الوقت- إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الانتخابات النيابية في لبنان ستُجرى في موعدها المحدد ليس مجرد تصريح إداري، بل موقفاً سياسياً محسوباً يحمل أكثر من رسالة، فالتوقيت يأتي في مرحلة تتكاثر فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتعالى فيها التحليلات التي تتوقع تعطيل الاستحقاقات الدستورية، لذلك يمكن فهم التصريح باعتباره محاولة استباقية لقطع الطريق أمام أي تأويلات تتحدث عن تأجيل محتمل، كما أنه يعكس إدراكاً لدى الطبقة السياسية بأن المساس بالمواعيد الانتخابية قد يفاقم أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي ثقة مهزوزة أصلاً، ومن هنا يبدو الإعلان أشبه بإشارة طمأنة داخلية قبل أن يكون خطاباً موجّهاً للخارج.
الانتخابات كاختبار لشرعية النظام
الانتخابات في الأنظمة البرلمانية ليست حدثاً دورياً فحسب، بل اختباراً متجدداً لشرعية النظام السياسي، وفي الحالة اللبنانية، تكتسب هذه الفكرة وزناً أكبر بسبب الطبيعة التوافقية للنظام وتركيبته الطائفية المعقدة، إن الالتزام بالموعد الانتخابي يعني أن المؤسسات لا تزال قادرة على العمل ضمن الإطار الدستوري رغم الضغوط، أما أي تأجيل فكان سيُفسَّر باعتباره دليلاً على عجز البنية السياسية عن إدارة نفسها، لذلك فإن تأكيد إجراء الانتخابات في وقتها هو بمثابة إعلان تمسك بالحد الأدنى من انتظام الحياة الدستورية، وهو أمر بالغ الأهمية في بلد اعتاد على الفراغات السياسية الطويلة، بهذا المعنى، يتحول الموعد الانتخابي إلى رمز للاستمرارية المؤسسية أكثر من كونه مجرد استحقاق إجرائي.
انعكاسات الالتزام بالمواعيد الدستورية
الالتزام الصارم بالمواعيد الدستورية لا يقتصر أثره على الجانب القانوني، بل يمتد ليشمل البنية النفسية للمجتمع السياسي، حين ترى القوى الحزبية والناخبون أن الاستحقاقات تُنفذ في وقتها، يتعزز الشعور بأن قواعد اللعبة ثابتة وليست خاضعة للمزاج أو موازين القوة، هذا الإحساس بالثبات يخفف منسوب التوتر ويحد من الشائعات التي تزدهر عادة في فترات الغموض، كما أنه يمنح الإدارة الرسمية وقتاً كافياً للتحضير اللوجستي والتنظيمي ما يقلل احتمالات الفوضى يوم الاقتراع، لذلك يصبح احترام الموعد رسالة ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع وعلامة على أن النظام ما زال قادراً على ضبط إيقاعه الداخلي رغم الأزمات في كل الظروف الصعبة والتحولات السياسية الكبرى.
العلاقة بين الرئاستين وتوحيد الرسائل
الإشارة إلى أن الموقف أُبلغ إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون تحمل دلالة سياسية إضافية تتجاوز البروتوكول، فهي توحي بوجود تنسيق بين رأسَي السلطة التشريعية والتنفيذية حول أولوية احترام الاستحقاق الانتخابي، في الأنظمة التي تعاني من انقسامات حادة، يصبح توحيد الخطاب الرسمي عامل استقرار بحد ذاته، لأنه يقلل من مساحة الشكوك والشائعات، كما أن التنسيق بين المؤسسات يرسل إشارة بأن الدولة، رغم تعددية مراكز القرار فيها، قادرة على اتخاذ موقف موحّد عندما يتعلق الأمر بالقواعد الأساسية للنظام، ومن هنا يمكن قراءة الإعلان بوصفه جزءاً من إدارة سياسية للمرحلة، لا مجرد تصريح إعلامي عابر.
خلفيات الحديث عن التأجيل
لم يأتِ التأكيد على الموعد من فراغ؛ فالنقاش حول احتمال تأجيل الانتخابات كان حاضراً في الأوساط السياسية والإعلامية، هذا النوع من النقاشات يظهر عادة عندما تتداخل الأزمات الأمنية أو الاقتصادية مع الاستحقاقات الدستورية، في الحالة اللبنانية، تتراكم عوامل الضغط من تدهور العملة إلى التوترات الإقليمية، ما يجعل فكرة التأجيل تبدو واقعية لدى بعض المراقبين، لذلك فإن الحسم العلني بالموعد يهدف إلى سحب الذريعة من أي طرف قد يسعى إلى التمديد غير المباشر، كما أنه يضع الجميع أمام استحقاق واضح لا يمكن التراجع عنه بسهولة، وهو ما يفرض على القوى السياسية الاستعداد للمنافسة بدل الرهان على الوقت.
تأثير الاستحقاق على سلوك القوى السياسية
مع اقتراب أي انتخابات تميل القوى السياسية إلى إعادة حساباتها بدقة أكبر لأن صناديق الاقتراع تكشف الحجم الحقيقي لكل طرف بعيداً عن الخطاب الإعلامي، إعلان تثبيت الموعد يدفع الأحزاب إلى الانتقال من مرحلة الترقب إلى مرحلة الفعل فتبدأ بتشكيل التحالفات وصياغة البرامج واختيار المرشحين وفق معايير أكثر واقعية. هذا التحول ينعكس على الخطاب السياسي الذي يصبح أقل حدة وأكثر ميلاً للواقعية إذ تدرك الأطراف أن الناخب يراقب الأداء لا الشعارات، وهكذا يتحول الموعد الانتخابي إلى محرك ديناميكي يعيد تنشيط الحياة الحزبية ويفرض إيقاعاً تنافسياً منظماً على المشهد العام في مختلف الساحات الوطنية والسياسية خلال المرحلة التي تسبق التصويت بفترة قصيرة.
البعد الإقليمي والدولي للرسالة
لا يمكن فصل هذا الموقف عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تراقب القوى الدولية وضع المؤسسات في لبنان باعتباره مؤشراً على استقرار شرق المتوسط، إجراء الانتخابات في موعدها يقدّم صورة عن دولة لا تزال قادرة على إدارة انتقالاتها السياسية سلمياً، وهو عنصر مهم في حسابات المانحين والداعمين الخارجيين، فالاستحقاقات الدستورية المنتظمة تُفسَّر غالباً كعلامة على وجود حد أدنى من الحوكمة، حتى لو كانت الأزمات قائمة، لذلك يمكن اعتبار التصريح موجّهاً جزئياً إلى الخارج، ليؤكد أن مجلس النواب اللبناني ماضٍ في أداء دوره، وأن النظام السياسي لا يزال يعمل وفق قواعده الأساسية رغم التحديات.
ما الذي يعنيه ذلك للمشهد السياسي المقبل
إذا جرت الانتخابات فعلاً في موعدها، فإنها ستفتح مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات الداخلية، فالاستحقاقات الانتخابية في لبنان غالباً ما تُعيد رسم خريطة التحالفات داخل البرلمان، وهو ما ينعكس لاحقاً على تشكيل الحكومات ومسار السياسات العامة، لذلك فإن الإصرار على الموعد لا يعني فقط احترام الدستور، بل الاستعداد لدخول دورة سياسية جديدة قد تحمل تغيرات في موازين القوى، ومن هنا يمكن القول إن التصريح ليس نهاية قصة، بل بداية مرحلة تحضيرية لمواجهة اختبار سياسي واسع، فالمعركة الحقيقية لن تكون في إعلان الموعد، بل في ما ستفرزه صناديق الاقتراع من نتائج قد تعيد صياغة المشهد اللبناني بأكمله.
