران إلى بيروت أن الذكرى لم تعد مجرد طقس بكائي وتاريخي، بل تحولت إلى بيان سياسي وعسكري متكامل، يربط الساحات، ويثبت المعادلات، ويؤكد أن كربلاء ما زالت قادرة على تحريك الملايين وصناعة الأحداث السياسية الكبرى في الشرق الأوسط.
