الوقت- يشهد جنوب سوريا تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً متسارعاً تحول خلال الأسابيع الأخيرة إلى نمط شبه يومي من عمليات الاختطاف والتوغلات والتحليق المكثف، لم يعد مقتصراً على حوادث متفرقة يمكن وصفها بالاستثنائية. ففي واحدة من أحدث هذه العمليات، اختطفت قوات الاحتلال شاباً من أمام منزله في بلدة الحميدية بريف القنيطرة الشمالي، بالتزامن مع حملة مداهمات وتفتيش طالت عدداً من المنازل في البلدة ذاتها، فيما داهمت قوات أخرى منازل في قرية معرية بريف درعا الغربي بعد توغل بأكثر من خمس عشرة آلية عسكرية، وقصفت بقذيفتين مدفعيتين أطراف سد المنطرة الاستراتيجي في ريف القنيطرة الأوسط. وسبق ذلك بأيام قليلة اختطاف شاب آخر من قرية الحرية في ريف القنيطرة الشمالي، في وقت رصد فيه المرصد السوري لحقوق الإنسان، خلال شهر نيسان/أبريل وحده، نحو ثلاثين توغلاً عسكرياً إسرائيلياً داخل الأراضي السورية. وقد وثّق المرصد ذاته، في تحديث لاحق، اعتقال القوات الإسرائيلية شاباً من قرية الحرية في ريف القنيطرة الشمالي ضمن أقل من أربع وعشرين ساعة شملت أيضاً توغلات متعددة وقصفاً مدفعياً وإطلاق قنابل مضيئة في مناطق حدودية متفرقة، ما يعكس كثافة غير مسبوقة في وتيرة هذه العمليات خلال فترة زمنية قصيرة جداً.
استهداف دقيق يطال المدارس والأطفال في طريقهم اليومي
تكشف تفاصيل هذه التوغلات نمطاً لافتاً يثير قلقاً خاصاً، إذ تزامن عدد منها بشكل متكرر مع توجه الطلاب إلى مدارسهم صباحاً، كما حدث في قرية صيدا الجولان وقرية زبيدة بريف القنيطرة، حيث توغلت قوات إسرائيلية مؤلفة من اثنتي عشرة آلية عسكرية في الأولى وخمس آليات في الثانية، ما تسبب بحالة توتر وخوف واضحة بين الأهالي الذين وجدوا أبناءهم عرضة لتحركات عسكرية مباغتة في أوقات حساسة من يومهم. ولم تقتصر هذه العمليات على الاعتقال المباشر، بل شملت أيضاً إقامة حواجز مؤقتة وتفتيش المارة، وإطلاق قنابل مضيئة في أجواء قرى كالصمدانية الشرقية، وقصف مدفعي لمواقع كتلة الحمرية قرب قرية طرنجة، في مزيج من أساليب الترهيب الميداني الذي يطال الحياة اليومية للسكان المدنيين بمختلف أعمارهم وأنشطتهم.
خلف الاختطاف: رسالة ردع في ظل مفاوضات أمنية حساسة
يرى محللون متابعون للملف السوري أن هذا التصعيد الميداني المكثف ليس منفصلاً عن سياق تفاوضي أوسع يجري بالتوازي، إذ تشير تحليلات إلى أن إسرائيل تمارس من خلال هذه التوغلات والاعتقالات المتكررة ضغطاً مباشراً على الحاضنة الشعبية في سوريا، في ظل مفاوضات جارية حالياً للتوصل إلى اتفاق أمني مع الحكومة السورية برعاية أمريكية مباشرة، بهدف إيصال رسالة واضحة إلى دمشق مفادها أن إسرائيل لن تتخلى عن مواقعها الاستراتيجية، وعلى رأسها مرصد جبل الشيخ والتلال المشرفة جنوب غربي البلاد، بصرف النظر عن أي تفاهمات دبلوماسية قد يُتوصل إليها لاحقاً. هذا التوظيف الممنهج للعمليات الميدانية كأداة ضغط تفاوضي يحوّل حياة المدنيين اليومية إلى ورقة مساومة في صراع نفوذ أوسع لا يد لهم فيه، ويكشف أن التوقيت المتزامن بين تصاعد التوغلات والحديث عن اتفاق أمني محتمل ليس محض صدفة.
اختطاف بلا تفسير يترك العائلات في حيرة دائمة
من أخطر ملامح هذا النمط المتصاعد من العمليات أن غالبية حالات الاختطاف تجري دون أي توضيح رسمي من الجانب الإسرائيلي حول أسباب الاعتقال أو هوية المعتقلين أو الجهة التي يُقتادون إليها، إذ تتكرر عبارة "من دون ورود معلومات عن أسباب الاعتقال أو الجهة التي اقتيد إليها" في معظم التقارير الميدانية الموثقة لهذه الحوادث. هذا الغموض المتعمد يترك عائلات المختطفين في حالة قلق وترقب مستمرين دون أي قناة رسمية واضحة لمعرفة مصير أبنائها، في وقت تتفاوت فيه نتائج هذه العمليات بين إفراج سريع عن بعض المعتقلين بعد ساعات من الاحتجاز، واستمرار احتجاز آخرين لفترات أطول دون أي معلومات، ما يعكس غياب أي معيار واضح أو التزام قانوني يحكم هذه العمليات من الأساس. ويروي سكان محليون في قرية عين زيوان كيف داهمت دورية إسرائيلية أحد المنازل واعتقلت أحد السكان لساعات عدة قبل الإفراج عنه دون أي تفسير لأسباب احتجازه، في نمط متكرر يحوّل كل خروج يومي من المنزل إلى مخاطرة محتملة بالنسبة لسكان هذه القرى الحدودية.
نداءات أممية بلا أثر ميداني ملموس
في ظل استمرار هذا التصعيد، جددت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي دعواتهما للتحرك من أجل الحد من هذه التحركات العسكرية وحماية المدنيين السوريين، فيما تواصل القوات الدولية العاملة في المنطقة العازلة، ممثلة بقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "الأندوف"، رصد هذه الانتهاكات دون أي تدخل مباشر فعلي يوقفها على أرض الواقع. وتؤكد دمشق من جانبها تمسكها باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، مطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، غير أن هذا الموقف الرسمي الثابت لم يترجم حتى الآن إلى أي تراجع فعلي في وتيرة التوغلات والاعتقالات، التي تتواصل بمعدل يكاد يكون يومياً دون أن يبدو أن ثمة ضغطاً دولياً كافياً يجبر إسرائيل على وقفها.
استمرار مقلق بلا أفق واضح للحل
في نهاية المطاف، يكشف هذا النمط المتصاعد من الاختطاف والتصعيد العسكري في جنوب سوريا عن واقع ميداني يتجاوز حدود الحوادث الأمنية المنفردة، ليعكس استراتيجية إسرائيلية ممنهجة توظف القوة العسكرية المباشرة كأداة ضغط سياسي وتفاوضي في آن واحد، على حساب أمن واستقرار آلاف المدنيين السوريين الذين يجدون أنفسهم يومياً عرضة لتوغلات واعتقالات لا يملكون أي وسيلة لتوقعها أو الاحتماء منها. وبينما تستمر المفاوضات الأمنية بين دمشق وتل أبيب في الخلفية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستفضي هذه المفاوضات فعلياً إلى وقف حقيقي لهذا النزيف اليومي من الاختطافات والتوغلات، أم أن المدنيين في جنوب سوريا مرشحون للاستمرار في دفع ثمن معادلة قوة لا يملكون فيها أي صوت مسموع، بينما يُستخدم أمنهم اليومي كورقة ضغط في مفاوضات تتجاوزهم بكثير؟
