الوقت - وافق البرلمان العراقي، يوم الخميس (14 أكتوبر/تشرين الأول)، على تعيين الوزراء المتبقين في حكومة علي الزيدي، بعد نحو خمسة أشهر من المشاورات والمفاوضات بين الحركات السياسية. وصوّت النواب لصالح 11 وزيراً، واستحدثوا عدداً من المناصب الجديدة، كما تم تعيين ثلاثة نواب لرئيس الوزراء.
وكان البرلمان العراقي قد صوّت سابقاً لصالح 14 وزيراً من أصل 23 وزيراً مقترحاً في مايو/أيار، إلا أن الخلافات بين الحركات السياسية أبقت بعض المناصب الوزارية عالقة. وفي نهاية المطاف، حسم النواب خلافاتهم، مما مهّد الطريق لاستكمال حكومة الزيدي.
توزيع المناصب بين الحركات السياسية
بناءً على تصويت جلسة البرلمان، انتُخب ياسر المالكي من ائتلاف دولة القانون وزيراً للداخلية. وانتُخب نايف الشمري من الائتلاف الوطني وزيراً للدفاع. وتولى قتيبة غازي ماجد من ائتلاف عزم وزارة التخطيط، وعُيّن حيدر بهاء الحسيني من ائتلاف دولة القانون وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي.
كما انتُخب ياسين محمد العيثاوي من ائتلاف عزم وزيراً للثقافة، وتولى محمد رعد الموسوي من كتلة الصادقين وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. أما وزارة الشباب والرياضة فقد آلت إلى صفاء مهدي صالح الكناني من تيار الحكمة الوطنية.
وفي سياق آخر من التعيينات، انتُخب رباز حملان من الحزب الديمقراطي الكردستاني وزيراً للبناء والإسكان والبلديات. كما تولى محمد صاحب الدراجي، من ائتلاف الخدمات، وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا المُنشأة حديثًا. وأُسندت وزارة السياحة والآثار إلى علي الدخيلي، من فصيل المنتصرين، وانتُخب محمد سمعان كنعان يوسف، من الجبهة التركمانية، وزيرًا للدولة.
واعتُبرت الخلافات السياسية حول أسماء المرشحين وكيفية توزيع الوزارات بين الأحزاب والحركات المشاركة في العملية السياسية العراقية من أهم العوامل التي أخرت اكتمال تشكيل الحكومة. ومع الانتخابات الأخيرة وتعيين الوزراء المتبقين، اكتمل تشكيل حكومة علي الزيدي، وبات بإمكان حكومته الآن إدارة شؤون البلاد وتنفيذ برامجها بتشكيلة أكثر اكتمالًا.
خلافات بين الحركات السياسية
على الرغم من اكتمال تشكيل الحكومة، فقد نشبت خلافات بين بعض الحركات السياسية خلال جلسة التصويت حول تعيين بعض المناصب الرئيسية.
في صفوف القوى الشيعية، أدى التنافس بين ائتلاف حكومة القانون بقيادة نوري المالكي وحركة الصادقون على منصبي وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء إلى تعقيد عملية الاتفاق. دعمت حكومة القانون قاسم عطا، ولكن بعد معارضة بعض الأحزاب، تم ترشيح ياسر المالكي في النهاية.
كما نشب خلاف بين الأحزاب السنية حول مرشحي وزارتي الدفاع والتخطيط، وتم التوصل إلى اتفاق بشأنهما بعد مفاوضات.
وكان من أبرز الخلافات في التصويت على الثقة معارضة عدد من النواب لاستحداث مناصب جديدة لنواب رئيس الوزراء ووزارات جديدة. جادل المعارضون بأن استحداث هذه المناصب قائم على نظام الحصص الحزبية، ولا مبرر له في ظل الحاجة إلى خفض الإنفاق العام، ولكن في النهاية، وبعد موافقة أغلبية النواب، أقر البرلمان المناصب الجديدة.
مع ذلك، فشل التصويت على وزارات البناء والإسكان والهجرة بسبب خلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والنواب المسيحيين. ونتيجةً لذلك، لا تزال حكومة الزيدي تنتظر التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن هاتين الوزارتين خلال الأيام القادمة.
أهمية مصير الوزارات الرئيسية
تكمن أهمية هذه المنافسات في الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها الوزارات الرئيسية. وتُعد وزارة الدفاع العراقية إحدى هذه الوزارات، إذ تحتل موقعًا محوريًا في إدارة القوات المسلحة وتحديد السياسات الأمنية للبلاد، لا سيما في ظل تأكيد حكومة الزيدي على احتكار المؤسسات الرسمية للأسلحة. ويُعتبر تطبيق هذه السياسة، في ظل وجود جماعات مسلحة ذات نفوذ سياسي وبرلماني، أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة. ولذلك، لا تقتصر مسؤولية وزارة الدفاع على الشؤون العسكرية فحسب، بل تضطلع أيضًا بدور حاسم في معادلات القوة الداخلية، وترسيخ سلطة الحكومة، وتنظيم علاقات العراق الأمنية مع واشنطن.
كما تُعد وزارة الداخلية من أهم مراكز السلطة التنفيذية في الحكومة، وهي مؤسسة تضطلع بدور في تنفيذ سياسات الحكومة وإدارة التطورات الميدانية من خلال قيادة الشرطة، وضمان الأمن الداخلي، والإشراف على أجهزة إنفاذ القانون في المحافظات. تزداد أهمية هذه الوزارة عشية الانتخابات، إذ أن طريقة إدارة الأمن وكيفية تعامل قوات إنفاذ القانون مع المنافسات السياسية تؤثر على العملية الانتخابية وعلى مناخ العمل الحزبي. ولهذا السبب، لطالما كان تعيين وزير الداخلية جزءًا من مفاوضات هامة بين التيارات السياسية العراقية.
كما تضطلع وزارة الاقتصاد بدور محوري في هيكل الحكومة العراقية، حيث توجه برامج التنمية، وتحدد أولويات المشاريع التنموية، وتجذب الاستثمارات. وتؤثر قرارات تخصيص الموارد وكيفية دفع المشاريع الاقتصادية بشكل مباشر على قدرة الحكومة على الاستجابة لمطالب الشعب. وإلى جانب هذه المسؤوليات، يُمكن اعتبار إنشاء وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا مؤشرًا على جهود حكومة الزيدي لتحديث النظام الإداري، وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية، وتوظيف التكنولوجيا في إدارة شؤون الدولة، وهو ما يعتمد تحقيقه على التنسيق المؤسسي والتطبيق العملي للإصلاحات.
مكانة المقاومة المتميزة في الحكومة
يُظهر اكتمال تشكيل حكومة علي زيدي أن جزءًا كبيرًا من وزارات الحكومة الجديدة قد وُضع تحت تصرف شخصيات مقربة من تيارات المقاومة والأحزاب المتحالفة معها. وبناءً على التشكيلة الحالية للحكومة، يتصدر ائتلاف إعادة الإعمار والتنمية القائمة بثلاث وزارات. كما حصلت أحزاب التقوى، ودولة القانون، وائتلاف عزم، ومنظمة بدر، وحركة الحكمة الوطنية، والحزب الديمقراطي الكردستاني على وزارتين لكل منها.
في حين حصلت كل من ائتلاف الخدمات، وفصيل الصادقون، وائتلاف الوطني، والاتحاد الوطني، وحركة الجيل الجديد، وحزب العقد الوطني، وحزب العدالة والوحدة، وائتلاف السيادة، وائتلاف المنتصرون، والجبهة التركمانية على وزارة واحدة.
رسالة تعيين الخزعلي نائباً لرئيس الوزراء
يُعدّ تعيين ليث الخزعلي (شقيق قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق) نائباً لرئيس الوزراء العراقي من أهمّ التداعيات السياسية لاستكمال تشكيل الحكومة، إذ إنّ الخزعلي مدرج على قائمة العقوبات الأمريكية، وقد قوبل تعيينه بانتقادات حادة من أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي.
من منظور التيارات المقربة من المقاومة، يُمكن اعتبار تعيين ليث الخزعلي نائباً لرئيس الوزراء العراقي دليلاً على استمرار النفوذ السياسي لهذه التيارات في هيكل السلطة التنفيذية للبلاد، ودور المؤسسات المحلية في مواجهة الضغوط الخارجية. ولا تقتصر أهمية هذا التعيين على وجود شخصية مقربة من فصائل المقاومة في منصب حكومي رفيع، بل تُظهر أيضاً أنّ معارضة واشنطن، على الأقل في هذه الحالة، لم تتمكن من منع قرار البرلمان العراقي. قبل التصويت، أعلنت مصادر مقربة من ائتلاف صادقون أن علي الزيدي سعى إلى تخفيف حدة المعارضة الأمريكية لترشيح الخزعلي.
قد يُعزز هذا التعيين موقف فصيل صادقون وحلفائه في صنع القرار الحكومي، ويؤثر على نهج الحكومة تجاه قضية الجماعات المسلحة. فمن جهة، قد يُمهد وجود الخزعلي الطريق لحوار أوسع ومشاركة أكبر لتيارات المقاومة في هيكل الحكومة الرسمي، ومن جهة أخرى، قد يُسهم هذا التطور في تقليص الخلافات حول كيفية تنظيم الجماعات المسلحة وكيفية تنظيم علاقاتها مع مؤسسات الدولة الرسمية.
