الوقت- لم تكن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة عملاً عشوائياً أو ردّ فعلٍ عابراً، بل جاءت ضمن سياق أمني محسوب يعكس طبيعة الصراع الخفي بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، فقد كشف مصدر قيادي في أمن المقاومة أن الاحتلال تعمّد، خلال استهدافاته الأخيرة، ضرب مواقع كانت تُستخدم لتوقيف عناصر متورطين بالتخابر معه، في محاولة مباشرة لإرباك العمل الأمني الداخلي وضرب الجهود المتواصلة التي تقودها المقاومة لحماية جبهتها الخلفية، هذه الاستهدافات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التطور النوعي في الأداء الأمني الفلسطيني، الذي بات يشكّل تهديداً حقيقياً لمنظومة الاحتلال الاستخبارية، ويكشف حالة القلق التي يعيشها أمام انكشاف أدواته.
التخابر تحت القصف: اعتراف غير مباشر
حين يقصف الاحتلال مواقع يُحتجز فيها عملاؤه، فإن ذلك يمثّل اعترافاً غير مباشر بفشله في حماية شبكاته الاستخبارية، وبمدى التقدم الذي حققته الأجهزة الأمنية للمقاومة في تفكيكها، فهذه المواقع لم تكن أهدافاً عسكرية تقليدية، بل أماكن حساسة تُدار فيها معركة العقول والمعلومات، وهي معركة لا تقل خطورة عن المواجهة الميدانية، إن اختيار هذه الأهداف يؤكد أن الاحتلال بات يرى في استمرار التحقيق مع المتورطين بالتخابر خطراً حقيقياً على قدرته الأمنية، ما دفعه إلى محاولة طمس الحقيقة بالقصف بدل تركها تنكشف أمام المجتمع الفلسطيني.
محاولة إفشال الجهود الأمنية للمقاومة
الهدف المباشر من هذه الضربات، كما يؤكد المصدر القيادي، هو إفشال الجهود الأمنية التي تبذلها المقاومة داخل قطاع غزة، فالاحتلال يدرك أن أي تماسك داخلي فلسطيني، وأي نجاح في تحصين الجبهة الداخلية، يعني تقليص قدرته على المناورة الاستخبارية وفقدانه لمصادر معلومات طالما اعتمد عليها في استهداف المقاومين والمدنيين، لذلك يسعى إلى خلق حالة من الفوضى الأمنية، وبثّ الخوف، ومحاولة كسر ثقة الشارع بالمنظومة الأمنية، في مسعى يائس لإعادة إنتاج بيئة تسمح له بالاختراق من جديد.
الأمن المجتمعي كجبهة مواجهة خفية
تكشف هذه التطورات عن أهمية البعد الأمني المجتمعي في معركة التحرر الفلسطيني، حيث لا يقتصر الصراع على السلاح والنار، بل يمتد إلى الوعي والحماية الداخلية، فنجاح المقاومة في كشف شبكات التخابر يعزز الثقة بينها وبين المجتمع، ويؤكد أن الأمن جزء من مشروع الصمود لا أداة قمع، كما يبعث رسالة طمأنة للشارع بأن الجبهة الداخلية مراقبة ومحفوظة، وأن محاولات الاحتلال لضرب النسيج الاجتماعي ستفشل، هذا التماسك المجتمعي يشكل خط دفاع أول، يحرم الاحتلال من أهم أسلحته الخفية، ويمنح المقاومة عمقاً شعبياً متيناً قادراً على الصمود الطويل، ويعزز القدرة الوطنية على الاستمرار بثبات رغم الحصار والعدوان المتواصل في مواجهة كل أشكال الاستهداف.
انكشاف أخلاقي وسياسي للاحتلال
سياسياً وأخلاقياً، يضع هذا السلوك الاحتلال في موقع أكثر عُرياً أمام الرأي العام المحلي والدولي، ويكشف حقيقة منظومته القائمة على النفاق والقوة العارية، فدولة تدّعي امتلاك جيش منظم وقيم أخلاقية لا تتردد في قصف عملائها السابقين، متخلية عنهم بلا أي اعتبار إنساني أو سياسي، وكأنهم مجرد أدوات انتهت صلاحيتها، هذا النهج يفضح طبيعة العلاقة التي يقيمها الاحتلال مع من يتعاونون معه، علاقة تقوم على الاستغلال المؤقت لا على أي التزام أو حماية. وهو ما يعزز قناعة المجتمع الفلسطيني بأن الاحتلال لا يحمي أحداً، حتى من خانوا شعبهم وارتهنوا لمشروعه، ويتركهم لمصير مظلم بلا تردد.
رسالة ردع معكوسة
أراد الاحتلال من خلال هذه الضربات توجيه رسالة ردع للمقاومة، لكنه في الواقع بعث برسالة معاكسة تماماً. فبدلاً من إضعاف الجبهة الداخلية، أكد أن المسار الأمني الذي تنتهجه المقاومة يسير في الاتجاه الصحيح، وأن الضربات المؤلمة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل طالت عمق الاحتلال الاستخباري، كما أن هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة للمتورطين بالتخابر مفادها بأن مصيرهم بات محصوراً بين المحاسبة الداخلية أو القتل بنيران الجهة التي تعاونوا معها.
غزة بين الصمود وكشف الأقنعة
في سياق أوسع، تبرز غزة مرة أخرى كنموذج للصمود المركّب، الذي لا يقتصر على مواجهة القصف والعدوان العسكري، بل يمتد ليشمل إدارة معركة أمنية معقدة تُخاض تحت النار وفي ظروف شديدة القسوة، فالمقاومة لا تدافع عن الأرض فقط، بل تحمي المجتمع الفلسطيني من محاولات التفكيك والاختراق، وتعمل على تحصين الجبهة الداخلية من العبث والاختراقات الاستخبارية، كما تخوض حرباً صامتة لكشف الأقنعة التي حاول الاحتلال الاحتماء بها داخل المجتمع، وهي حرب أقل ضجيجاً من القصف، لكنها أكثر عمقاً وتأثيراً، ومع تراكم نتائجها، تُضعف هذه المعركة العدو تدريجياً، وتعزز مناعة الداخل الفلسطيني، وتؤكد أن الصمود في غزة فعلٌ واعٍ ومتكامل لا ينكسر.
تحولات الصراع ومستقبل المواجهة
تشير هذه الوقائع إلى أن الصراع مع الاحتلال يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المعركة الأمنية مع السياسية والعسكرية، فقصف مواقع توقيف العملاء يعكس خوفاً حقيقياً من المستقبل، حيث تفقد منظومة الاحتلال قدرتها على التحكم بالمعلومات، هذا التحول يمنح المقاومة أفضلية استراتيجية، ويجبر الاحتلال على ردود فعل مكلفة وغير محسوبة، ومع استمرار هذا المسار، تتراكم الأخطاء الإسرائيلية، وتتسع الفجوة بينها وبين الواقع الميداني، ما يمهد لتغيرات أعمق في ميزان الصراع، ويؤكد أن الزمن لم يعد يعمل لصالح الاحتلال كما كان في السابق، ويفتح المجال أمام المقاومة لترسيخ معادلات ردع جديدة أكثر ثباتاً واستدامة، تفرض واقعاً مختلفاً على المنطقة بأكملها مستقبلاً.
الاحتلال يقصف فشله
في المحصلة، يمكن قراءة استهداف مواقع توقيف العملاء باعتباره قصفاً للفشل الإسرائيلي قبل أي شيء آخر، فعندما تتحول أدوات الاحتلال إلى عبء، ويُضطر إلى تدمير شبكاته بيده، فهذا مؤشر واضح على تراجع قدرته على التحكم بالمشهد داخل غزة، أما المقاومة، فتمضي بثبات، مستندة إلى وعي أمني متقدم، وإلى حاضنة شعبية تدرك أن المعركة مع الاحتلال شاملة، وأن النصر يبدأ من حماية البيت من الداخل قبل مواجهة العدو على خطوط التماس.
