الوقت- أعادت التحذيرات التي أطلقتها حركة حماس بشأن مخطط أمريكي–إسرائيلي يستهدف تفكيك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وهي مستقبل قضية اللاجئين وحق العودة. وتأتي هذه التحذيرات في ظل تداول معلومات عن توجهات لتقليص عمل الوكالة وتسريح آلاف الموظفين في قطاع غزة والضفة الغربية، بذريعة الأزمة المالية التي تواجهها. واعتبر رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في حماس باسم نعيم أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن مساعٍ سياسية تستهدف إنهاء الدور التاريخي للأونروا، باعتبارها مؤسسة دولية ترتبط مباشرة بملف اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم. وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، ولا سيما في غزة، حيث يمثل استمرار خدمات الوكالة عنصراً أساسياً في توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
الأزمة المالية.. مدخل لتغيير وظيفة الوكالة
تبدو الأزمة المالية التي تعاني منها الأونروا أحد أبرز العوامل التي تُستخدم لتبرير الحديث عن إعادة هيكلة عملها أو نقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى. وتشير المعلومات المتداولة إلى احتمال تسريح أكثر من سبعة آلاف موظف من أصل نحو خمسة عشر ألفاً يعملون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو إجراء من شأنه أن ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الوكالة في تقديم خدماتها الأساسية. وفي قراءة حماس، لا تمثل هذه الخطوات مجرد استجابة مالية تقليدية، بل تأتي ضمن مسار أوسع يهدف إلى إضعاف المؤسسة تدريجياً وتقليص حضورها السياسي والقانوني. ويثير هذا التوجه تساؤلات حول ما إذا كان تقليص الموارد سيؤدي إلى تراجع الخدمات فقط، أم أنه قد يشكل مرحلة تمهيدية لإعادة توزيع مسؤوليات الأونروا وإنهاء دورها المستقل. وفي المقابل، تظل الأزمة المالية حقيقة تحتاج إلى معالجة دولية تضمن استمرار الخدمات دون تحويل العجز المالي إلى أداة لتغيير طبيعة القضية الفلسطينية.
حق العودة.. البعد السياسي الذي يثير مخاوف الفلسطينيين
لا تنحصر أهمية الأونروا في تقديم المساعدات الغذائية والصحية والتعليمية، بل ترتبط أيضاً بكونها مؤسسة دولية تجسد استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948. ولهذا ترى حماس أن تفكيك الوكالة أو إنهاء دورها قد يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الإنساني، وصولاً إلى محاولة إضعاف المرجعية الدولية المرتبطة بحق العودة. ويستند هذا التخوف إلى أن استمرار تسجيل اللاجئين وتقديم الخدمات لهم يعكس بقاء القضية ضمن إطار المسؤولية الدولية، وعدم تحولها إلى ملف محلي أو إنساني منفصل عن جذوره السياسية والتاريخية. ويؤكد باسم نعيم أن قضية اللاجئين، التي تشمل ملايين الفلسطينيين في الشتات وداخل فلسطين التاريخية، لا يمكن إسقاطها بقرارات إدارية أو مالية. ومن هنا، يصبح مستقبل الأونروا مرتبطاً في الوعي الفلسطيني بمستقبل الحقوق الوطنية، خصوصاً حق العودة الذي يشكل أحد أبرز الثوابت في الخطاب السياسي الفلسطيني.
المخطط الأمريكي–الإسرائيلي وتغيير معادلة إدارة غزة
تأتي التحذيرات من تفكيك الأونروا في سياق أوسع من التحولات المرتبطة بإدارة قطاع غزة بعد الحرب، والبحث عن ترتيبات جديدة لتقديم الخدمات وإعادة الإعمار. وتشير تقارير إعلامية إلى وجود نقاشات بشأن نقل بعض مسؤوليات الوكالة إلى مؤسسات أخرى، بما في ذلك جهات مرتبطة بترتيبات الإدارة الانتقالية في القطاع، أو إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وتثير هذه الطروحات مخاوف فلسطينية من أن يؤدي استبدال الأونروا إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع الدولي واللاجئين، وإخضاع الخدمات الإنسانية لآليات سياسية جديدة. كما أن استبعاد الوكالة من بعض الترتيبات المتعلقة بغزة يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الجهات التي ستتولى التعليم والصحة والإغاثة، ومدى استقلالها وقدرتها على ضمان حقوق السكان. وفي هذا السياق، ترى حماس أن إنهاء دور الأونروا قد يتقاطع مع توجهات إسرائيلية تستهدف تغيير الواقع الفلسطيني سياسياً وديمغرافياً.
المخيمات والاستيطان واللاجئون ضمن معركة واحدة
ربطت حماس التحركات المتعلقة بالأونروا بمجموعة من الملفات الأخرى، وفي مقدمتها الاستيطان والضم وتغيير الوضع القائم في المقدسات الفلسطينية، إلى جانب ما تتعرض له مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويعكس هذا الربط رؤية الحركة التي تعتبر أن استهداف الوكالة لا يجري بمعزل عن محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتقويض عناصر القضية الوطنية. فالمخيم، في هذه القراءة، ليس مجرد مساحة سكنية للفئات الأكثر هشاشة، بل يحمل ذاكرة النكبة ورمزية استمرار اللجوء، ولذلك فإن المساس به أو تفكيك مؤسساته يثير مخاوف من تراجع حضور قضية اللاجئين في المشهد الدولي. كما أن تزامن الضغوط على الأونروا مع التوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على الفلسطينيين يعزز الاعتقاد بوجود مسار سياسي متكامل يستهدف تقليص الحقوق الفلسطينية. غير أن تحويل هذه المخاوف إلى نتائج نهائية يتطلب متابعة دقيقة للقرارات والإجراءات الفعلية، بعيداً عن الاكتفاء بالتقديرات السياسية.
المواجهة الدولية ومستقبل المؤسسة الأممية
في مواجهة هذه التطورات، دعت حماس الدول والمؤسسات الدولية والقوى الفلسطينية والشعبية إلى توحيد الجهود لإحباط ما وصفته بالمخطط الخطير، والعمل على حماية حقوق اللاجئين وضمان استمرار الأونروا في أداء مهامها. وتبرز هنا مسؤولية الأمم المتحدة والدول المانحة في توفير التمويل المستدام للوكالة، ومنع تحول الأزمة المالية إلى مدخل لتقويض ولايتها. كما أن أي تغيير جوهري في مهام الأونروا أو مستقبلها يحتاج إلى معالجة ضمن الأطر الدولية المختصة، وليس عبر ترتيبات تفرضها الأطراف السياسية المتنازعة. وفي المحصلة، يكشف التحذير الذي أطلقته حماس عن معركة تتجاوز مستقبل مؤسسة إغاثية، لتلامس جوهر القضية الفلسطينية ومكانة اللاجئين في أي تسوية سياسية مقبلة. فبين استمرار الوكالة أو تفكيكها، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان ألا تتحول المعاناة الإنسانية إلى وسيلة لتصفية الحقوق التاريخية، وأن تظل قضية اللاجئين حاضرة في أي مسار دولي يستهدف إنهاء الصراع.
