الوقت - في الأيام الأخيرة، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، اتسع نطاق المبادرات والتحركات السياسية والدبلوماسية واشتدّت وتيرتها، ولا سيما من حلفاء واشنطن في المنطقة وفي أوروبا، سعياً إلى الوساطة لمنع تصعيد التوتر مع إيران. ومن شواهد ذلك الزيارات المتلاحقة لمسؤولي الدول الأعضاء في ميثاق مكة ولرئيس وزراء قطر.
وليس الذي يحرّك دول المنطقة وأوروبا اليوم مجرد احتمال اندلاع مواجهة عسكرية، بل الخشية من أن تفلت الأزمة من عقالها، وتُصاب البنى التحتية الحيوية بالأذى، ويختلّ الاقتصاد العالمي، وتبدأ في الشرق الأوسط حقبة طويلة من اللااستقرار.
والحقيقة أن كثيراً من دول المنطقة خلصت، من واقع النزاعات الماضية، إلى أنها حتى لو لم تشارك مباشرةً في الحرب، فإن جغرافيتها معرّضة لتبعات جسيمة، بحكم استضافتها قواعد عسكرية أمريكية، وموقعها الاستراتيجي، واعتمادها الاقتصادي على أمن المنطقة.
وتأتي قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية في طليعة الأطراف التي قد يمسّ أي تصعيد عسكري أمنَها الترابي وبنيتها الاقتصادية التحتية.
وفي ظل هذه الأوضاع، صار وجود القواعد الأمريكية في الدول العربية ذا وجهين: فهي من جهة جزء من ترتيبات الدفاع لدى هذه الدول، ومن جهة أخرى يزداد احتمال تعرّض هذه المنشآت لردّ مقابل إذا استُخدمت في عمليات عسكرية ضد إيران.
وقد أوردت «واشنطن بوست» في تقريرها الصادر في 31 أكتوبر نبأ قلق الحكومات الخليجية على سلامة منشآتها العسكرية والاقتصادية، وسعيها إلى منع تكرار الحرب.
وفي السياق ذاته تعبّر عن القلق نفسه تصريحات بدر عبد العاطي، وزير خارجية مصر، في الجلسة الأمنية لحوار المنامة بتاريخ 31 أكتوبر. فقد أعرب عن بالغ قلقه من احتمال تجدّد الحرب بين أمريكا وإيران، مؤكداً أن الجولة الثانية من الصراع ستكون أشدّ خطراً وأفدح دماراً، ولن تفضي إلا إلى مضاعفة الخسائر. وتكمن أهمية هذا الموقف في أن القاهرة تعدّ أمن الخليج الفارسي جزءاً من الأمن القومي للدول العربية، وتحذّر من انتقال عدوى الأزمة إلى سائر دول المنطقة.
أما البعد الثاني لقلق دول المنطقة، فيتصل بأمن الطاقة ومكانة مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي. فهذا الممر المائي من أهم شرايين نقل النفط والغاز في العالم، وأي اضطراب فيه، حتى دون إغلاق كامل، قد يرفع كلفة التأمين على السفن وكلفة النقل البحري وأسعار الطاقة. والمسألة لا تقف عند تراجع صادرات النفط، فاختلال سلاسل الإمداد والتجارة البحرية ونشاط الموانئ ونقل المواد الأولية، قد يضع اقتصادات المنطقة أمام مصاعب جدّية.
ومن الجدير بالذكر أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، لا يعني بالضرورة مكاسب أكبر للدول المصدّرة للنفط في الخليج الفارسي. فإذا أصبحت مسالك التصدير غير آمنة، أو أُصيبت منشآت الإنتاج والتحميل بأضرار، فلن تعوّض العائداتُ المحتملة الناجمة عن ارتفاع الأسعار خسائرَ اضطراب الصادرات. ومن ناحية أخرى، فإن اقتصادات كالإمارات وقطر، التي شيّدت جانباً كبيراً من سمعتها الدولية على أمن الاستثمار والتجارة والسياحة والنقل، شديدة الارتهان باستقرار المنطقة.
ويجدر التذكير كذلك بأن أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، حذّر في كلمته أمام مجلس الأمن بشأن الأمن البحري من أن أي اضطراب في مضيق هرمز يطال مباشرةً أمن الطاقة والغذاء والتجارة العالمية. وأشار إلى أن نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يعبر هذا الممر، وعدّ ارتفاع كلفة النقل والتأمين واختلال سلاسل الإمداد من تبعات الأزمة. ولذلك فإن الحرب المحتملة لن تكون شأناً إقليمياً صرفاً، وقد تمتد آثارها إلى اقتصادات بعيدة عن الشرق الأوسط.
أما القلق الثالث، فقد أظهرت تجربة العراق وسوريا أن انهيار مؤسسات الدولة أو إضعافها لا يفضي بالضرورة إلى نظام سياسي مستقر، وقد تعقبه سنوات من اللااستقرار والانفلات الأمني.
وفي أوروبا، اكتسبت الأبعاد الاقتصادية والسياسية لهذه الأزمة أهميةً أكبر. فالاقتصادات الأوروبية، التي لا تزال تصارع كلفة الطاقة والمنافسة الصناعية والتضخم، لا تقوى على احتمال صدمة جديدة في سوقَي النفط والغاز. وارتفاع أسعار حوامل الطاقة قد يرفع كلفة الإنتاج في صناعات الصلب والبتروكيماويات والنقل، ويُلقي في نهاية المطاف مزيداً من الأعباء على كاهل الأسر الأوروبية. كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة الكيميائية واضطراب التجارة البحرية، قد ينقلان آثار الأزمة إلى القطاع الزراعي والأمن الغذائي.
وقد حذّر جان نويل بارو، وزير خارجية فرنسا، صراحةً في الاجتماع المشترك لثماني دول أوروبية وإقليمية في إسطنبول بتاريخ 23 أكتوبر، من أن عودة التصعيد بين إيران وأمريكا لن تُنتج سوى مزيد من الخاسرين، وستكون لها تبعات بالغة الخطورة على أسعار حوامل الطاقة ووقود المستهلكين الأوروبيين. وأكد أن هذه الدول لا تستطيع تحمّل كلفة تصعيد عسكري آخر.
كما شدّد أنطونيو تاياني، وزير خارجية إيطاليا، على ضرورة حرية الملاحة والعودة إلى الحوار، وقال إن المسألة لا يمكن حلّها بالسبيل العسكري وحده. وقد أظهرت مواقف مسؤولي فرنسا وإيطاليا وتركيا في ذلك الاجتماع، أن عدداً من الدول الأوروبية والإقليمية جعلت منع أي هجوم عسكري جديد أولويةً مشتركةً.
ومع ذلك، فإن قلق أوروبا لا يقتصر على الاقتصاد. فالدول الأوروبية لا ترغب في أن تدفع القرارات العسكرية لواشنطن المنطقةَ، دون مراعاة لمصالحها وهواجسها الأمنية، إلى أزمة تنتقل كلفتها إلى أوروبا أيضاً. وهذا يتصل بمسألة الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، بمعنى أن الأوروبيين يحاولون ألا يكونوا، في الأزمات الدولية الكبرى، مجرد تابعين للقرارات الأمنية الأمريكية، وأن يعزّزوا قدرتهم الدبلوماسية المستقلة. على أن هذا النهج لا يعني تشكّل جبهة مناهضة لأمريكا، بل هو أقرب إلى سعي للحفاظ على سلطة القرار المستقل.
ومن هذا المنظور، يمكن عدّ اجتماع إسطنبول في 23 أكتوبر، بحضور وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وتركيا ومصر والسعودية وباكستان، نموذجاً لهذا التقارب. فقد شدّدت هذه الدول على ضرورة ضبط النفس لدى الطرفين واعتماد مسار الدبلوماسية. ورغم تباين رؤاها بشأن المسائل الأمنية وسياسة إيران الإقليمية، صار منع اتساع الحرب نقطة التقاء مهمة بينها.
وفي الإطار نفسه، تكتسي جهود الوساطة القطرية والعمانية أهميةً خاصةً. فهاتان الدولتان، بإبقائهما قنوات الاتصال مفتوحةً بين طهران وواشنطن، تسعيان إلى ألا يُغلق باب المفاوضات. وتفيد وكالة «رويترز» في تقريرها بتاريخ 31 أكتوبر بعودة الوسطاء القطريين إلى طهران لمتابعة الاتفاق، وإن ظل الخلاف قائماً بين الطرفين حول أولوية المفاوضات النووية ورفع الحصار والعقوبات النفطية.
غير أنه لا ينبغي عدّ هذه التحركات دليلاً على اتفاق تام بين دول المنطقة وأوروبا حيال كل ما يتصل بإيران. فبعض هذه الدول لا يزال يحتفظ بنهجه العدائي تجاه الجمهورية الإسلامية، متذرعاً بمسائل كالبرنامج الصاروخي والأنشطة الإقليمية وأمن الملاحة، غير أن تباين المواقف السياسية لم يحُل دون تشكّل إدراك مشترك لكلفة الحرب.
وجملة القول، إن قلق دول المنطقة وأوروبا من عودة الصراع، ينبغي أن يُقرأ على ثلاثة مستويات: أمني واقتصادي وجيوسياسي. فالدول العربية تخشى أن تتحول أرضها إلى ساحة حرب وأن تُصاب بنيتها التحتية الحيوية بالأذى؛ وأوروبا تخشى صدمة طاقة جديدة والتضخم وتقلّص استقلال قرارها؛ وجيران إيران يتوجّسون من العواقب المحتملة لاضطراب طويل الأمد في هذا البلد.
