الوقت - مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي البرلماني في الأراضي المحتلة، والذي لم يفصلنا عنه سوى شهر واحد، استعرت حُمّى المشاورات الرامية لبلورة تحالفات سياسية. فبعد أن كان قادة تيارات المعارضة يخوضون غمار المنافسة الانتخابية فرادى، ها هم اليوم يتقاربون وتتوحد صفوفهم بغية تشكيل جبهة موحدة لصدّ بنيامين نتنياهو.
وفي هذا المجال، عقد زعماء ما يُسمى بـ “كتلة التغيير” اجتماعاً يوم السبت عند زعيم المعارضة “يائير لابيد”، حيث تعاهدوا على طي صفحة التراشق الإعلامي ووقف الهجمات المتبادلة فيما بينهم. وقد شهد هذا اللقاء حضور عدد من قادة الأحزاب، وهم: “يائير لابيد” زعيم حزب “يوجد مستقبل” (يش عتيد)، و"غادي آيزنكوت" زعيم حزب “المستقيم” (يشار)، و"نفتالي بينيت" زعيم حزب “معاً” (ياحاد)، و"أفيغدور ليبرمان" زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، فضلاً عن “يائير جولان” زعيم حزب “الديمقراطيين”.
وقد انعقد هذا الاجتماع نصب عينيه هدفاً يتمثل في تنسيق تحركات الأحزاب، واستقطاب شريحة أوسع من الناخبين، وتعزيز التحالف المعارض لانتزاع الأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة المرتقبة.
واستناداً إلى الوثيقة المشتركة المنبثقة عن اللقاء، أخذ كل حزب على عاتقه، ضمن نطاق عمله، حشد الطاقات لرفع نسبة المشاركة في الانتخابات واستمالة الناخبين من شتى الأطياف، سعياً لتمكين ائتلاف المعارضة من حصد الأغلبية وتشكيل حكومة جديدة. ولم يمر هذا التحالف مرور الكرام على نتنياهو، بل أثار حفيظته وأشعل غضبه، ليصرّح في معرض رده على خصومه قائلاً: “لن يوقفهم سوى ليكود العظيم”.
بواعث التحالف
لا يمكن اختزال ائتلاف أحزاب المعارضة في كونه مجرد تقارب انتخابي عابر، بل هو في صميمه ثمرةٌ لجملة من التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية العميقة، والتي يُعزى شقٌ كبير منها إلى أداء نتنياهو وحصيلة سياساته.
وتتجلى أولى بذور الشقاق في المحاولات الحثيثة التي بذلها الوزراء المتطرفون لإعادة هيكلة النظام القضائي، وهي مساعٍ أشعلت شرارة احتجاجات عارمة اجتاحت الشارع منذ اللحظات الأولى لولادة الحكومة.
فقد ارتأى المعارضون أن التعديلات المقترحة من شأنها تقويض استقلالية القضاء، والإخلال بميزان القوى بين مؤسسات الدولة لصالح السلطة التنفيذية. وقد استحالت هذه القضية لتكون حجر الزاوية في اندلاع الاحتجاجات الداخلية، وعاملاً حاسماً في تعميق الهوة السياسية وتوسيع الشرخ داخل المجتمع.
وبموازاة الأزمة الداخلية، أسفرت السياسات الأمنية للحكومة عن فتح جبهات متعددة في وجه تل أبيب، مما فاقم من حدة الهواجس الأمنية. وفي خضم ذلك، يرى قطاع واسع من الرأي العام ونقّاد نتنياهو أنه آثر التضحية بمصالح الكيان على مذبح أطماعه الشخصية، سعياً للتشبث بكرسيه والفرار من مأزقه الداخلي. إن استمرار هذا الوضع المتأزم لم يُكبّد المجتمع أثماناً باهظة فحسب، بل عمّق أيضاً من الشعور المستشري بفقدان الأمن والاستقرار.
علاوةً على ذلك، لا تزال تهم الفساد التي تلاحق نتنياهو تلقي بظلالها القاتمة على مستقبله السياسي. فالمعارضة تُصرّ على ضرورة مثول رئيس الوزراء أمام العدالة للمساءلة عن هذه الملفات الشائكة، في حين يسعى خصومه جاهدين لإلحاق الهزيمة به في صناديق الاقتراع، تمهيداً لتعبيد الطريق نحو محاكمته.
وما يلفت الانتباه في هذه الجولة الانتخابية، أنه في حين كانت المنافسة في الاستحقاقات السابقة تدور رحاها حول هوية رئيس الوزراء القادم، بات معارضو نتنياهو اليوم يتجهون نحو هدفٍ مشترك أسمى من فوز شخص بعينه أو حزب بذاته، ألا وهو قطع الطريق أمام استمرار نتنياهو في السلطة. وهكذا، استحالت صرخة “لا لنتنياهو” إلى حلقة وصلٍ تجمع شتات تياراتٍ قد تتباين وتتقاطع رؤاها في الكثير من القضايا الأخرى.
تداعيات تحالف المعارضة على المجتمع الصهيوني
من شأن اصطفاف خصوم نتنياهو أن يترك بصمةً أعمق على المشهد السياسي داخل المجتمع الصهيوني. وتكمن أهمية هذا الائتلاف في ما هو أبعد من مجرد تكتلٍ للأحزاب المعارضة؛ إذ يحمل في طياته رسالةً جوهريةً للمجتمع مفادها السعي الحثيث لتجاوز حالة التشرذم السياسي وبناء جبهة موحدة لدرء التيار الحاكم. وهذا بحد ذاته عامل جذبٍ قوي قد يستميل أصوات الفئات المجتمعية التي لم تحسم أمرها بعد وتقف على الحياد.
وفي خضم هذا المعترك، تبرز الأهمية البالغة للناخبين المستقلين، والكتلة الرمادية، والنخب المثقفة التي لا تزال تتأرجح بين الخيارات المطروحة. فمن المرجح أن تشهد مواقف هذه الشريحة المجتمعية تحولاً جذرياً في الأسابيع الأخيرة من الماراثون الانتخابي، لاسيما إذا ما نجح معارضو نتنياهو في رسم صورة متماسكة وواضحة المعالم للمستقبل السياسي.
وتُشير استطلاعات الرأي التي رأت النور في الأسابيع المنصرمة إلى تقاربٍ شديد في حظوظ التيارات السياسية، حيث يحظى مجموع مقاعد أحزاب المعارضة بمكانة أرجح مقارنةً بحزب الليكود وحلفائه من اليمين. وهو ما يبرهن على أن المشهد الانتخابي لا يزال يتسم بالسيولة والضبابية، وأن أصوات المترددين قادرة على قلب موازين القوى السياسية رأساً على عقب في الأمتار الأخيرة.
آمال المعارضة معقودة على النصر
ويبدو جلياً، في ضوء مجريات الأحداث السياسية، أن معسكر المعارضة قد دخل الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية بخطىً واثقة ويقينٍ راسخ بتحقيق النصر. وقد بلغ هذا التفاؤل ذروته حين صرح “نفتالي بينيت” بملء فيه عن ثقته المطلقة بقدرة أحزاب المعارضة على اقتناص 63 مقعداً وتشكيل حكومة جديدة. وفي ذات السياق، أردف “ليبرمان” قائلاً: “في السابع والعشرين من أكتوبر، سنُعيد إسرائيل إلى جادة الصواب”، في إشارة واضحة من هذه الكتلة على الإطاحة بنتنياهو وتشكيل حكومة تخلفه.
وقد تعززت ثقة خصوم نتنياهو بنجاحهم الانتخابي عقب خطابه المثير للجدل في أروقة الأمم المتحدة؛ إذ لم تجرِ الرياح بما تشتهي سفن رئيس الوزراء في أعقاب هذا الخطاب. فقد كشف استطلاع للرأي أجرته صحيفة “معاريف” أن ائتلاف نتنياهو قد مُني بنزيفٍ في الأصوات بعد كلمته أمام الجمعية العامة، في حين تشهد أصوات المعارضة تنامياً مطرداً. وبات من شبه المستحيل على اليمينيين ردم الهوة البالغة 12 مقعداً لتأمين تشكيل الحكومة.
من جهة أخرى، كان نتنياهو يُمني النفس بأن يُسهم الدعم السياسي من قِبل “دونالد ترامب” في تلميع صورته وتحسين موقفه. غير أن امتناع ترامب عن لقاء نتنياهو في نيويورك قد أماط اللثام مجدداً عن بوادر جفاء وخلاف بين الطرفين. وفي خضم هذه الظروف، لم يعد دعم البيت الأبيض، بالضرورة، ترياقاً شافياً لترميم الموقف السياسي لنتنياهو. فبالنظر إلى حساسية الرأي العام الإسرائيلي إزاء تقارب ترامب مع نتنياهو، فإن دعماً علنياً من الرئيس الأمريكي على أعتاب الانتخابات قد ينقلب السحر فيه على الساحر، ويُعطي نتائج عكسية تصبّ في صالح الخصوم، عوضاً عن تعزيز مكانة نتنياهو السياسية.
