الوقت - تؤدي مسارات النقل البرية والمنافذ الحدودية، بوصفها ركناً ركيناً في التجارة الإقليمية والعالمية، دوراً متنامياً في توثيق عرى الترابط الاقتصادي بين إيران ودول الجوار. ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل يعتري هذه الشرايين التجارية من شأنه أن يُفضي سريعاً إلى إرباك عجلة التجارة الخارجية؛ وهو المشهد الذي يتجلى بوضوح اليوم على الحدود التجارية بين إيران والعراق.
وفي هذا السياق، أقدمت الحكومة العراقية منذ يوم السبت (12 سبتمبر/أيلول) على إغلاق حدودها البرية مع إيران، بما في ذلك منفذا الشلامجة والجذابة، فضلاً عن تعليق الرحلات الجوية من البصرة إلى إيران.
وقد صرّحت خلية الإعلام الأمني في العراق بأن الجهات الأمنية المختصة قد شرعت في تنفيذ عمليات تنظيمية على الصعيدين الإداري والأمني في عدد من المعابر الحدودية، وأن تنفيذ هذه الإجراءات اقتضى إغلاق هذه المنافذ مؤقتاً.
ووفقاً لبيان هذه الخلية، فقد اتُخذت حزمة من الإجراءات القانونية اللازمة، وكُثفت الجهود الاستخباراتية والتحقيقات والتحريات للوقوف على ملابسات الخروقات والتجاوزات الحاصلة في هذه المنافذ، فضلاً عن بلورة الحلول الناجعة لمعالجتها. ومع ذلك، لا يزال منفذا “زرباطية” و"المنذرية" مشرعين أبوابهما أمام حركة المسافرين.
من جانبه، أعلن المساعد الأمني والشرطي لمحافظ خوزستان في إيران أنه، وبناءً على إفادة السلطات العراقية، فإن منفذي الشلامجة والجذابة مغلقان أمام الزوار والتجار حتى إشعار آخر. وبناءً عليه، أُهيب بالتجار والسائقين والمسافرين الامتناع عن التوجه إلى هذه المحطات الحدودية لحين الإعلان الرسمي عن إعادة افتتاحها.
الأهمية الاقتصادية لمنفذي الشلامجة والجذابة
على الرغم من أن بقاء الحدود البرية بين إيران والعراق مغلقة قد يكون أمراً عابراً وقصير الأمد، إلا أن خطورة هذا القرار الصادر عن بغداد تتجلى بوضوح أكبر حين نضع في الحسبان الدور المحوري لمنفذي الشلامجة والجذابة في التبادل التجاري بين البلدين.
يُعد منفذ الشلامجة من أهم المعابر البرية بين الدولتين، وقد وضع إغلاقه المصدرين والمستوردين والسائقين وشركات النقل أمام مأزق توقف الشحنات وتكبد تكاليف تجارية باهظة.
ترتبط إيران والعراق بعلاقات تجارية متشعبة ومتعددة الأبعاد، حيث يتدفق عبر هذه الحدود البرية طيف واسع من الصادرات؛ بدءاً من المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، وصولاً إلى مواد البناء والصلب والبتروكيماويات والسلع الاستهلاكية وموارد الطاقة.
وقد أعلنت الحكومة العراقية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2025 ناهز 12 مليار دولار. وفي السياق ذاته، تفيد إحصاءات الجمارك الإيرانية بأن الصادرات غير النفطية الإيرانية إلى العراق بلغت حوالي 11.9 مليار دولار، ما يعني أن العراق يستحوذ على خُمس الصادرات الإيرانية غير النفطية تقريباً. وفي ضوء الأهداف المرسومة، من المزمع أن يقفز حجم التجارة السنوية ليلامس عتبة الـ 30 مليار دولار في غضون السنوات القليلة المقبلة.
ويمكن استجلاء أهمية هذين المنفذين من خلال حجم البضائع التي تعبر من خلالهما؛ ففي الفترة الممتدة من مارس/آذار 2025 إلى مارس/آذار 2026، تم نقل أكثر من 4 ملايين طن من البضائع عبر الشلامجة والجذابة. وقد بلغت حصة الشلامجة منها نحو مليونين و522 ألف طن، بينما بلغت حصة الجذابة قرابة مليون و521 ألف طن. وخلال الفترة ذاتها، عبرت نحو 80 ألف شاحنة من الشلامجة، وما يربو على 69 ألف شاحنة من الجذابة لنقل هذه السلع.
وبعبارة مبسطة، فقد استوعب هذان المعبران خلال عام واحد حركة نقل تجاوزت 4 ملايين طن، وهو رقم يعادل في متوسطه قرابة 11 ألف طن من البضائع يومياً. بطبيعة الحال، لا يعني هذا الرقم تدفقاً يومياً ثابتاً بهذا الحجم، إذ تتأرجح وتيرة التجارة في الأشهر المختلفة صعوداً وهبوطاً تبعاً لظروف السوق ومعدلات التصدير والاستيراد.
وتشكل المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية والسلع الاستهلاكية قسماً كبيراً من صادرات إيران إلى العراق، ولما كانت نسبة عظمى من هذه الشحنات سريعة التلف، فإن إطالة أمد توقفها في هذه المنافذ من شأنه أن يلقي بظلال ثقيلة، ويولّد ضغوطاً على مختلف مفاصل السوق العراقية.
فالشاحنات المحملة بالفواكه والخضروات وغيرها من المحاصيل الزراعية لا تقوى على الانتظار طويلاً في الطوابير الحدودية أو في مواقف السيارات على جانبي الحدود، وكل يوم تأخير قد يُسفر عن تراجع في الجودة، وزيادة في نسبة التوالف، وما يعقبه في نهاية المطاف من ارتفاع في الأسعار يثقل كاهل المستهلك.
إن تراجع المعروض من المحاصيل الزراعية في السوق العراقية، والتي تُعد من صلب الاستهلاك اليومي للمواطنين، سيؤدي حتماً إلى غلاء أسعار بعض المنتجات وتكبد نفقات إضافية لتأمين السلع من مسارات ومصادر بديلة، بل وقد يثير موجةً من التذمر والاستياء الشعبي في حال شحّ هذه المنتجات.
وفي هذا الصدد، شدد “يحيى آل إسحاق”، رئيس الغرفة التجارية المشتركة بين إيران والعراق، على ضرورة التعجيل بحل هذه المعضلة، معتبراً إياها خللاً عارضاً وقصير الأمد، غير أنه حذّر في الوقت عينه من مغبة الاستهانة بتداعياتها. وأشار آل إسحاق إلى أن قسماً يعتد به من البضائع المتبادلة عبر هذين المنفذين يتمثل في منتجات غذائية قابلة للتلف، مبيناً أن توقفاً لعدة أيام قد يؤدي إلى تعفن هذه الشحنات وتلفها، مما يُلحق خسائر فادحة بالمنتجين والمصدرين على حد سواء.
وكانت وكالة رويترز قد وصفت في تقرير لها في أبريل/نيسان 2026، حول التوقف المؤقت للحركة في الشلامجة، هذا المنفذ بأنه أحد الشرايين الرئيسية لتدفق الخضروات والمواد الغذائية الإيرانية إلى العراق، مسلطة الضوء على وطأة التأثير الذي قد يخلفه أي اضطراب طويل الأمد في هذا المسار على إمدادات السلع في الأسواق المحلية العراقية.
مواد البناء والصناعات في مرمى التداعيات أيضاً
لا تقتصر تبعات إغلاق الحدود على المواد الغذائية فحسب؛ ففي المسارات التجارية الممتدة من محافظة "خوزستان" الإيرانية إلى العراق، يتم تصدير سلع أخرى كالصلب وحديد التسليح والأسمنت والبلاط والبتروكيماويات وغيرها من السلع الصناعية.
وعلى النقيض من الفواكه والخضروات، فإن هذه السلع لا يعتريها التلف، غير أن توقف إمداداتها من شأنه أن يرفع من تكاليف الإنتاج وحركة العمران والبناء. فإذا اقتصر الإغلاق على يوم أو يومين في كلا المنفذين، فإن الإرهاصات الأولى ستنحصر غالباً في طوابير الشاحنات وتأخر تسليم البضائع وارتفاع أجور النقل، أما إذا امتد الإغلاق لأسابيع، فإن الخطب سيتجاوز مجرد مشکلة بسيطة في حركة النقل ليتحول إلى شلل حقيقي في سلسلة الإمداد.
وستجد الصناعات والمشاريع العمرانية العراقية، التي تعتمد في مقوماتها على استيراد الصلب والأسمنت والبلاط والسيراميك والبتروكيماويات وغيرها من المنتجات الصناعية الإيرانية، نفسها في مواجهة تأخيرات في تأمين المواد الأولية، فضلاً عن تصاعد تكاليف النقل والبحث عن بدائل.
وعليه، ففي حال استمرار إغلاق الحدود لأيام معدودة، قد تتمكن السوق العراقية من سدّ قسم من احتياجاتها عبر المخزون الاستراتيجي المتاح. ولكن مع إطالة أمد هذه الأزمة، سيجد المستوردون العراقيون أنفسهم مضطرين ليتّجهوا نحو مسارات أخرى لتأمين السلع، مسارات قد تمر عبر تركيا أو الدول الخليجية أو الممرات البحرية.
ومع ذلك، فكلما طال أمد إغلاق الحدود، زادت وعورة وصعوبة إيجاد بديل للمسار الإيراني، لاسيما بالنسبة للسلع التي يستعصي تأمينها بسرعة من دول أخرى. ذلك أن السلعة التي تُنقل بالشاحنات من المصنع الإيراني إلى العراق مباشرةً، قد تستلزم في حال استخدام مسارات بديلة نقلها أولاً إلى الميناء، ثم تفريغها وإعادة شحنها، لتصل بعد ذلك عبر مسار آخر إلى السوق العراقية؛ وكل خطوة إضافية تعني زيادةً في التكاليف، وإطالةً في أمد النقل، واحتماليةً لارتفاع السعر النهائي للسلعة.
وبناءً على ما تقدم، ففي حال استمرار إغلاق الحدود، لن تكون التداعيات الأولى بالضرورة انعداماً تاماً للسلع في السوق العراقية، بل إن غلاء الأسعار، وتباطؤ وتيرة الإمدادات، وتصاعد تكاليف النقل والشحن، ستتصدر المشهد كأبرز الآثار الأولية لهذه الأزمة.
من ناحية أخرى، لا تقتصر فاتورة هذا الوضع على العراق وحده؛ بل إن المصدرين الإيرانيين، وسائقي الشاحنات، وشركات النقل، والمنتجين الذين جعلوا من السوق العراقية الوجهة الرئيسية لمنتجاتهم، سيصطدمون بدورهم بتراجع في المبيعات، وتوقف للشحنات، وتضخم في التكاليف التشغيلية.
وتبرهن التجارب السابقة على أن استمرار إغلاق الحدود البرية بين البلدين من شأنه أن يُلحق خسائر فادحة بالمصدرين والمستوردين من كلا الطرفين، وأن يعرقل مسار التجارة وانسيابية إمدادات السلع.
فعلى سبيل المثال، في فبراير/مارس من عام 2020، واستجابةً لتفشي جائحة كورونا، أغلق العراق عدداً من معابره الحدودية مع إيران، وشهدت منافذ الشلامجة والجذابة ومهران وخسروي في بعض الفترات قيوداً صارمةً على حركة التجارة والمسافرين، كما اقتصر عبور الشاحنات في بعض المسارات على أعداد محدودة وفي أيام محددة.
وقد ألقت هذه القيود بظلالها المباشرة على حركة التجارة؛ حيث أفادت مؤسسة “إس آند بي غلوبال” في تقرير لها في مارس/آذار 2020 بأن إغلاق خمسة منافذ حدودية برية للعراق مع إيران قد أثّر سلباً على تجارة الصلب، ودفع بعض التجار العراقيين إلى الإحجام عن إبرام عقود جديدة في ظل ضبابية المشهد الحدودي.
وفي الختام، لا يمكن اختزال الحدود الإيرانية العراقية في مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل هي شرايين تجارية نابضة تدمج أجزاءً من الأسواق وعجلة الإنتاج وشبكات النقل بين البلدين. وإذا كان التوقف العابر أمراً يمكن تداركه واحتواؤه، فإن استمرار هذه القيود لأسابيع أو أشهر من شأنه أن يوسع رقعة التداعيات لتتجاوز بوابات المنافذ الحدودية، وتضرب في عمق السوق العراقية عبر إرباك إمدادات السلع، وتضخيم التكاليف، وتسليط ضغوط خانقة على مستويات الأسعار.
