الوقت - في غضون أقل من شهر يفصلنا عن الانتخابات البرلمانية للكيان الصهيوني، عاد بنيامين نتنياهو ليشهر سلاحه القديم، متذرعاً بمزاعم أمنية مألوفة. ففي رسالة مصورة بثّها يوم الثلاثاء من قاعدة “تل نوف” الجوية، زعم رئيس وزراء الكيان الصهيوني وجود مؤشرات تدل على اعتزام “الأعداء” شن هجوم عشية الانتخابات، موجّهاً إليهم خطاباً وعيدياً بالقول: “لا تعبثوا معنا؛ فذراعنا الطويلة ستطالكم في أي زمان ومكان”.
وتأتي هذه الرسالة في خضم استعدادات لإجراء انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، حيث يجد نتنياهو نفسه في أتون واحدة من أشدّ المنافسات السياسية حساسيةً وخطورةً في تاريخ مسيرته كرئيس للوزراء. وفي هذا السياق، أفادت وكالة رويترز يوم الثلاثاء بأن نتنياهو يسعى جاهداً لإعادة تسويق نفسه كصمام الأمان الوحيد والسياسي الأوحد القادر على توفير الأمن؛ ويأتي هذا المسعى في وقت تعرضت فيه مكانته الأمنية لشرخ عميق غداة هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع استطلاعات رأي تنذر بأفول نجم حزب الليكود وتراجع حظوظه تحت قبة الكنيست.
الحرب؛ هل هي طوق النجاة من المأزق السياسي؟
يقتحم نتنياهو المعترك الانتخابي في أجواء تجعل من الاستحقاق القادم بمنزلة استفتاء فعلي على حصاد حكومته، ومدى تحمله لتبعات الانهيار الأمني في السابع من أكتوبر، إلى جانب تقييم أسلوبه في إدارة دفة الصراعات على جبهات متعددة. وفي حديث لوكالة رويترز، أكد “يوهانان بليسنر”، رئيس “المعهد الديمقراطي” في تل أبيب، أن نتنياهو يواجه هذه المرة انتخابات ستتخذ من مسؤوليته وحكومته عن الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر محوراً رئيسياً ومفصلياً.
وفي خضم هذه الظروف، فإن إعادة توجيه بوصلة المشهد السياسي نحو فزاعة “التهديد الخارجي”، من شأنها أن تحرف مسار السجال الانتخابي من قفص المساءلة الاقتصادية والأمنية إلى “الأمن القومي”؛ وهو الميدان الذي طالما استمات نتنياهو لسنوات في تصويره على أنه قلعته الحصينة ونقطة قوته السياسية الأبرز.
وأشارت رويترز كذلك إلى أن نتنياهو يعمد في حملاته الدعائية إلى وصف خصومه بالضعف والوهن أمام الأعداء، مستنسخاً بذلك ذات التكتيك السياسي الذي دأب على انتهاجه طوال السنوات الماضية للتشبث بكرسي السلطة.
تحذيرٌ أم تمهيد؟
بطبيعة الحال، لم تكن رسالة نتنياهو الأخيرة مجرد خطبة انتخابية عابرة؛ فقد لوّح باحتمالية شن الأعداء هجوماً استباقياً قبل الانتخابات، وهو الوتر الذي أثار حفيظة خصومه السياسيين واستدعى ردود أفعالهم الفورية.
فقد سارع غادي آيزنكوت، رئيس حزب “يشار” وأحد أبرز منافسي نتنياهو، إلى مطالبة رئيس الوزراء بتقديم إيضاحات حول ماهية هذا التهديد المزعوم. وحذر آيزنكوت من مغبة زجّ أمن تل أبيب في أتون المزايدات الانتخابية، مشدداً على ضرورة تبيان ما إذا كان هذا التهديد حقيقياً أم مجرد “مناورة سياسية” حيكت لتقويض العملية الانتخابية.
من جانبه، وعقب تصريحات نتنياهو، طالب زعيم المعارضة يائير لابيد بالحصول على إحاطة أمنية عاجلة، مؤكداً أنه إذا كان رئيس الوزراء يطرح تهديداً من شأنه إلقاء ظلاله على الانتخابات، فإنه لزامٌ على الأحزاب والمؤسسات المعنية أن توضع في صورة ماهية هذا التهديد.
انتخاباتٌ تحت ظلال الحرب
ولم تكن هذه المخاوف وليدة رسالة نتنياهو الأخيرة، بل كانت تظهر سلفاً في المشهد السياسي للكيان الصهيوني. ففي السابع عشر من سبتمبر/أيلول، احتشد جمع من المتظاهرين أمام الكنيست تنديداً باحتمالية توظيف التوترات الإقليمية للتأثير على سير الانتخابات. بل إن البعض منهم ذهب إلى حد استخدام مصطلح “حرب لتعطيل الانتخابات”، محذرين من افتعال أزمات من شأنها العبث بالجدول الزمني للاقتراع.
وتتجلى الحقيقة في أن نتنياهو، وعلى مدار سنوات طوال، قد اتخذ من ورقة الأمن ركيزةً أساسيةً تدور حولها رحى سياسته الداخلية. واليوم، مع اقتراب موعد الانتخابات، تعود رسائله الدعائية لتتمحور مجدداً حول الأعداء الخارجيين، والتهديدات الإقليمية، وحتمية وجود زعيم قوي.
وفي واقع الأمر، كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، تلاشت الخطوط الفاصلة بين “الخطاب الأمني” و"الدعاية الانتخابية" في تصريحات نتنياهو. فمن جهة، يتقمّص دور رئيس الوزراء المؤتمن على صون الكيان الصهيوني من غائلة التهديدات الخارجية؛ ومن جهة أخرى، يرى خصومه أن هذه السردية الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى مطية للتهرب من الاستحقاقات والمساءلة السياسية.
مقامرةٌ انتخابية بأمن المنطقة
يقف نتنياهو على أعتاب الانتخابات أمام معضلة تتجاوز في خطورتها مجرد التنافس الانتخابي المعتاد. فقد أشارت تقارير وكالة رويترز، استناداً إلى بعض استطلاعات الرأي، إلى أن حزب الليكود قد يتكبد خسارةً فادحةً تُفقده نحو ثلث مقاعده البرلمانية.
وفي مناخ مشحون كهذا، فإن تصعيد لغة الحرب والوعيد من شأنه - على أقل تقدير من المنظور السياسي - أن يعيد توجيه أنظار الرأي العام وصرف انتباهه نحو الهاجس الأمني.
وما يبدو جلياً في الوقت الراهن، هو أن نتنياهو، وعشية الانتخابات تماماً، قد عاد ليعزف على وتر التهديد، والعدو الخارجي، و"الذراع الإسرائيلية الطويلة". ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن نتنياهو، من خلال تضخيم التهديدات الأمنية المحدقة بتل أبيب، يسعى جاهداً لقلب الطاولة وإحداث اختراق في مشهد انتخابي تتضاءل فيه حظوظ فوزه. غير أن هذه الخطوة تمثّل مقامرةً محفوفةً بالمخاطر بالنسبة لنتنياهو؛ فبدلاً من أن تمدّه بأسباب البقاء، قد ترتد عليه كدعاية مضادة؛ دعايةٌ تفضح حقيقة أن حالة انعدام الأمن التي نعيشها اليوم ليست سوى صنيعة نزعته المتعطشة للحرب!
