الوقت - في سياق زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى سلطنة عمان يوم الثلاثاء المنصرم، وبعد لقائه بـ"السلطان هيثم بن طارق" ملك البلاد، و"بدر البوسعيدي" وزير الخارجية، كان للاريجاني لقاءٌ غير متوقع مع “محمد عبدالسلام”، الناطق الرسمي باسم حركة أنصار الله اليمنية.
ولأن مسقط تُعدّ إحدى القنوات الدبلوماسية الموثوقة لدى إيران في ملفات شائكة، كالقضية النووية وغيرها من المسائل الخلافية مع الولايات المتحدة، فقد انصبّت غالبية التحليلات حول أهداف هذه الزيارة على استكمال المشاورات المتعلقة بمفاوضات الخميس الماضي بين “عباس عراقجي” وزير الخارجية الإيراني والوفد الأمريكي برئاسة “ستيف ويتكاف”.
بيد أن اللقاء الذي جمع لاريجاني بـ"محمد عبدالسلام" حمل في طياته رسالةً تتناغم مع التحذيرات الأخيرة التي أطلقها مسؤولو طهران، لثني البيت الأبيض عن أي حسابات خاطئة تتعلق بخوض مغامرة عسكرية، حتى وإن كانت محدودةً، ضد إيران، ومع الحشود العسكرية الأمريكية التي أُرسلت إلى المنطقة في الأسابيع الأخيرة، شدّد المسؤولون السياسيون والعسكريون الإيرانيون على جهوزيتهم التامة للرد على أي تهديد، مؤكدين أن الرد لن يقتصر على مياه الخليج الفارسي، بل سيُفضي إلى حربٍ شاملة تمتد رقعتها إلى كل أرجاء المنطقة.
وفي ظل هذا النهج الذي يُبرز امتلاك إيران لخيارَي الدبلوماسية والساحة العسكرية على حد سواء، جاء لقاء لاريجاني بالناطق الرسمي لأنصار الله، الذين يُعدّون إحدى الأذرع القوية لمحور المقاومة في المنطقة، ليُجسّد رسالةً صارخةً مفادها بأن أي اعتداء عسكري، مهما كان محدوداً، لن يبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق يمكن السيطرة عليه، بل سيفتح أبواباً لجبهات جديدة تمتد إلى ما وراء الخليج الفارسي، لتشمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي.
رسالةٌ واضحة المعالم، تُذكّر بأن معادلة الردع اليوم لا تقوم فقط على القدرات المباشرة لإيران، بل تتجلى في تضافر إمكانات محور المقاومة، الأمر الذي يجعل أي خطأ في الحسابات الأمريكية مقدمةً لحربٍ متعددة الأبعاد، باهظة التكلفة، مجهولة النهاية، حربٌ لن تقتصر تداعياتها على تهديد الأمن، بل ستطال شرايين الاقتصاد والطاقة الحيوية للغرب، لتضعها في مرمى النيران المباشرة.
حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ودرسٌ من عبرة التاريخ
كما سعى “ستيف ويتكاف”، عقب انتهاء مفاوضات مسقط، إلى أن يُبرز عبر حضوره الممنهج والمشحون بالتهديد على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” في بحر العرب، رسالةً مفادها بأن خيار الضغط العسكري لا يزال قائماً، جاء رد “علي لاريجاني” بلقاءٍ ذي دلالة عميقة مع “محمد عبدالسلام”، حمل رسالةً مضادةً، تنبض بالتحذير وتستحضر هزيمة أمريكا أمام أنصار الله في مياه البحر الأحمر، حينما أُجبرت حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” على الانسحاب من ميدان المواجهة.
هذه الرسالة تحمل للأمريكيين حقيقةً لا لبس فيها: إن التلويح بحربٍ إقليمية لم يعد مجرد أداةٍ نفسية أو تهديداً سياسياً أجوف، بل أصبح واقعاً قائماً على تجارب ميدانية وتوازنٍ جديد للقوى في المنطقة.
وقد جاء هذا التذكير على خلفية ما أعلنته حركة أنصار الله اليمنية في الثامن والعشرين من يناير، حينما استحضرت هجومها الناجح على الناقلة البريطانية “مارلين لواندا” في خليج عدن، ضمن مساعيها لكسر الحصار البحري الذي يفرضه الكيان الصهيوني، وأكدت صنعاء حينها جاهزيتها الكاملة، مدعومةً بقدرات بحرية متقدمة، للتصدي لحاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” في مياه المنطقة، وتتضاعف أهمية هذا التحذير إذا ما استحضرنا أن هذه الحاملة، خلال فترات وجودها السابقة في المنطقة، كانت جزءاً من العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة ضد صنعاء، رداً على دعم اليمن للقضية الفلسطينية، لكنها تعرضت مراراً لهجمات أفقدتها أي تفوق ميداني حاسم لمصلحة واشنطن.
وقد تمكنت أنصار الله، خلال تلك المواجهات، من إسقاط سبع طائرات أمريكية مسيّرة من طراز “MQ-9 Reaper”، بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من مئتي مليون دولار، فضلاً عن إسقاط مقاتلتين أمريكيتين من طراز “F/A-18” خلال فترة لم تتجاوز عشرة أيام، ولم تقتصر آثار هذا الإخفاق على الخسائر المادية فحسب، بل امتدت إلى شهادات الطيارين والجنود الأمريكيين الذين عاشوا تجربة الحرب المريرة على متن حاملة الطائرات “لينكولن” في مياه البحر الأحمر. حتى أن وزير الحرب الأمريكي، “بيتر هجزت”، أقرّ في تصريحٍ له بهزيمة بلاده أمام أنصار الله، قائلاً: “كانت مهمة الجيش الأمريكي تتمثل في منع أنصار الله من استهداف السفن الأمريكية وضمان حرية الملاحة في ممرات الشرق الأوسط، ولكن برغم كل جهودنا، لم نتمكن من إيقاف هذا الحركة”.
إن اليمن اليوم لم يعد مجرد لاعب هامشي في معادلات المنطقة، بل بات قوةً عسكريةً كبرى ذات تأثير بالغ في أمن المنطقة واستقرارها، فبما تمتلكه من قدرات صاروخية وباليستية متطورة، وإمكانات عالية في تنفيذ العمليات البحرية المعقدة، وسيطرتها الميدانية على المضيق الاستراتيجي المتمثل في باب المندب، تجاوزت صنعاء موقعها السابق لتصبح إحدى ركائز الردع الأساسية في غرب آسيا. فهذا المضيق، الذي يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وعموداً فقرياً لصادرات النفط الإقليمي، يمثّل نقطة ارتكاز لا يُستهان بها، حيث إن أي اضطراب أمني فيه كفيل بأن يترك بصماته الواضحة على الاقتصاد العالمي، ويلقي بظلاله الثقيلة على الحسابات الجيوسياسية لكل من الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما في المنطقة.
