الوقت - على الرغم من أن الولايات المتحدة قد استنفدت خلال السنوات الماضية كافة أدواتها السياسية والاقتصادية والأمنية لتوسيع نفوذها في العراق وإتمام مشاريعها العالقة، إلا أن الأيام تكشف عن تراجع مطرد في قدرتها على التأثير في مجريات السياسة العراقية، ولم يكد يمضي أسبوعان على انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “عين الأسد” في غرب العراق، حتى تلقّت واشنطن صفعةً دبلوماسيةً أخرى على يد بغداد.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر مطّلعة يوم الأحد بأن “مارك ساوایا”، الذي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد عيّنه ممثلاً خاصاً للعراق في أكتوبر الماضي، لم يعد يتولى هذا المنصب، وأشارت المصادر إلى أن إخفاق ساوايا في إدارة مواقف حساسة، مثل فشله في عرقلة ترشيح “نوري المالكي” كأحد الأسماء المحتملة لرئاسة الوزراء، كان من أبرز أسباب إقالته.
ولا تزال أسباب هذه الإقالة غير واضحة بشكل جلي، كما لم يُعلن بعد إن كان سيتم تعيين بديل له أم لا، ومع ذلك، ووفقاً لتقرير نشرته وكالة “رويترز”، يعتقد مسؤول عراقي رفيع أن “توم باراك”، سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، قد يتولى إدارة الملف العراقي، وخاصةً أنه كان قد زار مؤخراً أربيل للقاء قيادات “قوات سوريا الديمقراطية”.
وفي هذا السياق، أفاد مسؤولان عراقيان بأن ساوايا كان من المفترض أن يزور العراق يوم الجمعة الماضي لعقد لقاءات مع مسؤولين كبار، إلا أن رحلته أُلغيت فجأةً دون سابق إنذار، وقد أشار محللون إلى أن افتقار ساوايا للخبرة الدبلوماسية كان سبباً رئيسياً في عدم ملاءمته لهذا المنصب الحساس، وهكذا، فإن إقالته السريعة خلال ثلاثة أشهر فقط، تؤكد أن ترامب نفسه لم يكن راضياً عن أدائه.
ماذا کانت مهمة ساوایا؟
مارك ساوايا، رجل أعمال مسيحي من أصول عراقية-أمريكية، كان واحداً من القلائل من ذوي الجذور العربية الذين وقع عليهم اختيار واشنطن لتولي منصب المبعوث الخاص للعراق في أواخر شهر أكتوبر، قبيل انعقاد الانتخابات البرلمانية العراقيةـ وقد كان منوطاً به أن يتولى تنفيذ أجندات البيت الأبيض في هذا البلد، وفي طليعة تلك المهام تعزيز دور الحكومة المركزية في بسط سيطرتها على القوات المسلحة، وتقليص نفوذ قوى المقاومة التي تعدّ حجر عثرة أمام المخططات الأمريكية.
ومن أبرز الأهداف التي أوكلت إلى ساوايا كذلك، إعادة الشركات الأمريكية إلى قلب المشهد في قطاع الطاقة العراقي، في محاولة لاسترداد حصة واشنطن التي تآكلت في أسواق النفط والغاز، وتوطيد نفوذها الاقتصادي في العراق، وقد كُلّف ساوايا بتمهيد الطريق أمام استثمارات جديدة عبر مدّ جسور التعاون بين القطاع الخاص الأمريكي والمؤسسات الاقتصادية العراقية، بغية الحيلولة دون توسّع رقعة نفوذ الخصوم التقليديين لواشنطن، كالصين وروسيا وإيران، في مجالات الطاقة والبنى التحتية.
أما الجانب السياسي والدبلوماسي من مهمة ساوايا، فقد تمثّل في تعزيز جسور التواصل بين واشنطن والأحزاب والتيارات السياسية العراقية، سعياً لتوجيه دفة القرار العراقي بما يتواءم مع مصالح الولايات المتحدة، ومنع بغداد من التوجّه نحو محاور إقليمية تناهض السياسات الأمريكية، ورغم اللقاءات التي عقدها ساوايا خلال الأشهر الثلاثة الماضية مع محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي، وبعض الشخصيات العراقية البارزة، إلا أن المؤشرات تدل على أنه لم يفلح في كسب تأييد القوى السياسية العراقية لمشروعه.
الهزيمة أمام قوى المقاومة
ورغم أن البيت الأبيض لم يفصح عن الأسباب الحقيقية لإقالة ساوايا، إلا أن هذه الخطوة يمكن قراءتها في سياق التطورات السياسية الأخيرة في العراق، التي لم تكن في صالح الولايات المتحدة.
وقد جاءت الإقالة بعد أيام قليلة من تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعراق من مغبّة إعادة نوري المالكي إلى منصب رئيس الوزراء، مهدّداً بقطع المساعدات المالية عن بغداد إن حدث ذلك، وزعم ترامب في تبرير موقفه أن العراق، في عهد المالكي السابق، قد انحدر إلى درك الفقر والفوضى.
نوري المالكي، الذي حمّلته واشنطن مسؤولية تأجيج الانقسامات الطائفية والسماح بظهور تنظيم "داعش" خلال فترة ولايته السابقة، تم ترشيحه مجدداً لهذا المنصب من قبل أكبر الكتل البرلمانية العراقية، وهو ما أثار استياء الإدارة الأمريكية، وكانت واشنطن تأمل أن تُجبر القوى السياسية الشيعية عبر الضغوط الاقتصادية على التراجع عن قرارها، لتتمكن من إنجاز مشاريعها المؤجلة في العراق، غير أن تلك القوى مضت في قرارها غير آبهة بتهديدات واشنطن، لتؤكد أن الكلمة الفصل في بغداد لم تعد مرهونةً بإرادة البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، أعلن الإطار التنسيقي لشيعة العراق في ليلة السبت مجدداً موقفه الثابت قائلاً: “بعيداً عن الإملاءات الخارجية، نؤكد مرةً أخرى تمسكنا بترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء في الحكومة المقبلة للعراق”. وأكد هذا الإطار في بيانه: “إن اختيار رئيس الوزراء شأن دستوري عراقي، يتم وفق الآليات السياسية المقررة، مع مراعاة المصالح الوطنية العليا للعراق، بعيداً عن أي تدخلات خارجية”.
لقد أظهر عزم القوى الشيعية وإرادتها الصلبة في التمسك بقراراتها، أن العراق لم يعد ذلك البلد الذي يرزح تحت وطأة إملاءات واشنطن، وأن ترامب لم يعد قادراً على فرض رؤاه عبر تبديل أدواته ورجاله في بغداد، وعليه، يمكن القول إن المهمة الأولى التي أوكلت إلى مارك ساوايا، والمتمثلة في تقويض نفوذ قوى المقاومة داخل البنية السياسية العراقية، وتنصيب شخصيات تدين بالولاء لواشنطن على رأس هرم السلطة، قد باءت بالفشل الذريع.
كانت أولى هزائم ساوايا قد تجلت في نتائج الانتخابات البرلمانية، حيث خابت آمال البيت الأبيض بعدما حصدت قوى المقاومة غالبية المقاعد، ما شكّل ضربةً موجعةً للأجندات الأمريكية، أما الضربة الثانية، فجاءت مع ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء كخيار نهائي، ما كشف محدودية الأدوات الأمريكية في مواجهة صلابة قوى المقاومة.
لقد أثبتت التجارب أن الضغوط الخارجية مهما اشتدت لا تملك أن تقتلع جذور المقاومة الراسخة في العراق، فهي ليست مجرد تيارات سياسية عابرة، بل هي كيان متجذر في المؤسسات الحكومية والأمنية، مدعوم بقاعدة شعبية ثابتة، ولذا، فإن إقالة ساوايا لم تكن إلا أولى العلامات الفاضحة لفشل السياسات الأمريكية في مواجهة هذه القوى وإدارة الأزمات السياسية في العراق.
ولم يقتصر فشل ساوايا على الساحة السياسية وحسب، بل امتد إلى ميدان الاقتصاد والطاقة، فقد عجز عن إقناع الحكومة العراقية وقادة إقليم كردستان بتوقيع اتفاقيات استثمارية في قطاعي النفط والغاز، ما أبرز عجز واشنطن عن تحقيق أهدافها الاقتصادية في العراق.
وفي تصريح صادم أدلى به ترامب خلال قمة “شرم الشيخ” في أكتوبر الماضي، أشار بوضوح إلى أن العراق يمتلك ثروات هائلة من النفط، لكنه “لا يعرف كيف يديرها”، على حد تعبيره، وأضاف ترامب إن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من سبعة تريليونات دولار في منطقة الشرق الأوسط، وأنه يتوقع أن تسهم الدول العربية، وفي مقدمتها العراق، في تعويض جزء من تلك النفقات.
وهکذا، في ظل التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة، باتت مصادر الطاقة العراقية في قلب أطماع ترامب، الذي يسعى بشتى السبل إلى إحكام قبضته على إدارتها، وبعد إخفاق ساوايا في تحقيق هذه الغاية، لجأت واشنطن إلى البحث عن بدائل جديدة لتنفيذ أجندتها.
ويمثّل وجود مبعوث أمريكي خاص في العراق وسيلةً لواشنطن للتأثير المباشر على القرارات الاقتصادية والسياسات المرتبطة بقطاع الطاقة، متجاوزةً بذلك الأطر الدبلوماسية التقليدية، ومن شأن هذا الوجود أن يمهّد الطريق أمام شركات أمريكية لإبرام عقود جديدة مع العراق، في حين أن الاتفاقيات السابقة التي أبرمتها تلك الشركات مع حكومة أربيل، كانت جزءاً من هذا المسعى.
ولکن على الرغم من كل هذه المحاولات، ومع انكشاف الطموحات الجامحة لواشنطن في السيطرة على موارد المنطقة، فإن الشعب العراقي، الذي خبر سياسات الهيمنة والتدخل، لن يسمح لأمريكا بالاستيلاء على ثرواته الهائلة، وتغيير المبعوثين أو تبديل الأدوات لن يكون طوق النجاة لترامب في تحقيق مآربه، فصمود العراقيين بات السد المنيع الذي تتحطم عليه أحلام الهيمنة.
توجه أمريكا إلى العراق مع قدوم باراك: سياسة أشدّ صرامةً أم استمرار للفشل؟
مع إقالة مارك ساوايا، يبدو أن توم باراك، الشخصية المثيرة للجدل والتي ملأت أصداءها أرجاء المنطقة خلال العام المنصرم، قد كُلّف بملف العراق. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل سيسهم إسناد هذا الملف إلى باراك في تخفيف حدة سياسات واشنطن تجاه بغداد، أم إن قدومه سيشعل فتيل نهجٍ أشدّ صرامةً وقسوةً؟
بالنظر إلى مواقف باراك العدائية في سوريا ولبنان، والتي تجلّت في ضغوطه على المسؤولين اللبنانيين لنزع سلاح حزب الله، تحت ذريعة حماية أمن الأراضي المحتلة، ودفع بيروت نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، يبدو أن توليه ملف العراق ينبئ بتشديد القبضة الأمريكية على هذا البلد، ومن المتوقع أن يعيد باراك ملف تفكيك الحشد الشعبي إلى الواجهة، وهو الملف الذي سعت واشنطن في الأشهر الأخيرة لدفعه بكل ما أوتيت من أدوات.
مع تعيين باراك، ستكثّف الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للحد من نفوذ قوى المقاومة وإيران في مفاصل الحكم العراقي، غير أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى اشتداد التوترات في العراق والمنطقة بأسرها، فالمقاومة العراقية، التي تعدّ شوكةً في خاصرة واشنطن، أثبتت في الماضي قدرتها على إجبار القوات الأمريكية على الانسحاب من بعض قواعدها، وما زالت قادرةً على مواصلة هذا المسار حتى إخراج الاحتلال بالكامل من العراق.
إن تنامي قوة المقاومة، وتعزيز روابطها مع طهران، باتا ناقوس خطر يدق في آذان واشنطن، فقد أدركت الولايات المتحدة أن بقاء هذا التيار مؤثراً في المشهد العراقي، يعني إفشال أي محاولة أمريكية للهيمنة على مفاصل السياسة والاقتصاد والأمن في العراق.
ومع ذلك، فإن باراك، الذي لم يحقق نجاحاً يُذكر في ساحات لبنان وسوريا، تبدو حظوظه ضئيلةً في العراق كذلك، فقوى المقاومة راسخة الجذور في البنيتين السياسية والأمنية لدرجة يستحيل معها اجتثاثها بسهولة، أو تجاوزها كعنصر رئيسي في المعادلة العراقية.
لقد أثبتت إقالة ساوايا في غضون ثلاثة أشهر فقط، أن نفوذ واشنطن في العراق ليس باليُسر الذي توهمه ساكنو البيت الأبيض، وطالما بقيت قوى المقاومة مرابطةً في خنادقها، تصدُّ عن العراق أطماع المستكبرين، فإن جهود الولايات المتحدة لزعزعة استقرار هذا البلد لن تُثمر إلا هباءً منثوراً.
