الوقت - تتفوّق السعودية في العتاد التقليدي، فهي تمتلك مقاتلات أمريكية وأوروبية متطورة ودبابات حديثة ومنظومات دفاع جوي وميزانية عسكرية تبلغ عشرات المليارات من الدولارات. غير أنّ سنوات الحرب في اليمن أثبتت أنّ التفوق الجوي واقتناء السلاح الباهظ الثمن لا يعنيان بالضرورة بلوغ الأهداف السياسية والعسكرية.
الجزء الأول: السعودية وجيش مجهّز حديث
تُعدّ السعودية من أكبر مشتري السلاح في العالم، وتستمدّ جانباً مهماً من قدرتها العسكرية من شراء العتاد الأمريكي والأوروبي. وتشير التقديرات المنشورة لعام 2026 إلى أنّ ميزانيتها الدفاعية تبلغ نحو 83 مليار دولار، وهو رقم يفصله عن القدرة المالية والصناعية لأنصار الله بونٌ شاسع.
1- القوة الجوية: تفوّق صريح في المقاتلات
بُنيت القوات الجوية الملكية السعودية على مقاتلات متعددة المهام متطورة. وقدّرت قاعدة بيانات «غلوبال ميليتري» في عام 2026 حجم الأسطول الجوي العسكري السعودي بنحو 915 طائرة، تشمل الطائرات القتالية والمروحيات وطائرات النقل والتدريب، وأدرجت منها نحو 384 طائرة قتالية.
وأبرز المعدات الجوية السعودية مقاتلات «إف-15» الأمريكية، ومقاتلات «تايفون يوروفايتر» الأوروبية، ومقاتلات «تورنادو». وتشكّل «إف-15» عماد القدرة القتالية الجوية السعودية، إذ تُستخدم في مهام التفوق الجوي وضرب الأهداف الأرضية. أما «تايفون» فمقاتلة متعددة المهام متطورة صُمّمت للمهام الجوية والهجومية.
وإلى جانب المقاتلات، تمتلك السعودية مروحيات قتالية ومروحيات نقل، وطائرات استطلاع ومنظومات إسناد جوي. وتسهم الرادارات المتقدمة والأسلحة الموجَّهة والدعم الفني الخارجي، في رفع القدرة العملياتية لهذه القوة.
2- القوات البرية: قرابة ألف دبابة رئيسة في ميدان القتال
وفق بيانات «غلوبال فاير باور» لعام 2026، تمتلك السعودية نحو 1085 دبابة. في المقابل، قدّرت قاعدة «غلوبال ميليتري» المتخصصة عدد دبابات الخدمة الفعلية بنحو 945. وعليه يمكن تقدير مخزون الدبابات السعودية بما بين 950 و1100 دبابة.
وتُعدّ دبابات «إم 1 أبرامز» الأمريكية من أهم المعدات المدرّعة لدى المملكة، كما تستخدم عربات قتال مدرّعة وناقلات جند ومدفعية ذاتية الحركة ومنصات صواريخ متعددة وعربات دعم عسكري.
وتشير تقديرات «غلوبال فاير باور» إلى نحو 22 ألف مركبة وآلية عسكرية ضمن التصنيف الواسع لمعدات المملكة. ويضمّ هذا الرقم طيفاً متنوعاً من العربات المدرّعة وعربات الدعم واللوجستيات، ولا ينبغي عدّه معادلاً لعدد الدبابات أو العربات القتالية الثقيلة.
3- المدفعية ومنصات الصواريخ
تشمل التقديرات المتاحة للترسانة البرية السعودية نحو 380 مدفعاً ذاتي الحركة، وأكثر من 400 مدفع مجرور، ونحو 250 إلى 330 منظومة إطلاق صواريخ متعددة.
4- الصواريخ والدفاع الجوي: درع دفاعي باهظ الكلفة
تعتمد السعودية في حماية مدنها وقواعدها العسكرية ومطاراتها ومنشآتها النفطية، على شبكة من منظومات الدفاع الجوي. وتمثّل منظومة «باتريوت» الأمريكية من أهم مكوّنات هذه الشبكة، وتعمل الرياض كذلك على تطوير قدرتها الدفاعية على الارتفاعات العالية بمنظومة «ثاد».
أما العدد الدقيق لصواريخ الاعتراض الجاهزة للاستخدام والصواريخ جو-جو والذخائر الهجومية السعودية، فلم يُنشر في إحصاء عام موحَّد يُعتمد عليه. ورغم امتلاك المملكة منظومات متقدمة، فإنّ الدفاع في وجه هجمات كثيفة متزامنة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، قد يكون عسيراً.
الجزء الثاني: القدرة العسكرية اليمنية
لا تملك أنصار الله جيشاً بهيكل وعتاد تقليديين على غرار السعودية، بل قوة تجمع بين أسلحة ورثتها عن الجيش اليمني السابق، وعتاد غنمته في المعارك، وصواريخ ومسيّرات هجومية، وقدرة على التصنيع والتجميع محلياً. وقد أشارت «رويترز» في تقاريرها عن البنية العسكرية لأنصار الله إلى تنامي قدرتهم الصاروخية والمسيّرة، وتحوّلهم إلى فاعل مؤثر في المعادلات الأمنية الإقليمية.
1- القوة البشرية: ميزة التعبئة الواسعة والخبرة القتالية
لا تتطابق التقديرات المتعلقة بعدد مقاتلي أنصار الله. فقد قدّر معهد الشرق الأوسط في دراساته خلال السنوات الأخيرة عدد عناصر هذا التنظيم بنحو 350 ألفاً، في حين تشير بعض التقارير الإعلامية إلى إحصاءات رسمية صادرة في صنعاء تتحدث عن أكثر من 200 ألف عنصر ينتمون إلى البنية العسكرية لأنصار الله.
والأهم أنّ أنصار الله اكتسبوا خلال سنوات الحرب خبرةً كبيرةً في الدفاع عن المناطق الجبلية، والعمليات البرية، والهجمات بالمسيّرات والصواريخ، ومواجهة قوات تتمتع بإسناد جوي متقدم. وقد تعادل هذه الخبرة في ميدان القتال وزن جزء من العتاد العسكري.
2- الصواريخ الباليستية: أداة الضربة الرئيسة عن بُعد
استخدمت أنصار الله خلال السنوات الماضية أنواعاً من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى ومتوسطته. ومن المنظومات المعروفة في ترسانتهم عائلات «بركان» و«حاطم» و«فلسطين» و«طوفان».
وبعض هذه الصواريخ مصمَّم لإصابة أهداف أبعد، وقد ورد ذكرها في بيانات أنصار الله العسكرية بوصفها جزءاً من قدرتهم الردعية.
وأوضح المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في دراسته لترسانة أنصار الله، أنّ بعض الصواريخ قصيرة المدى يُرجَّح أنها تُنتَج أو تُجمَّع داخل اليمن، بينما تعتمد المنظومات الأعقد متوسطة المدى بدرجة أكبر على تقنيات وقطع خارجية. أما العدد الدقيق للصواريخ السليمة والعاملة والجاهزة للإطلاق لدى أنصار الله، فغير معروف في المصادر العامة المستقلة.
3- المسيّرات: سلاح أرخص لمواجهة خصم أفضل تجهيزاً
تمثّل الطائرات المسيّرة إحدى أهم ركائز القدرة العسكرية لأنصار الله. فقد استخدموا مسيّرات الاستطلاع والهجوم في العمليات البرية والضربات بعيدة المدى وتهديد الملاحة البحرية.
ومن المنظومات المعروفة عائلات «صمّاد» و«قاصف» و«وعيد». وبعض هذه المسيّرات مصمَّم للهجوم أحادي الاتجاه على الأهداف، وبعضها الآخر يُستخدم في مهام الاستطلاع والإسناد. ويعتمد عدد من المنظومات الأكثر تطوراً على تقنيات وقطع أجنبية.
وتُظهر تقارير «الجزيرة» والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عن القدرة العسكرية لأنصار الله، أنهم اكتسبوا طوال سنوات الحرب خبرةً عملياتيةً كبيرةً في استخدام المسيّرات.
وميزة المسيّرات في هذه المواجهة لا تقتصر على قدرتها التدميرية. فانخفاض كلفة بعض الطُّرُز نسبياً، وإمكان استخدامها في هجمات متعددة، وحاجة الخصم إلى رصد كل هدف واعتراضه، كل ذلك قد يرفع كلفة الدفاع على الطرف المقابل.
4- الدبابات والمدرّعات والمدفعية
لا تتوافر إحصاءات شاملة ومستقلة عن عدد دبابات أنصار الله العاملة وناقلات الجند والمدفعية الثقيلة لديهم. وتعتمد هذه القوة على عتاد موروث عن الجيش اليمني، ومدرّعات غنمتها في المعارك، وآليات خفيفة وشاحنات «بيك أب» مسلّحة.
وتُظهر تقارير العمليات الميدانية حضور الدبابات والمدفعية والأسلحة المضادة للدروع والرشاشات الثقيلة والآليات العسكرية.
5- القوة البحرية غير المتكافئة: تهديد للممرات الحيوية
لا تملك أنصار الله أسطولاً تقليدياً يضاهي أسطول السعودية، لكنّ قدرتهم البحرية لا تنحصر في السفن الحربية. فالصواريخ المضادة للسفن، والمسيّرات البحرية، والزوارق السريعة، والزوارق المفخخة، والألغام البحرية، كلها أدوات وردت في التقارير المتعلقة بهم.
وتنبع أهمية هذه الأدوات من الموقع الجغرافي لليمن. فإطلالته على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب تتيح لأنصار الله الضغط على أمن الملاحة، وعلى جانب من المسارات التجارية وصادرات الطاقة في المنطقة.
وأشارت «وول ستريت جورنال» ووسائل إعلام دولية أخرى، في تناولها هجمات أنصار الله البحرية، إلى دور الصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات والزوارق الهجومية في تغيير الحسابات الأمنية في البحر الأحمر. ومع ذلك، فإنّ العدد الدقيق لهذه المعدات وحالتها العملياتية غير معلنين.
الجزء الثالث: لماذا أخفقت السعودية، رغم تفوقها التسليحي، أمام الجيش اليمني وأنصار الله؟
للإجابة عن هذا السؤال ينبغي استحضار عدة اعتبارات:
1- جغرافيا اليمن: ميزة الجبال الدفاعية
تضمّ أجزاء من شمال اليمن وغربه مناطق جبلية ومسالك وعرة. وهذه الجغرافيا تعقّد العمليات البرية الواسعة، وتتيح للقوة المدافعة أن تستثمر التضاريس والتمويه والانتشار لتقليص أثر التفوق الجوي للعدو.
فالمقاتلات المتطورة قادرة على قصف أهداف محددة، لكنّ تدمير الأهداف المتفرقة والمتحركة أو السيطرة الطويلة على المناطق الجبلية، يستلزم عمليات برية ومعلومات استخباراتية دقيقة ووجوداً مستمراً للقوات. وقد عدّت تحليلات «الجزيرة» عن الحرب اليمنية الطبيعة الجبلية للمناطق الخاضعة لأنصار الله، من العوامل المهمة في تفوقهم الدفاعي.
2- الصاروخ والمسيّرة: فرض الكلفة على الدفاع المتطور
تستخدم السعودية في مواجهة التهديدات الجوية منظومات «باتريوت» الباهظة وغيرها من المعدات الدفاعية. لكنّ التصدي لهجمات متعددة ومتزامنة يستلزم عدداً كافياً من صواريخ الاعتراض، ورادارات فاعلة، وقوة بشرية مدرَّبة، وتغطية جغرافية واسعة. وتجعل مساحة المملكة الشاسعة، وطول حدودها مع اليمن، وتناثر منشآتها النفطية ومطاراتها وبناها التحتية الحساسة، حماية جميع النقاط في وقت واحد أمراً عسيراً. وفي ظرف كهذا، لا تستطيع حتى أكثر منظومات الدفاع تطوراً حماية كل الأهداف من كل أنواع الهجمات دون حدود.
3- الحرب الاستنزافية
خاضت أنصار الله حرباً طويلة السنين، واكتسبوا خبرةً عملياتيةً في استخدام السلاح، وتحريك القوات، ومواجهة الغارات الجوية. أما السعودية فعليها أن تدير الكلفة المالية، واستهلاك الذخائر، وصيانة المعدات، والتبعات الأمنية للهجمات على أراضيها. وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت كلفة تحقيق نصر حاسم.
وبيّن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، في دراسته لترسانة أنصار الله، أنهم لم يكتفوا باستخدام السلاح المستورد، بل طوّروا قدرةً محليةً على تصنيع المسيّرات وتجميعها، وعلى إنتاج بعض الصواريخ الأبسط.
4- هشاشة البنى الاقتصادية السعودية
يجعل اعتماد الاقتصاد السعودي على تصدير النفط وبنى الطاقة التحتية وخطوط النقل البحري، المملكة عرضةً للتهديدات الصاروخية والمسيّرة. وبتهديد هذه البنى، تستطيع أنصار الله أن يفرضوا على الرياض تکاليف أمنية واقتصادية جسيمة حتى دون امتلاك قوة جوية تقليدية.
وفي المحصلة، تُظهر المقارنة بين السعودية وأنصار الله أنّ التفوق التسليحي مهم في الحرب، لكنه وحده لا يحسم. فالسعودية تتفوق في عدد المقاتلات والدبابات والمعدات المدرّعة ومنظومات الدفاع والميزانية العسكرية. في المقابل، استطاعت أنصار الله، بالاتكاء على الصواريخ والمسيّرات والحرب غير المتكافئة والخبرة العملياتية وجغرافيا اليمن الوعرة، أن يتحولوا إلى قوة باهظة الكلفة على خصمهم الأقوى. وبعبارة أخرى، تمكّنت أنصار الله والجيش اليمني من جعل التفوق التقليدي للسعودية عصيّاً على التحوّل إلى نصر حاسم قليل الكلفة.
