الوقت - مع صدور النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية في الكيان الصهيوني، دخل التنافس على كرسي رئاسة الوزراء مرحلةً جديدةً. وقد أبلغت جميع الأحزاب الفائزة بمقاعد في الكنيست إسحاق هرتسوغ، رئيس الكيان، بمواقفها وخياراتها، ليختار على ضوء آراء النواب من يكلّفه بتشكيل الحكومة المقبلة.
وكما كان متوقعاً، صارت الأحزاب العربية لاعباً مؤثراً في مسار تشكيل الحكومة المقبلة للكيان الصهيوني، وخطت بموقفها الأول خطوةً مهمةً لإظهار ثقلها السياسي وحضورها في معادلات القوة.
وفي هذا السياق، أعلنت «القائمة المشتركة»، وهي تحالف الأحزاب ذات الأصول العربية في الأراضي المحتلة والتي حصدت 11 مقعداً في الانتخابات الأخيرة، يوم الخميس أنها أوصت إسحاق هرتسوغ بغادي آيزنكوت، غريم بنيامين نتنياهو، رئيساً للوزراء. كما أعلنت القائمة العربية «رعام»، ولها 8 مقاعد في الكنيست، دعمها لآيزنكوت.
وترى هذه التحالفات العربية أن خطوةً كهذه من شأنها أن تعزّز فرص تغيير الحكومة، وتقلّص احتمال قيام حكومة ائتلافية تُبقي نتنياهو في السلطة.
وقال يوسف جبارين، أحد قادة القائمة المشتركة، إن حزبه لا يطلب حقائب وزارية، لكنه مستعد لدعم حكومة بقيادة آيزنكوت من خارجها. أما أحمد الطيبي، وهو من أركان القائمة المشتركة، فأشار إلى ضرورة تغيير الحكومة، وقال: «نريد أن نفعل ما لم نفعله في الماضي، لإزاحة هذه الحكومة المجرمة».
وفي الوقت نفسه، رشّحت الأحزاب الصهيونية بدورها آيزنكوت لرئاسة الوزراء. فقد أعلن رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، زعيم حزب «بياحد» (معاً)، أن حزبه سيزكّي لدى هرتسوغ غادي آيزنكوت، رئيس حزب «يشار»، مرشحاً لتشكيل الحكومة. وأعلن حزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان، تأييدهما لآيزنكوت كذلك.
وبدعم العرب، بات 67 نائباً من نواب البرلمان الإسرائيلي المقبل يؤيدون آيزنكوت، فيما لا يحظى نتنياهو إلا بتأييد 46 نائباً. غير أن ذلك لا يعني أن الأحزاب ستنضم إلى ائتلاف آيزنكوت.
وبعد أن حسمت الأحزاب كافةً خياراتها، أعلن هرتسوغ أنه سيكشف يوم الأحد (8 نوفمبر) عن المرشح الذي يقع عليه اختياره لتشكيل الحكومة. وأكد في الوقت ذاته أنه، رغم تفوّق آيزنكوت عددياً في المشاورات، لم يتبيّن بعدُ أيّ المرشحين أقدر على بناء ائتلاف مستقر. وشدّد على أنه سيلتقي بعض زعماء الأحزاب كلاً على حدة قبل القرار النهائي، ليستطلع إمكانية تقريب وجهات النظر وتشكيل حكومة راسخة.
ومع أن آيزنكوت يستطيع، بكسب دعم الأحزاب العربية، أن يمهّد لقيام حكومة ائتلافية، فقد يكون الثمن خسارة دعم بعض حلفائه وفي مقدمتهم ليبرمان. فالأحزاب الصهيونية المنضوية في ائتلاف آيزنكوت تعارض بشدة أي تعاون سياسي مع القائمة العربية. ويظل يائير غولان حتى الآن الوجه السياسي الوحيد في هذا التيار الذي تحدّث علناً عن ضرورة كسر هذا المحظور. فهو يرى أن منع استمرار اليمين في الحكم وإزاحة نتنياهو يقتضيان طيّ الخلافات السياسية، والنظر في إمكانية التعاون والائتلاف مع الأحزاب العربية أيضاً.
المهلة القانونية لتشكيل الحكومة
وفقاً لقانون الكيان الصهيوني، يكلّف رئيس الكيان أحد النواب بتشكيل الحكومة المقبلة بعد التشاور مع الأحزاب الفائزة. ويُمنح المكلَّف 28 يوماً لكسب تأييد الأحزاب وتأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، ويمكن تمديد هذه المهلة 14 يوماً إضافياً عند الحاجة.
فإن أخفق المكلَّف الأول في هذه المدة، اختار الرئيس شخصاً آخر لهذه المهمة، يُمنح بدوره 28 يوماً ليؤلّف حكومته عبر ائتلاف الأحزاب المختلفة.
وإذا أخفق الثاني، جاز لرئيس "إسرائيل" أن يكلّف ثالثاً، لا تتجاوز مهلته هذه المرة 14 يوماً ليبذل فيها محاولته الأخيرة.
وإن لم تُفضِ هذه المحاولة إلى نتيجة، ولم يتحقق اتفاق بين الأحزاب على ائتلاف، حُلّ البرلمان الحالي وأُجريت انتخابات مبكرة في الأشهر المقبلة. وقد تكرّرت مثل هذه المآزق السياسية مراراً في تاريخ الكيان الصهيوني، ولا يُستبعد اليوم أن يعود هذا المسار المُنهِك فيتكرر مرةً أخرى.
لقد زاد دعم الأحزاب العربية لآيزنكوت المشهد السياسي تعقيداً أمام نتنياهو. فهو الذي طالما هاجم النواب العرب في الكنيست، وحاول حتى تبرير إخفاقه الانتخابي بتحميل الأحزاب العربية المسؤولية، يواجه اليوم احتمال قيام ائتلاف قد يغيّر موازين القوى، وينتهي به إلى الاعتزال السياسي إلى الأبد. ذلك أن تشكيل المعارضة للحكومة يرفع احتمال إعادة فتح ملفات الفساد المتعلقة به، والتحقيق في أدائه خلال الحرب على غزة، وهو مسار قد تترتب عليه تبعات قضائية ثقيلة، بل قد يفضي إلى سجنه.
زلزال في ائتلاف نتنياهو
ولا تقف مخاوف نتنياهو عند حدود دعم الأحزاب العربية لآيزنكوت، فقد انصدع صفّ اليمين نفسه انصداعاً خطيراً، وفقد نتنياهو تأييد أحد حلفائه من الأحزاب الدينية، وهو ما قد يُضعف فرصه في إعادة انتخابه رئيساً للوزراء.
فقد أعلن حزب «يهدوت هتوراة» (اليهودية التوراتية المتحدة)، أحد الحلفاء التقليديين لبنيامين نتنياهو، خلال لقائه هرتسوغ، أنه لن يوصي بأي مرشح لتشكيل الحكومة المقبلة. وفي تفسير القرار، قال رئيس الحزب إسحاق بيندروس إن الدفاع عن حقوق طلاب العلوم الدينية التوراتية ومكانتهم مقدَّم عند حزبه على تشكيل الحكومة، وطالب الحكومة المقبلة بأن تجعل معالجة أوضاع طلاب المعاهد الدينية في صدارة برامجها. وأكد بيندروس: «جئنا لنتحدث عن القضايا، لا عن الأشخاص».
وقد أدى هذا القرار حالياً إلى خسارة نتنياهو دعم سبعة نواب من الحزب الأرثوذكسي، وإن لم يعنِ ذلك استبعاد هذا الحزب نهائياً من الائتلاف المحتمل مستقبلاً.
ويسعى هذا الحزب، إلى جانب «شاس»، الحزب الأرثوذكسي اليهودي الآخر، منذ زمن إلى الحفاظ على إعفاء طلاب العلوم الدينية من الخدمة العسكرية. وقد أبقى نتنياهو على هذا الإعفاء، لكنه امتنع عن تحويله إلى قانون مُقَرّ، لأن المسألة تواجه معارضةً شديدةً من كثير من الإسرائيليين، لا سيما في ظل استدعاء قوات الاحتياط مراراً بسبب الحروب في غزة ولبنان والمواجهة مع إيران.
ورغم امتناع «يهدوت هتوراة» عن دعم نتنياهو، لا تزال الأحزاب اليمينية الأخرى تؤيد رئيس الوزراء الحالي، لاعتبارات وحسابات سياسية وحزبية. ففي هذا الإطار أعلن حزب «عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير دعمه لنتنياهو. كما أعلنت «شاس» و«الصهيونية الدينية» و«زهوت» أنها تطالب بإسناد مهمة تشكيل الحكومة إلى نتنياهو. ومن المتوقع أن يزكّي حزبا «الليكود» و«القوة اليهودية» نتنياهو لتشكيل الحكومة كذلك.
وفي وقتٍ تسعى فيه المعارضة إلى طيّ خلافاتها لتأمين الأغلبية اللازمة لتأليف الحكومة، يقف نتنياهو أمام طريق وعرة وعقبات سياسية جمّة في سبيل الحفاظ على السلطة.
