الوقت - نشرت مجلة “هيل”، المعنية بشؤون الكونغرس الأمريكي، مقالاً تحليلياً بقلم الكاتب “شاربل أ. أنطون”، جاء تحت عنوان: “بعد 47 عامًا من الثورة الإيرانية، واشنطن لا تزال بلا استراتيجية واضحة”، في هذا المقال، يُسلط الكاتب الضوء على مأزق الولايات المتحدة تجاه إيران، تلك الدولة الثابتة في صمودها، التي لا تسقط ولا تبدّل مسارها، رغم كل محاولات الضغط والتغيير.
يشير المقال إلى أن المساعي الدبلوماسية بين واشنطن وطهران تتداعى مرةً أخرى تحت وطأة التناقضات العميقة، الطريق الذي فتحه الرئيس ترامب في عمان لم يكن ممهداً للنجاح منذ البداية، والجميع كان مدركاً لذلك، ومع ذلك، تجد واشنطن نفسها الآن تتجه نحو مواجهة لا ترغب فيها، لكنها قد تقع في شركها، مواجهة ليست وليدة النوايا، بل نتيجة بنيان سياسي معقد لا يحتمل الحلول الوسط.
في قلب هذا الانسداد، تتصارع قوتان لا تقبلان التغيير: خطوط (آية الله) الخامنئي الحمراء، قائد الجمهورية الإسلامية، ومطالب بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء "إسرائيل"، (آية الله) الخامنئي يرى أن تخصيب اليورانيوم حق سيادي لإيران، مكفول بموجب معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، ويرفض التفاوض خارج إطار الملف النووي، ورغم تصريح محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بأن إيران مستعدة لتخفيف مستوى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% إذا رفعت الولايات المتحدة العقوبات بالكامل، إلا أن السيد الخامنئي لم يُظهر أي بوادر لتقديم تنازلات إضافية.
على الجانب الآخر، يطالب نتنياهو بإزالة البرنامج النووي الإيراني من جذوره: صفر تخصيب، صفر مخزون، صفر بنية تحتية، هذه المواقف المتناقضة لا تترك مجالاً للتوافق الدبلوماسي. ترامب، الذي دخل المفاوضات وهو ملتزم بمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية، كان يعلم أن هذا الفارق بين الطرفين لا يمكن تجاوزه.
ورغم التقارير الاستخباراتية التي تؤكد أن إيران قد قلّصت بشكل كبير المدة الزمنية اللازمة لصنع سلاح نووي، وافق ترامب على المفاوضات في عمان، لكنه، وإن كان لا يريد الحرب، إلا أنه يستعد لاحتمال وقوعها، مدفوعًا بضغط نتنياهو وأنصار تغيير النظام في واشنطن، هذا بالإضافة إلى أن المفاوضات لم تشمل البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، ولا شبكات المليشيات الإقليمية التابعة لها، الممتدة من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان.
غير أن هذه الملفات ليست أوراقاً للمساومة بالنسبة لطهران؛ بل هي صلب هيكل القوة للجمهورية الإسلامية. فالصواريخ هي نواة الردع، والمليشيات هي محرك النفوذ الإقليمي.
المعضلة الكبرى: إيران التي لا تريد أن تكون “عادية”
هذا هو الواقع الذي يواجه واشنطن: إنها تحاول أن تُطوّع نظاماً يرفض أن يكون عادياً، على مدى 47 عامًا، حاولت كل إدارة أمريكية، من ريغان إلى أوباما، أن تجعل إيران دولةً “طبيعيةً”، تلعب وفق قواعد اللعبة الدولية، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، وحتى ترامب، الذي انسحب من الاتفاق النووي لإرضاء نتنياهو والمتشددين في واشنطن، ساهم في ترسيخ تلك الديناميكيات التي يحاول الآن عكسها.
النتيجة هي مفارقة استراتيجية: ترامب لا يريد الحرب، إيران لا تريد الحرب، لكن كلا الطرفين يسير نحوها، لأن الدبلوماسية عاجزة عن تلبية مطالب الطرفين، وعندما تصبح الدبلوماسية مستحيلةً، ولا يبقى سوى الردع كوسيلة للتواصل، فإن سوء الحسابات يصبح العامل الأكثر احتماليةً لكتابة الفصل التالي.
حقيقة مرة تواجه واشنطن
على الولايات المتحدة أن تواجه واقعاً صعباً: لم تفشل فقط في إدارة العلاقة مع الجمهورية الإسلامية، بل عجزت أيضاً عن صياغة بديل قابل للتطبيق، وبعد ما يقارب نصف قرن، لا تزال واشنطن بلا استراتيجية واضحة للتعامل مع نظامٍ لا ينهار ولا يتغير، نظام استمد بقاءه من رفضه أن يصبح ما افترضت السياسة الأمريكية أنه يجب أن يكون.
