الوقت- في ظل مرور أكثر من أربعة أشهر على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال الأوضاع الإنسانية والأمنية بعيدة عن الاستقرار، وسط تحذيرات متكررة من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أن استمرار القيود والعنف يهدد حياة ملايين المدنيين ويقوض أي فرصة لتحقيق تهدئة حقيقية، وتشير الوكالة إلى أن ما يجري على الأرض لا يعكس هدنة فعلية، بل واقعًا معقدًا تتداخل فيه التوترات العسكرية مع الانهيار الإنساني العميق.
هدنة بلا استقرار
أفادت الأونروا في بيانات حديثة بأن قطاع غزة ما يزال يشهد أعمال عنف وسقوط ضحايا رغم بدء سريان وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، ووفق تقديرات الوكالة، قُتل مئات الفلسطينيين وأصيب أكثر من ألف آخرين منذ إعلان الهدنة، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني واستمرار التوترات، وأكدت الوكالة أن القطاع بحاجة إلى وقف إطلاق نار “حقيقي ومستدام”، يسمح بوصول المساعدات الإنسانية وعودة الحياة إلى حدها الأدنى.
وتقول الأونروا إن القيود المفروضة على إدخال المساعدات الأساسية، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، تعرقل جهود الإغاثة وتزيد من معاناة السكان المدنيين، وخصوصًا مع تدمير واسع للبنية التحتية ونقص حاد في الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن غالبية سكان القطاع باتوا يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
أزمة إنسانية متفاقمة
تشير تقارير الوكالة إلى أن نحو ثلثي سكان غزة، أي ما يقارب 1.4 مليون شخص، يعيشون في مراكز إيواء مكتظة أو في ظروف نزوح صعبة، مع نقص شديد في الاحتياجات الأساسية، كما يواجه القطاع أزمة غذائية حادة، حيث يعاني عدد كبير من الأطفال من سوء التغذية، فيما تحذر تحليلات الأمن الغذائي من استمرار الوضع في مستويات خطيرة خلال الأشهر المقبلة.
وحسب البيانات، فإن مدينة غزة قد تبقى في المرحلة الحرجة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تواجه مناطق أخرى مستويات خطرة، ما ينذر بتداعيات صحية واجتماعية خطيرة، وخاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن. ويقول عاملون في المجال الإنساني إن نقص الغذاء النظيف والمياه والرعاية الصحية يهدد بزيادة معدلات الأمراض والوفيات، وخصوصًا في ظل الاكتظاظ الكبير في مراكز النزوح.
خسائر بشرية واسعة
تظهر الأرقام الصادرة عن الجهات الصحية في غزة والمنظمات الدولية أن الصراع المستمر منذ أكتوبر 2023 خلّف عشرات الآلاف من الضحايا، إلى جانب أعداد كبيرة من الجرحى والمفقودين، كما فقدت الأونروا نفسها مئات من موظفيها خلال الحرب، في واحدة من أكبر الخسائر التي تتعرض لها وكالة أممية في سياق نزاع مسلح.
ورغم ذلك، تؤكد الوكالة أنها مستمرة في أداء مهامها الإنسانية، بما في ذلك تشغيل المراكز الصحية وتقديم التعليم والدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى إعادة تأهيل بعض المرافق المتضررة، وقد أعادت الوكالة افتتاح بعض الخدمات المتخصصة، مثل مراكز دعم الأطفال ذوي الإعاقة البصرية، في محاولة للتخفيف من آثار الحرب على الفئات الأكثر ضعفًا.
التعليم تحت التهديد
أحد أبرز آثار الأزمة يتمثل في تعطّل العملية التعليمية لمئات الآلاف من الطلبة في قطاع غزة، حيث دمرت العديد من المدارس أو تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، وتقول الأونروا إن جيلاً كاملاً يواجه خطر الحرمان من التعليم، ما يهدد بمضاعفات طويلة الأمد على مستقبل المجتمع الفلسطيني.
ويشير خبراء إلى أن توقف التعليم لا يقتصر تأثيره على الجانب الأكاديمي، بل يمتد إلى الصحة النفسية للأطفال والاستقرار الاجتماعي، حيث يعيش كثير من الأطفال في أجواء من الخوف وعدم اليقين، دون توفر بيئة آمنة أو خدمات دعم كافية.
جدل حول دور الأونروا ومستقبلها
في خضم هذه الأزمة، تواجه الأونروا تحديات سياسية ومالية تهدد استمرار عملها، وقد حذّر المفوض العام للوكالة من أن أي محاولة لإضعافها أو إلغائها دون بديل واضح قد تؤدي إلى كارثة إنسانية واسعة، مشيرًا إلى أن الوكالة تمثل شريان حياة لملايين اللاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ومناطق أخرى.
كما أشار إلى أن مستقبل الوكالة لا يزال غير واضح في ظل غياب موقف دولي حاسم بشأن تمويلها ودورها، محذرًا من أن انهيارها سيترك فراغًا خطيرًا في الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية، ودعا المجتمع الدولي، وخاصة الدول العربية، إلى تعزيز دعمها للوكالة لضمان استمرار عملياتها الإنسانية.
موقف الكيان الإسرائيلي
من جهة أخرى، يؤكد الكيان الإسرائيلي أن إجراءاته الأمنية تهدف إلى منع تهريب الأسلحة وضمان أمنه، مشيرًا إلى أن القيود المفروضة على دخول بعض المواد إلى غزة تأتي ضمن اعتبارات أمنية، كما يتهم بعض الجهات باستخدام المساعدات لأغراض غير إنسانية، وهو ما تنفيه منظمات الإغاثة الدولية التي تؤكد أن عملها يخضع لرقابة صارمة ومعايير أممية.
ويرى مراقبون أن استمرار الخلافات السياسية والأمنية يعرقل التوصل إلى آلية فعالة لإيصال المساعدات وضمان تثبيت وقف إطلاق النار، ما يترك المدنيين في مواجهة أزمة إنسانية متواصلة.
المجتمع الدولي بين الدعوات والتحرك المحدود
رغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، لا يزال التحرك الدولي محدودًا في نظر كثير من المراقبين، فقد دعت جهات أممية إلى فتح ممرات إنسانية آمنة وضمان تدفق المساعدات دون عوائق، إضافة إلى ضرورة تثبيت هدنة شاملة تمهّد لعملية سياسية أوسع.
كما شددت هذه الجهات على أن الحل الإنساني وحده لا يكفي، وأنه لا بد من معالجة جذور الصراع عبر تسوية سياسية عادلة تضمن الأمن والاستقرار لجميع الأطراف، ويرى خبراء أن غياب أفق سياسي واضح يفاقم الأزمة ويجعل أي هدنة مؤقتة عرضة للانهيار في أي لحظة.
غزة بين الواقع والمستقبل
في ظل هذا المشهد المعقد، يعيش سكان غزة واقعًا صعبًا يجمع بين الدمار الواسع ونقص الموارد والخوف المستمر من تجدد القتال، وبينما تحاول المنظمات الإنسانية التخفيف من المعاناة، يبقى مستقبل القطاع مرهونًا بتطورات سياسية وأمنية لم تتضح معالمها بعد.
وتحذر الأونروا من أن استمرار الوضع الحالي دون حل جذري قد يؤدي إلى تدهور أكبر في الأوضاع الإنسانية، داعية إلى تحرك عاجل لضمان وقف دائم لإطلاق النار ورفع القيود عن المساعدات وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية، يظل الأمل معلقًا على قدرة المجتمع الدولي والأطراف المعنية على تحويل الهدنة الهشة إلى سلام مستدام، ينهي معاناة المدنيين ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في قطاع غزة.
