الوقت - طُويت الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026 على هزيمة قاطعة للجمهوريين، ولترامب بطبيعة الحال. وقد جرت في أجواءٍ غدت فيها السياسة الخارجية لإدارة دونالد ترامب، ولا سيما الحرب مع إيران، من القضايا المفصلية المؤثرة في المناخ السياسي والاقتصادي الأمريكي.
وكانت استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات في معظمها تُظهر أن الحرب مع إيران لا تحظى بتأييد الأمريكيين. وقد أقرّ ترامب نفسه، وهو يتجرّع مرارة الهزيمة، بأن الإخفاق في حرب إيران كان من العوامل الرئيسة في نتيجة الانتخابات، وقال إن هذه الحرب تركت أثرها في المرشحين الجمهوريين: «أظن أن جزءاً من ذلك يعود إلى إيران، لكن الناس في الوقت ذاته كانوا يدركون أهمية ما فعلته مع إيران».
فالحرب التي بدأتها إدارة ترامب، على الأرجح بحسابات التفوق العسكري وأمل الظفر السريع المبهر، أفضت تدريجياً إلى تبعات تجاوزت ساحة المعركة، وبلغت مباشرةً الحياة الاقتصادية للمواطنين الأمريكيين. وتجلّت آثارها في تراجع الرضا العام عن أداء الإدارة، ثم في سلوك الناخبين في صناديق الاقتراع. ولهذا يمكن عدّ نتائج الانتخابات النصفية مؤشراً على ارتفاع الكلفة السياسية لقرارات ترامب العسكرية، وعلى تراجع مكانة الحزب الجمهوري.
وبحسب التقارير المنشورة عن النتائج الأولية، تمكّن الديمقراطيون من الفوز في عدة سباقات مهمة، وفقد الجمهوريون جانباً من مواقعهم الانتخابية.
وكان فوز روي كوبر في كارولاينا الشمالية، واحتفاظ الديمقراطيين بمقاعدهم في جورجيا ونيوهامبشاير، من أبرز نتائج هذه السباقات. وتزداد دلالة هذه التحولات حين نعلم أن بعض هذه المنافسات جرت في ولايات كان ترامب والجمهوريون يتمتعون فيها بحضور انتخابي لافت من قبل. وهذا يدل على أن السخط على أداء الإدارة، استطاع أن يتجاوز القاعدة التقليدية للديمقراطيين.
ومع أن الطريق إلى الفرز النهائي للأصوات لم ينتهِ بعد، فقد توقعت شبكة «إن بي سي» أن يتكبّد حزب ترامب أثقل هزيمة له في مجلس النواب. وبحسب الأصوات المحتسبة حتى الآن، حصد الديمقراطيون 208 مقاعد والجمهوريون 114 مقعداً في مجلس النواب.
ووفق التقرير ذاته، سيظفر الديمقراطيون بـ244 مقعداً في مجلس النواب الأمريكي، علماً أن الحزب الذي ينال 218 مقعداً يتولى زمام السيطرة على المجلس. وفي مجلس الشيوخ أيضاً يفقد الجمهوريون الأغلبية.
غير أن السؤال الجوهري هو: كيف استطاعت حرب إيران أن تغدو أحد العوامل المؤثرة في تحوّل كهذا؟
يجب أن نلتمس الجواب في الصلة الوثيقة بين الأمن الدولي والاقتصاد الأمريكي الداخلي. فقد تكون إدارة ترامب ظنّت أن تبعات الحرب ستظل حبيسة الرقعة الجغرافية لغرب آسيا، غير أن أهمية مضيق هرمز ومكانته في نقل الطاقة إلى العالم، أجهضتا إمكانية بقاء آثار هذا الصراع محصورةً.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي في الخليج الفارسي، بل هو من أهم شرايين نقل النفط ومشتقات الطاقة في الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في حركة العبور عبر هذا المجرى، ولو كان محدوداً بمدة زمنية معينة، قادر على تغيير توقعات الأسواق، ورفع كلفة الشحن والتأمين على السفن، وممارسة الضغط على أسعار الطاقة.
وفي ظروف كهذه، خلّف إغلاق مضيق هرمز واضطراب تدفق الطاقة، تبعاتٍ تجاوزت دول المنطقة.
وأمريكا، رغم ما تملكه من طاقة إنتاجية محلية، ليست بمنأى عن تقلبات السوق العالمية. فأسعار البنزين والديزل فيها تتوقف على عوامل شتى، منها سعر النفط عالمياً، وكلفة التكرير، والنقل، وظروف العرض والطلب.
ولذلك فإن تصاعد المخاطر في واحد من أهم مسارات الطاقة في العالم، قد يفضي إلى ارتفاع كلفة الوقود في السوق الأمريكية الداخلية.
ولا بد من الإقرار بأن أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى إدارة ترامب، تكمن في أن ارتفاع أسعار الطاقة حدث في وقت كانت فيه شريحة واسعة من المجتمع الأمريكي لا تزال ترزح تحت ضغط تكاليف المعيشة.
فبالنسبة إلى الأسرة الأمريكية، ليس ارتفاع سعر البنزين مجرد مؤشر اقتصادي، بل يعني زيادةً في كلفة التنقل ونقل السلع والخدمات، وارتفاعاً في أسعار منتجات أخرى في بعض الأحيان. وتزداد هذه المسألة وطأةً على الأسر محدودة الدخل والطبقة المتوسطة، التي تنفق جزءاً كبيراً من دخلها على الضروريات.
وهكذا، فإن حرباً قد تبدو في نظر الإدارة الأمريكية إجراءً لتأمين الأمن أو بلوغ أهداف استراتيجية، تجلّت في الحياة اليومية للمواطنين ارتفاعاً في الأسعار وغلاءً في الكلفة. وهذه الهوّة بين مبررات السياسة الخارجية للإدارة وتجربة الناس الاقتصادية، هي ما هيّأ التربة لنشوء السخط السياسي.
ويجدر التذكير بأن استطلاع «رويترز/إبسوس» المشترك في منتصف أكتوبر، قدّم صورةً جليةً لهذا الوضع. فبحسب نتائجه، لم يؤيد الضربات العسكرية الأمريكية على إيران سوى 34 في المئة من الأمريكيين، بينما رأى 54 في المئة أن هذا الإجراء لا يستحق كلفته. وتشير هذه الأرقام إلى أن إدارة ترامب لا تواجه صعوبةً في إقناع الرأي العام بضرورة الحرب فحسب، بل تقف كذلك أمام أسئلة جادة في تفسير ما أحرزته من مكاسب.
وفي مثل هذا المناخ، انتقلت مسألة الحرب من شأنٍ اختصاصي في السياسة الخارجية إلى معيار لتقييم أداء الرئيس. وصار بوسع الناخبين أن يتساءلوا: إذا كان الغرض من الحرب تعزيز أمن أمريكا وخدمة مصالح مواطنيها، فلماذا ارتفعت الكلفة الاقتصادية، ولماذا لا يلوح في الأفق أي أمل واضح بنهاية للصراع؟
أما النقطة المهمة الأخرى فكانت ارتباط الحرب ببقية سياسات ترامب الاقتصادية. فالرسوم الجمركية، والخلافات الاقتصادية مع الشركاء الخارجيين، والقلق من ارتفاع أسعار السلع، كانت جميعها قد أثّرت في الأجواء العامة قبل الانتخابات.
وعلى هذا النحو، لم تكن حرب إيران عامل سخط إلى جانب عوامل أخرى فحسب، بل كانت الشرارة التي فجّرت جملةً من الهواجس الاقتصادية، فأضعفت في مجموعها موقع الجمهوريين الانتخابي.
كما يُظهر تقرير «رويترز» عن استطلاعات الرأي لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، أن شريحةً واسعةً منهم رأت أن سياسات ترامب، ومنها حرب إيران والرسوم الجمركية، أسهمت في تعسير أوضاعهم الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، كان تراجع شعبية ترامب وانحسار التأييد الانتخابي له بين فئات مثل الشباب والناخبين من أصول لاتينية وبعض سكان المناطق الريفية، دليلاً على اتساع رقعة السخط.
وتكمن أهمية ذلك في أن فوز ترامب الانتخابي في الماضي قام، إلى حدٍّ ما، على قدرته على استمالة ناخبين ابتعدوا عن السياسيين التقليديين، ووثقوا بوعوده الاقتصادية وبشعار تقديم مصالح أمريكا أولاً. أما اليوم، فقد أصاب الشك جانباً من رصيده الاجتماعي هذا.
وفي خضم ذلك، تحظى مسألة مضيق هرمز بأهمية استراتيجية. فمع بدء العدوان الأمريكي الصهيوني، أغلقت الجمهورية الإسلامية مضيق هرمز؛ وهو قرار لم تقتصر تبعاته على الميدان العسكري، بل صار أحد المتغيرات المؤثرة في سوق الطاقة العالمية.
ومن هذا المنظور، يمثّل مضيق هرمز مثالاً على تحويل الموقع الجغرافي إلى رافعة للتأثير السياسي والاقتصادي. وقد بيّنت تبعات الاضطراب في هذا الممر أن التحولات الأمنية في الخليج الفارسي قادرة على الانتقال بسرعة إلى الأسواق العالمية، وأن ارتفاع أسعار الوقود غدا أحد الأسباب الرئيسة لهزيمة الجمهوريين.
ومع فوز الديمقراطيين في الكونغرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب)، ستواجه إدارة ترامب قيوداً ورقابةً أشدّ في تمرير برامجها المتعلقة بالميزانية والاقتصاد والشؤون العسكرية. فبوسع لجان الكونغرس أن تطالب بالمساءلة عن كلفة الحرب، وآلية اتخاذ القرار في الإدارة، وحجم الخسائر، والأهداف الحقيقية للعمليات العسكرية. كما قد يتحول إقرار اعتمادات جديدة لمواصلة العمليات العسكرية، إلى موضع جدل ومناكفة.
وفي الجملة، يمكن عدّ انتخابات الثالث من نوفمبر 2026 مثالاً على ارتداد تبعات السياسة الخارجية إلى ساحة السياسة الداخلية الأمريكية. فلم تكن حرب إيران بالنسبة إلى ترامب مجرد تحدٍّ عسكري أو دبلوماسي، بل غدت قضيةً اقتصاديةً وانتخابيةً نالت من مصداقية وعوده بتحسين حياة المواطنين الأمريكيين. وكما كتبت وسائل الإعلام الأمريكية بمسحة من التهكم: أراد ترامب إحداث «تغيير للنظام» في إيران، لكن إيران فعلت ما جعل «تغيير النظام» يقع في أمريكا.
