الوقت - في الوقت الذي صعّد فيه قادة البيت الأبيض، بالتنسيق مع المسؤولين الصهاينة، من حدّة تهديداتهم لإيران خلال الأسابيع الأخيرة، ولا يستبعد محللون اندلاع جولة جديدة من الحرب، جاء الاجتماع المشترك لوزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان في إسطنبول أبعد من مجرد تشاور إقليمي معتاد، إذ حمل رسالةً بالغة الدلالة عن حدود الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية في مواصلة سياسة افتعال التوتر.
فالتأكيد على الحل الدبلوماسي للأزمة، ودعم تفاهم إسلام آباد، والنصّ على أنّ احتلال الكيان الصهيوني هو الجذر الأساس لعدم الاستقرار في المنطقة، كل ذلك كشف أنّ الدول الإقليمية المحورية لا تسير في ركاب سياسة واشنطن الحربية، وأنها شديدة القلق من تبعات هذا النهج المفتعِل للأزمات.
إخفاق في صناعة إجماع إقليمي ضد إيران
من أبرز أهداف أمريكا والكيان الصهيوني في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تصويرُ طهران مصدراً رئيساً لانعدام الأمن في غرب آسيا، وصياغةُ إجماع إقليمي ضدها.
وفيما تسعى واشنطن وتل أبيب، عبر تضخيم زائف لـ«خطر» النشاط النووي السلمي والنفوذ الإقليمي لطهران، إلى تمهيد الأرضية لهذا الإجماع وتشكيل تحالف إقليمي ضد إيران، وإلى إضفاء الشرعية على أفعالهما العدوانية والحربية، جاءت مواقف دول المنطقة في قمة إسطنبول لتُفشل هذه الاستراتيجية. فقد بيّنت أنّ هذه الدول المهمة ترى في سياسات الكيان الصهيوني الاحتلالية والعدوانية، وفي نزعة ترامب الحربية القائمة على مصالح الصهاينة، السببَ الأول لمتاعب المنطقة واضطرابها.
وهذه الدول، وهي من أبرز القوى الإقليمية في غرب آسيا، استخلصت العِبَر من جولتَي الحرب الماضيتين، اللتين أفضتا، كما حذّرت إيران، إلى تحويل الأزمة إقليمية، وتفاقم عدم الاستقرار، وتحميل جميع دول المنطقة كلفةً باهظةً، بل وإلى أزمة اقتصادية عالمية. ومن ثَمّ أثبتت بهذا البيان، في وقت يعود فيه ترامب ليتكئ على نتنياهو الذي يرى نفسه آيلاً إلى السقوط، ويسعى إلى جرّ أمريكا إلى حرب أخرى هرباً من أزمته الداخلية، أنها ليست فقط غير مؤيدة لجولة جديدة من الحرب الأمريكية على إيران، بل معارضة لها، وأنها تساورها مخاوف جدّية من نتائج الحرب الجديدة وتداعياتها؛ وهي مخاوف يتعين على واشنطن أن تُصغي إليها.
وفي حين شدّد وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان على ضرورة تأمين الملاحة البحرية وإعادة فتح مضيق هرمز، رأوا أنّ تسوية الأزمة بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تكون إلا بالحوار والدبلوماسية. كما أعلنوا دعمهم لتفاهم إسلام آباد، وأكدوا ضرورة التوصل إلى حل مستدام عبر التفاوض.
وتنبع أهمية هذا الموقف من أنّ كل دولة من الدول الأربع، بحكم موقعها الجغرافي وحساباتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية، ستكون من المتضررين من اتساع الحرب واضطراب الإقليم. وقد دلّت تجربة الجولتين الماضيتين أيضاً على أنّ الأزمة بين إيران من جهة وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة أخرى، خلافاً لما توهّمه مهندسوها، لا تبقى حبيسة الجغرافيا الإيرانية، بل تمتد لتطال أمن الخليج الفارسي، وممرات نقل الطاقة، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي ظرف كهذا، لا يُعدّ قلق دول المنطقة من تكرار الحرب موقفاً سياسياً صرفاً، بل هو وثيق الصلة بحساباتها الأمنية والاقتصادية. ومن هذه الزاوية، يمكن عدّ بيان إسطنبول مؤشراً على محدودية استراتيجية واشنطن في تحويل الضغط العسكري على إيران إلى تحالف إقليمي.
وقد وصلت هذه الرسالة إلى واشنطن في وقتٍ ينطوي فيه أي تحرك نحو جولة حرب جديدة، على خطر اتساع رقعة الصراع وتحميل المنطقة أثماناً أفدح. فإذا ظلّت إدارة ترامب متمسكةً بالاعتقاد بأنها قادرة، بتصعيد الضغط والتهديد العسكري، على إكراه دول المنطقة على الاصطفاف ضد إيران، فإنّ مواقف حلفاء أمريكا الإقليميين الأخيرة تدل على أنّ هذا الحساب بعيد عن حقائق غرب آسيا المعقدة.
فلسطين: صدعٌ آخر في الرواية الأمريكية الصهيونية
لا تقتصر أهمية البيان المشترك لوزراء خارجية الدول الأربع على موقفهم من إيران ومضيق هرمز؛ فالشق المتعلق بفلسطين ذو دلالة سياسية أيضاً، إذ عدّ الوزراء احتلال الكيان الصهيوني العاملَ الجوهري لعدم الاستقرار في المنطقة وما وراءها، وشدّدوا على ضرورة تطبيق حل الدولتين استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة.
وأكد البيان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة، متصلة الأراضي وقابلة للحياة، على حدود الرابع من يونيو 1967. كما أدان الوزراء عنف المستوطنين، والأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس، ومحاولات تغيير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة، وطالبوا باستمرار إيصال المساعدات الإنسانية وبإعادة إعمار قطاع غزة.
وتتعارض هذه المواقف مع رواية تحاول فصل مسألة أمن المنطقة عن قضية الاحتلال واستمرار الأزمة الفلسطينية، وتُبرز بدلاً من ذلك خيار التطبيع دون معالجة جذرية للأزمة. ويضع تأكيد الدول الأربع على دور احتلال الكيان الصهيوني، ولو على مستوى الموقف الدبلوماسي، هذه الرواية أمام تحدٍّ حقيقي.
رسالة الرياض المختلفة: التطبيع ما زال في ظل فلسطين
من بين الموقّعين الأربعة على البيان، يحظى موقف السعودية بأهمية خاصة. فقد أكدت تركيا وباكستان ومصر في مواقفها الرسمية مراراً حقوق الفلسطينيين ومعارضة التطبيع إلى حين قيام دولة فلسطينية مستقلة، غير أنّ مكانة السعودية في حسابات تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، تمنح هذا الموقف وزناً مغايراً.
فقد ظلّت الرياض، في السنوات الماضية، أحد أهم أهداف الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى توسيع مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وتوسيع إطار «اتفاقيات أبراهام». ولذلك فإنّ أي إشارة إلى اقتراب السعودية من تل أبيب، أو إلى تعاون أمني واستخباراتي بين الطرفين، تغذّي التكهنات حول احتمال انضمام الرياض إلى هذا المسار.
وفي الأسابيع الأخيرة، أعادت بعض التقارير والأحداث الإقليمية، ومنها أنباء التعاون الاستخباراتي بين السعودية والكيان الصهيوني في اليمن، وملابسات الهبوط الاضطراري في الأراضي السعودية لطائرة ركاب إماراتية متضررة كانت تقلّ ركاباً صهاينة، فتح النقاش مجدداً حول علاقات الرياض بالمحور القريب من الكيان الصهيوني. غير أنّ هذه التقارير وحدها لا تكفي لإثبات وجود اتفاق سري أو قرار سعودي قاطع بشأن التطبيع.
والمهم في بيان إسطنبول هو تأكيد السعودية الصريح على دور احتلال الكيان الصهيوني في زعزعة استقرار المنطقة، ودعمها قيام دولة فلسطينية مستقلة. ويدل هذا الموقف على أنّ القضية الفلسطينية ما زالت من الاعتبارات المهمة في السياسة الإقليمية للرياض، وأنه لا يمكن افتراض أنّ السعودية ستنضوي ببساطة، بمعزل عن هذه الاعتبارات، تحت مظلة أمنية تقودها تل أبيب؛ وهو موقف قد يضيّق هامش المناورة الأمريكي في ربط التطبيع بتحالف معادٍ لإيران.
وإجمالاً، ينبغي قراءة البيان المشترك الصادر في إسطنبول، في سياق مساعي دول المنطقة إلى إدارة تبعات الحرب وتفادي الوقوع في جولة جديدة من الصراع. أما الرسالة الأساسية إلى واشنطن فواضحة: دول المنطقة غير مستعدة لتحمّل تکاليف حرب واسعة لمجرد مجاراة استراتيجية أمريكا والكيان الصهيوني. فالأمن المستدام لا يُنال بالتهديد والحرب، ولا سيما أنّ القضية الفلسطينية واستمرار الاحتلال ما زالا من الجذور الرئيسة لأزمة المنطقة.
