الوقت - قبل أسبوعٍ واحد من الانتخابات البرلمانية، أزاح بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، الستار عن العقيدة الجديدة للأمن القومي لهذا الكيان.
وتضم هذه الوثيقة، التي كُشف عنها خلال مؤتمر صحفي أمني، عشرة مبادئ، تضع إيران وفصائل المقاومة في المنطقة على رأس التهديدات الأمنية للكيان الصهيوني. ومن المحاور الأخرى التي تناولتها العقيدة: التشديد على توسيع الاستيطان وتعزيز الهوية اليهودية في العالم، والحفاظ على التفوق العسكري للكيان، وزيادة إنتاج الأسلحة، والعمل الاستباقي، ومواجهة الهجمات السيبرانية والإرهاب، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
غير أن الخبراء والمحللين يرون أن خطوة نتنياهو بتغيير العقيدة الأمنية عشية الانتخابات، ليست ضرورةً استراتيجيةً بقدر ما هي استراتيجية انتخابية غايتها البقاء في السلطة.
أهداف نتنياهو ودوافعه
في فضاء السياسة داخل الأراضي المحتلة، عُرف نتنياهو دائماً بأنه الرجل الذي يحوّل الهزيمة إلى نصر في اللحظات الأخيرة بحلول مباغتة وبراعة تشبه السحر. ولذلك يعتقد كثير من الخبراء أنه يسعى، من خلال الكشف عن عقيدته الأمنية الجديدة، إلى ترسيخ مكانته بوصفه «سيّد الأمن» في "إسرائيل"، وإلى ترميم موقعه الانتخابي الذي أضعفته استطلاعات الرأي أمام منافسيه، ونقل محور التنافس من التحديات القائمة إلى مسألة الأمن. إنه يريد أن يوصل إلى المجتمع الصهيوني رسالةً مفادها أنه، من بين الخيارات المتاحة، الوحيد القادر على توفير الأمن لهذا الكيان وعبوره بسلام عبر التحديات الأمنية الكبرى المقبلة، التي يزعم نتنياهو أن إيران وفصائل المقاومة ستقف وراءها.
وفي هذا السياق، يرى مهنّد الحاج علي، نائب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط، في حديثٍ لقناة الجزيرة، أن هذا الإطار «يُنمّي المخاوف الوجودية في المجتمع، مما يجعل الناخبين الإسرائيليين يشعرون بحاجتهم إلى قائد حازم».
ولتوقيت الكشف عن هذه العقيدة أهميةٌ سياسية خاصة، فنتنياهو يسعى للبقاء في السلطة وهو يواجه انتقاداتٍ داخلية واسعة لأداء حكومته، ويغرق في الوقت نفسه في ملفات فساد قد تُفتح من جديد أمام القضاء إن خسر الانتخابات المقبلة.
ومن جهة أخرى، غدا أسلوب تعامل حكومته مع هجمات السابع من أكتوبر 2023 والحروب التي تلتها، أحد المحاور الرئيسية للانتقادات الموجهة إليه. وفي مثل هذه الظروف، قد يتيح له تحويل مركز السجال الانتخابي من سجلّه السياسي، إلى تهديدات المستقبل فرصةً لتخفيف وطأة الانتقادات عن كاهله.
وفضلاً عن ذلك، ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، يحاول نتنياهو، عبر تضخيم التهديدات الأمنية والتأكيد على الحاجة إلى قيادة مقتدرة على رأس هرم السلطة في تل أبيب، أن يستعيد مجدداً صورته بوصفه ضامن أمن الكيان الصهيوني. ويأمل أن يقنع حتى الناخبين الساخطين على سياساته وسلوكه بأنه ما يزال، في الظرف الراهن، الخيار الأجدر بالثقة في مواجهة التهديدات الأمنية ضد الصهاينة. وفي هذا الإطار يمكن عدّ الدعم العلني من دونالد ترامب جزءاً من المساعي الرامية إلى ترميم مكانته السياسية المتصدعة عشية الانتخابات.
تسجيل «عقيدة نتنياهو»
والسؤال المطروح الآن: كيف ستساعد الوثيقة الجديدة للأمن القومي نتنياهو على بلوغ أهدافه؟
بما أن الكيان الصهيوني يُعدّ من الكيانات الأمنية بطبيعته، يرى نتنياهو أنه بعد مضيّ ما يقارب ثمانية عقود على تأسيس «الدولة اليهودية»، بات من الضروري إعادة النظر جذرياً في مقارباتها الأمنية.
ومن أبرز أبعاد هذه الخطوة تجاوز «عقيدة ديفيد بن غوريون»، أحد أهم الشخصيات الاستراتيجية في تاريخ الكيان الصهيوني، والتوجه نحو «عقيدة نتنياهو»، وهو تحوّل قد يرفع مكانته إلى مصاف شخصية كبن غوريون. ولهذا يسعى نتنياهو، بطرح مبادئه ورؤيته أساساً للعقيدة الأمنية الجديدة للكيان، إلى تسجيل فجر عصر جديد في استراتيجياته الأمنية باسمه.
وينبغي البحث عن الفارق الجوهري بين العقيدتين في الأولويات وفي طريقة مواجهة التهديدات.
فقد قامت عقيدة بن غوريون على «الردع والإنذار المبكر والنصر الحاسم»، وجعلت الحفاظ على التفوق العسكري محور اهتمامها، في حين تشدد استراتيجية نتنياهو على «العمل الاستباقي، والمواجهة المباشرة للتهديدات قبل أن تتحول إلى خطر جسيم، وتعزيز القدرات العسكرية والتكنولوجية».
وعليه، يريد نتنياهو، من خلال إعادة تعريف المبادئ الأمنية لـ "إسرائيل"، أن يضع اسمه، إلى جانب الاستجابة للتحديات المقبلة، بين أسماء مؤسسي الاستراتيجية الأمنية لهذا الكيان. وهو الذي سجّل باسمه أطول فترة لرئاسة الوزراء في تاريخ الكيان المحتل، ويطمح اليوم إلى أن يخلّف إرثاً باقياً في الميدان الأمني أيضاً.
رسم صورة لـ "إسرائيل" القوية
يحاول نتنياهو، عبر عقيدته الأمنية الجديدة، أن يرسم صورًة لـ "إسرائيل" بوصفها كياناً أشدّ قوةً وأرسخ أسساً أمنيةً، وهي صورة تناقض تماماً رؤية منتقديه. فخصوم نتنياهو لا يحمّلونه مسؤولية هجمات السابع من أكتوبر 2023 فحسب، بل يعتقدون أن سياسات حكومته أضعفت الأسس الأمنية لتل أبيب، وقلّصت شرعيتها لدى الحلفاء في الخارج.
ولذلك، سارع قادة المعارضة، فور الكشف عن العقيدة الجديدة، إلى انتقاد هذه الخطوة بشدة. وفي هذا السياق وصف غادي آيزنكوت، المنافس الجدّي لنتنياهو، الوثيقة بأنها «صفحات فارغة مفعمة بالشعارات». وقال يائير لابيد من جانبه إن العقيدة الجديدة اكتفت ببيانات عامة، ولم تتطرق إلى مسؤولية نتنياهو عن إخفاقات "إسرائيل" الأمنية السابقة.
وفي ظل هذه الأجواء، أصبح إبراز التهديدات الداخلية أحد المحاور المهمة للعقيدة الأمنية، إذ يمكن بموجبه تصوير المعارضين والمنتقدين تهديداً لأمن "إسرائيل"، مما يمهّد الأرض لتعميق الانقسامات الاجتماعية.
ونتيجةً لذلك، فإن «أمننة» الفضاء الاجتماعي، فضلاً عن توسيعها دور المؤسسات الأمنية في إدارة المجتمع، قد تتحول إلى أداة لتبرير سياسات متشددة ضد المعارضين وتمريرها، وهو ما قد يفضي، في رأي المراقبين، إلى تحديات جديدة أمام التماسك الداخلي في الأراضي المحتلة على المدى البعيد.
الاكتفاء الذاتي في إنتاج السلاح
يُعدّ التشديد على بلوغ أقصى درجات الاستقلال في الصناعات العسكرية محوراً آخر من محاور العقيدة الجديدة، يستطيع نتنياهو استثماره لرسم صورة مقلقة لمستقبل هذا الكيان الأمني، والتحذير من احتمال تقلّص الدعم الخارجي أو انقطاعه.
وفي هذا الإطار، يُقدَّم الاعتماد العسكري على الحلفاء بوصفه نقطة ضعف استراتيجية، ليبرز أكثر فأكثر ما يستلزمه الأمر من تعزيز القدرات الدفاعية والعسكرية المحلية.
ويحاول نتنياهو، متكئاً على هذه الحجة، أن يظهر بمظهر الضامن لعبور الكيان الصهيوني تهديدات المستقبل، وأن يسوّغ النفقات العسكرية الباهظة، حتى لو أدّى هذا المسار إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية على الصهاينة، وارتفاع النفقات العامة، وتعميق العزلة الدولية للكيان.
ويُعدّ هذا التحرك الأمني من نتنياهو، في جوهره، نوعاً من «الهروب إلى الأمام» في مواجهة غضب منتقدي حكومته، ومن موجة معاداة السامية المتصاعدة في العالم، وهي موجة يرى المنتقدون أنها وليدة سياسات نتنياهو الحربية وحلفائه المتطرفين. ومن ثم يعتزم نتنياهو، عبر تسليط الضوء على التهديدات التي تحدق بتل أبيب والتشديد على ضرورة تعزيز القدرة الدفاعية، أن يعيد تعريف الانتقادات الموجهة إلى أداء حكومته في إطار التهديدات الأمنية ومعاداة السامية. وبذلك يستطيع، وهو يصرف الرأي العام عن مسؤولياته السياسية، أن يحشد التأييد الداخلي حول ضرورة حماية أمن الكيان الصهيوني.
