الوقت- في اعتراف لافت جاء من حيث لا يتوقع الكيان الصهيوني، أقرّ موقع القناة الرابعة عشرة في تلفزيون الكيان، وهي وسيلة إعلام تُوصف بقربها من بنيامين نتنياهو، بأن فيلماً مناهضاً للكيان حقق نجاحاً باهراً في دور العرض. وأوضح التقرير العبري أن فيلم «نازا» سيطر على شباك التذاكر في إيطاليا، وبات من أكثر الأفلام مبيعاً بين ما يُعرض في ذلك البلد. وتكمن أهمية هذا الإقرار في مصدره قبل مضمونه، إذ إن منبراً اعتاد الدفاع عن الرواية الرسمية للاحتلال وجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن عملاً يفضح سلوك الكيان يحظى بإقبال جماهيري واسع. وحين يعترف الحليف قبل الخصم، فذلك دليل على أن الوقائع باتت أقوى من قدرة الدعاية على تغطيتها، وأن التعتيم لم يعد خياراً متاحاً حتى لأكثر الأبواق ولاءً، وأن أي محاولة لتجاهل هذا النجاح ستبدو أكثر إحراجاً من الاعتراف به.
أرقام تتفوق على هوليوود
تحمل الأرقام التي أوردها التقرير دلالة واضحة على حجم الإقبال. فقد تصدّر الفيلم شباك التذاكر الإيطالي وتفوق على النسخة المعاد عرضها من فيلم «المنتقمون: نهاية اللعبة»، الإنتاج الهوليوودي الضخم لشركتي مارفل وديزني، الذي جاء في المرتبة الثانية. وبلغت إيرادات «نازا» في يوم عرضه الأول نحو 451 ألفاً و872 يورو، بمعدل يقارب 1153 يورو لكل صالة، ثم اقتربت حصيلته من مليون يورو مع نهاية اليوم الثالث، في حين لم تتجاوز إيرادات الفيلم الأمريكي في المدة نفسها 356 ألف يورو. وهي مقارنة تكشف أن الجمهور فضّل مشاهدة وثيقة تعرّي ممارسات الكيان على إنتاج خيالي ضخم. ولعل الأبلغ من ذلك أن الفيلم كان مقرراً عرضه ثلاثة أيام فقط، لكن الإقبال الكثيف وامتلاء القاعات دفعا إلى تمديد فترة عرضه، وهو ما يعني أن الطلب فرض نفسه على الموزعين قبل أن يفرضه النقاد، وأن شباك التذاكر صار شاهداً على ما تعجز البيانات الرسمية عن إنكاره.
وثائقي من قلب الكيان
ولا يمكن فهم هذا النجاح بمعزل عن طبيعة العمل نفسه. فـ«نازا» فيلم وثائقي عن الحرب على غزة، صُوّر ليلاً من على أسطح مباني تل أبيب، ويتناول قتل المدنيين الفلسطينيين في القطاع. وقد نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي قبل أن يصل إلى صالات العرض الإيطالية. أما صانعاه فمخرجان إسرائيليان هما يوفال أبراهام وراشيل سزور، وهما من أربعة مخرجين اشتركوا في إنجاز الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» الفائز بجائزة الأوسكار عام 2025. والفيلم مبني على تحقيقات صحفية نشرتها مجلة «972+» الإسرائيلية الفلسطينية وصحيفة الغارديان بين عامي 2023 و2025. وهذه التفاصيل تمنح العمل ثقلاً خاصاً، لأن الشهادة هنا لا تأتي من خصوم الكيان وحدهم، بل من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ومن صحفيين وسينمائيين يعرفون المشهد عن قرب ولا يمكن اتهامهم بالجهل بما يجري، ما يجعل التشكيك في دوافعهم أمراً بالغ الصعوبة على أبواق الدعاية.
لماذا أقبل الجمهور؟
وفي تحليل أسباب الإقبال يبرز عامل المصداقية أولاً. فالجمهور الأوروبي، الذي تابع شهوراً طويلة من الحرب ومن الاحتجاجات المتصلة بها، يبحث عن رواية موثقة تتجاوز البيانات الرسمية، ويجد في وثائقي مبني على تحقيقات صحفية وصادر عن مخرجين من داخل الكيان مادة يصعب الطعن في دوافعها. ويأتي ثانياً عامل التوقيت، فالفيلم وصل إلى الصالات بعد حصاده تقديراً نقدياً في البندقية، ما منحه رصيداً من الشرعية الفنية والإعلامية. وثالثاً، فإن قناة الكيان نفسها أشارت في تقريرها إلى أن بعض الاحتجاجات في إيطاليا تطورت إلى مواجهات وإحراق سيارات وإغلاق موانئ ومحطات قطارات ورفع شعارات مناهضة للكيان، وهو ما يعكس مناخاً شعبياً متعاطفاً مع الفلسطينيين ويهيئ بيئة حاضنة لعمل كهذا. والخلاصة أن الفيلم لم يصنع هذا المزاج وحده، لكنه وجد جمهوراً جاهزاً لاستقباله، وأعطاه صورة وصوتاً وحكاية. ويضاف إلى ذلك أن امتلاء القاعات يؤكد أن الناس لم يأتوا بدافع الفضول وحده، بل بدافع الرغبة في مشاهدة الحقيقة كما هي، بعيداً عن أي تجميل رسمي أو رقابة مسبقة.
هآرتس: ضربة لصورة الوحدة 8200
ولم تقف تداعيات الفيلم عند شباك التذاكر، فقد أقرّت صحيفة هآرتس في مقال لها بأن «نازا» كشف مشاركة الوحدة 8200، جهاز الاستخبارات في جيش الاحتلال، في منظومة أودت بحياة عشرات الآلاف من أهالي غزة، وأنه داس على العلامة التجارية التي صنعها الكيان لهذه الوحدة بوصفها رمزاً للنبوغ التقني وريادة الأعمال والمجال السيبراني. ونقلت الصحيفة عن تقديرات لوول ستريت جورنال أن ما بين ستين وتسعين ألفاً من عناصر هذه الوحدة يعملون اليوم في وادي السيليكون، وأن الفخر بالخدمة فيها يتراجع حين يُذكَّر الناس بما كان أصحابها يفعلونه قبل أن يصبحوا رواد أعمال. وهنا يتضح أن الفيلم لا يستهدف سمعة الجيش فحسب، بل يضرب الصورة التي بناها الكيان لنفسه بوصفه أمة ابتكار وتقنية، وهي صورة تشكل ركناً أساسياً في قوته الناعمة وفي علاقاته مع شركات التكنولوجيا العالمية. ولهذا وصف التحليل الإسرائيلي ما فعله الفيلم بأنه ضربة لسمعة بُنيت على مدى سنوات، وأنه يغيّر معنى الرقم 8200 في أذهان الناس من رمز للتفوق إلى عنوان لمساءلة أخلاقية صعبة.
الخلاصة: معركة الرواية
وخلاصة القول إن الحدث يتجاوز نجاحاً تجارياً لفيلم وثائقي. ففي الوقت الذي رصد فيه الكيان، بحسب ما كشفته وسائل إعلام دولية، ميزانية ضخمة تبلغ نحو 730 مليون دولار لتحسين صورته وإدارة الرأي العام، ينجح فيلم واحد، صنعه مخرجان من داخله، في اجتذاب الجمهور وفرض روايته على شباك التذاكر. وقد اضطرت قناة مقربة من نتنياهو إلى الإقرار بذلك علناً، وهو اعتراف يؤكد أن معركة الرواية لا تُحسم بالمال وحده، وأن الحقيقة الموثقة تجد طريقها إلى الناس حين تُعرض بلغة الفن. وعلى المعنيين بالإعلام والثقافة في محور المقاومة وفي العالم أن يدركوا أهمية دعم الأعمال الوثائقية الجادة، لأن الصورة المقنعة أبعد أثراً من الخطاب المرتفع. وما دام الجمهور يدفع ثمن التذكرة ليرى ما تحاول الدعاية إخفاءه، فإن الرهان على الوعي الشعبي يبدو رابحاً، وإن كان الطريق طويلاً ويتطلب مثابرة وإنتاجاً متواصلاً وتعاوناً بين الفنانين والصحفيين وصناع القرار.
